الأحد، 20 مارس 2011

بيان مجموعة من الحمقى في التبرؤ من القذافي




قال الراوي:
على إثر البيان الذي صدر عن "الجمعية الإبليسية لشياطين الكون من الإنس والجن"، والذي تبرأ فيه "إبليس اللعين" مما يفعله القذافي ويقوله، فكر بعض المجانين والحمقى في البلاد العربية في إصدار بيان مثله، خاصة وأن هناك الكثير من الناس ممن ينعتون القذافي بالأحمق والمجنون والمخبول... ولذلك تطوع أحد المجانين، بعد أن أصبح عاقلا لفظاعة مارآه مرة في قناة تلفزيونية من قتل وذبح وتنكيل بالأبرياء من طرف السفاح القذافي (1)، لنشردعوة لمجانين العرب، وكانت الدعوة كالتالي:
[إلى كل المجانين في الدول العربية:
لايخفى عليكم مايتردد على ألسنة عقلاء العرب، بل العالم، خاصة عند الغضب، من سب وشتم ونقيصة لمن غضبوا منه. ولعل من أكثر الكلمات تداولا في الشتم كلمات: أحمق ومخبول ومجنون ومأفون وأخرق...وآخر مما يحز في النفس إطلاق صفة الأحمق على القذافي، الرجل الدموي في ليبيا!
لذلك أدعو الجميع إلى الاجتماع قصد التداول في الأمر.
والدعوة عامة].
وفي آخرالدعوة ملحوظتان هما:
1-إن المدعو (مجنون ليبيا) غير مرحب به في اللقاء.
2-سيتم الاجتماع في الولايات المتحدة، نظرا لأنها مركز "المجانين العقلاء" (2)، والتنقل والتغذية والمبيت مكفولة من منظمة مجنونيسيف.
وبالفعل اجتمع مجموعة من الحمقى من الدول العربية في المركز المذكور، وساعدتهم في ذلك منظمة "مجنونيسيف"، المنظمة العربية للمجانين، وهي تابعة لمنظمة "مجنونيسكو"، المنظمة العالمية للمجانين.
وبعد النقاش والتداول في الأمر من جميع وجوهه، وبحدة ملحوظة، أصدر المجانين والحمقى البيان التالي:
بيان إلى الرأي العام العاقل
اعتاد عقلاء الناس شتم غيرهم بألفاظ من قبيل الأحمق والمجنون، وتحملنا –نحن مجانين العالم العربي- هذه الإهانة مدة طويلة. لكن آلمنا أكثر وصف القذافي بمثل الألفاظ المتعلقة بنا، والتي هي من صميم هويتنا.
إننا، نحن مجانين العالم العربي، والمجتمعين في مركز "المجانين العقلاء"، وفي إطار منظمتنا العتيدة "مجنونيسيف"، نستنكر إطلاق ما يعتبر جزءا لايتجزأ من هويتنا على رجل تبرأ منه ومن تصرفاته وأقواله حتى "إبليس اللعين"، ونعلن للرأي العام العاقل مايلي:
1-أننا، نحن مجانين العالم عامة، والعالم العربي خاصة، نؤكد على أن لنا تاريخا، أكد على ذلك أحد كبار العقلاء من فرنسا (3). فأي تاريخ للقذافي سوى التاريخ الأسود في الذبح والقتل وسفك الدماء؟
إننا لانقبل أن يشوه تاريخنا النقي من طرف مثل هذا الرجل الدموي!
2-أننا في المنطقة العربية بنينا تراثا لايزال كثيرون يفتخرون به. فلقد اشتهر منا جدنا الأكبر "هبنّقة"، حتى قيل "أحمق من هَبَنَّقة" (4). واشتهر منا، في بعض الآراء، جحا. ومنا "خذنة" و"أبوغبشان" و"عجيل بن لجيم". وإلى الآن يقال، مثلما قيل عن هبنقة: "أحمق من جحا" و"أحمق من حذنة"، ومثله عن عجيل بن لجيم...
واشتهر منا شعراء حمقى أو أحبوا نيل شرف الانتماء إلينا فتحامقوا، مثل سعد القرقرة الجاهلي،وأبي العَبَر الهاشمي... ولم يرد في شعرهم ما يدعو إلى القتل وسفك الدماء كما يفعل القذافي، بل لم يصدر عنهم أي بيت يمجّد ذلك القتل، مثلما قيل أن القذافي كان يترنم كثيرا بالأبيات التالية:
جثتٌ...بأعداد الرمـــــــالِ
ذُبِحَت...ومن كهلٍ لناشيءْ
وجماجم الأشلاء...تهـــوي
إن نام موجٌ...ناح شاطيءْ (5)
بل إن أحد الشعراء العقلاء قال:
ملكنا فكان العفو منا سجيـــــة فلما ملكتم سال بالدم أبطـــــــــح
وحللتم قتل الأسارى وطالمــا غدونا عن الأسرى نعف ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننــــــا وكل إناء بالذي فيه ينضــــح (6)
لكن القذافي لايتذكر من هذه الأبيات سوى ما كان يترنم به، وهو كالتالي:
...... سال بالدم أبطـــــــــح غدونا عن الأسرى نقتل ونذبح
3-أن أبا القاسم بن حبيب النيسابوري، صاحب كتاب "عقلاء المجانين"، ذكر فيه كثيرا ممن اعتبرهم كذلك من الزهاد وغيرهم، ولم يذكر من ضمنهم القذافي. كما أن الإمام ابن الجوزي لم يذكر هو الآخر القذافي ضمن من ذكرهم وذكر حكاياتهم في كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين".
4-أن من شعراء العرب العقلاء أيضا من قال حول الحمق، مثلا:
لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها
فحماقتنا لادواء لها. لكن القذافي يؤمن بوجود دواء لحمقه المزعوم، والدليل على ذلك أنه يتخذ الممرضات من أوكرانيا لـِ"علاجه" و"دوائه"!!
5-أن القذافي يتبرأ من الحمق والحمقى. فقد بلغ الجميعَ أن القذافي لما قرر مرة الصعود إلى الشمس كما صعد غيره إلى القمر، ولما ذكر له أحدهم أنه سيحترق، رد عليه بالحرف: ياأحمق، سنصعد إليها ليلا.
فهاهو هنا يصف غيره بالحمق، مما يعني تبرؤه منه. إنه ليس منا ولا من جماعتنا ياهؤلاء! فلماذا تصرون على نعته بـِ"الأحمق"؟
6-أن من الألفاظ المرادفة لكلمة "الأحمق" أو القريبة منها: الأبله، والمائق، والمعضل، والمسلوس، والمأفون، والمأفوك، والألق، والهبنق، والخطل، والخرف، والأخرق، والأغفك، والألفت...وغير ذلك من الألفاظ الكثيرة، حتى قيل، كما يعلم عقلاؤكم: "لو لم يكن من فضيلة الأحمق إلا كثرة أسمائه لكفى". والقذافي لايعلم بوجود كثير من هذه الألفاظ بله أن يعرف معانيها. فكيف يجوز لشخص أن يجهل الكثير من أسماء نفسه، إن لم تكن غير منطبقة عليه؟ إن القذافي –لو كان أحمق كما تقولون ظلما لنا وشهادة زور علينا- لكان يعرف هذه الأسماء ومعانيها.
بل إن العالم لايعرف للقذافي سوى اسمين هما: عبدالسلام، اسمه الأول، ومعمر الذي اتخذه لنفسه(7)، وليس منها أي من أسمائنا السابقة.
7-أن من شعرائكم أيضا من تهكم من منطق الاستعمار، فقال:

يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّمُ !
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم !
وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا
وتثّبتوا فـي جهلكـم فالشـر أن تتعلمـوا
أما السياسة فاتركـوا أبـدًا وإلا تندمـوا
ان السياسة سرها لـو تعلمـون مُطَلسـم
واذا أفضتم في المباح من الحديث فجَمْجموا
والعدلَ لا تتوسمـوا والظلـمَ لا تتجهمـوا
من شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكـرّم
فليُمْسِ لا سمعٌ ولا بصـرٌ لديـه ولا فـم
لا يستحـق كرامـةً إلا الأصـمُّ الأبـكـم
ودعوا السعادة إنما هي في الحيـاة توهّـم
فالعيش وهو منعّمٌ كالعيـش وهـو مذمّـم
فارضَوا بحكم الدهر مهما كان فيـه تحكّـم
واذا ظُلمتم فاضحكوا طربًـا ولا تتظلمـوا
وإذا أهنتم فاشكروا وإذا لُطمتـم فابسمـوا
إن قيل هذا شهدُكـم مـرٌّ فقولـوا علقـم
أو قيـل إن نهاركـم ليـلٌ فقولـوا مظلـم
أو قيل إن ثِمادَكـم سيـلٌ فقولـوا مُفعَـم
أو قيل إن بلادكم يا قـوم سـوف تُقسَّـم
فتحمّـدوا وتشكّـروا وترنّحـوا وترنّمـوا!(8)
غير أن القذافي كان يؤمن بوجوب تطبيق مضامين هذه القصيدة بالحرف على الشعب، فكان يبلغ به الوجد والطرب مَداهما حينما يترنم بها. غير أنه كان يضيف إليها لازمة "زنكة زنكة" بعد كل بيتين، هكذا:
يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّمُ !
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم!
زنكة زنكة
زنكة زنكة
وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا
زنكة زنكة
زنكة زنكة
.....................
....................
وهكذا.
في حين نحن لاتطربنا مثل هذه القصائد، بل لنا "قصائدنا" الخاصة بنا، والتي نعرف حق المعرفة أنها لاتطرب غيرنا، بل ربما تثير شفقتهم علينا ويعتبرونها لغوا من الكلام.
وأخيرا، نقول لعقلاء العرب وغيرهم:
كفى ظلما لنا بإضفاء هويتنا على القذافي، فقد قلنا أنه لاهو منا ولانحن منه. ويكفينا أننا ظُلِمنا في التاريخ ظلمات شتى. وفي علمكم عزلنا عن المجتمع والزج بنا في السجون في فرنسا بمقتضى أول قرار للعزل سنة 1656، وثاني قرار سنة 1793. في حين نرى أن الذي ينبغي أن يُعزَل، من الحكم ومن المجتمع، هو القذافي لا نحن!
ونقترح، بالمناسبة، نحت كلمة أخرى يوصف بها القذافي ومن يظهر مستقبلا على شاكلته، هذه الكلمة قد تكون هي "الأقذف" وليس "الأحمق".
ودمتم على الحُمْق لا "القُذْف".
مجانين عرب من منظمة "مجنونيسيف".
قال الراوي:
أُرْسِلت نسخ من هذا البيان إلى مجموعة من الجرائد، لكنها تحاشت نشره، خاصة وأن من رؤساء تحريرها من يُشْتَبَهُ في إصابته بمرض "القُذف"(9)، عافانا الله وإياكم منه.
__________
هذه الهوامش من الراوي:
1-لاريب أن مافعله السفاح بالمدنيين من شيوخ ونساء وأطفال وغيرهم، حينما كانت كتائبه الدموية تطوف وتذبح في أي مدينة دخلتها " بيت بيت، دار دار، زنكة زنكة، فرد فرد"كما قال هو نفسه، من الأهوال التي يشيب لها الولدان، ويجن لها ذوو العقول الكبيرة، وربما قد "تضع كل ذات حمل حملها"، بل قد يصبح الأحمق الذي لايميز بين القرد والحمار عاقلا لهول الصدمة!
2-هي مركز "المجانين العقلاء" لأنه سبق لمجموعة ممن أشرفوا على الجنون أن حكموها، أمثال "هاري ترومان" الذي سمح بإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما ونكازاكي باليابان، وجورج بوش الأب والإبن السفاحيْن، ووزير الدفاع السابق في حكومة بوش الإبن، مجرم الحرب دونالد رامسفيلد وغيرهم...
3-ربما يقصد المجانين المفكر الفرنسي "ميشيل فوكو" لما كتب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي".
4- عـُرفَ هَبنـَّـقة بالحمق والغفلة، وقد ضُربَ به المثلُ فيهما (واسمه يزيد بن ثروان من قيس بن ثعلبة)، وبلغ من حمقه أنه كان يعلق في عنقه قلادة ً من عظام ٍ وودع ٍ وخزف، ويقول : أخشى أن أضيعَ من نفسي. وذاتَ ليلة ٍ حوَّلت أمه قلادته إلى عنق ِ أخيه، فلما أصبح ورآها قال : أخي ، أنتَ أنا ، فمن أنا ؟
ومن حماقته أن قوما ً من بني طفاوةَ وبني راسب ٍ اختصموا في رجل ٍ كلٌ منهما يدَّعي أنه منهم ، فاحتكما إلى هبنقة ، فقال : حـُـكـْمـُـهُ أن يـُـلقـَـى في الماء ، فإن طفا فهو من بني طفاوة ، وإن رسب فهو من بني راسب. فقال الرَّجلُ : إن كان الحـُـكمُ هذا فقد زهدتُ من الطائفتين .
5-من قصيدة الشاعر ضياء الجبالي: "القتل في عصر الطواريء".
6-للشاعر ابن الصيفي المعروف ب"حيص بيص".
7-قيل أنه كان له، لما كان صغير السن، اسم ثالث هو "جحش"، وقد تغير هذا الإسم من تلقاء نفسه لما كبر القذافي. وبهذا الإسم الذي عوض لديه اسم "جحش" نعته مجموعة شباب الفايسبوك من قبل لما وزعوا منشورا في طرابلس كتبوا عليه "القذافي حمار". ولست أدري لماذا اعتقلهم بتهمة "إفشاء سر من أسرار الدولة"!!
8-قصيدة " الحرية في سياسة المستعمرين" الرائعة للشاعر العراقي معروف الرصافي.
9-"القُذْف" بضم القاف لافتحها. وهناك مرض آخر لم يتم التوصل إلى اسمه، لكن بعض أعراضه تشبه بعض أعراض مرض "القُذف". وقد قيل أن حاكم اليمن مصاب بهذا المرض الذي لم يُعرَف، خاصة وأن الحاكم المذكور بدأت تظهر عليه بعض الأعراض السابقة. فهل هي بداية إصابته بمرض "القُذف" المعدي، أم أن الأمر يتعلق بمرض آخر؟ المستقبل كفيل بتقديم الجواب، خاصة إذا تشبث الحاكم بالكرسي.

الجمعة، 18 مارس 2011

"ميراث المرأة وقضية المساواة" للدكتور صلاح الدين سلطان.


تقديم
نشر هذا المقال في جريدة"النبإ"- التي كانت تصدر بالمغرب- على حلقتين(في عدد23 بتاريخ شعبان 1420/ نونبر 1999 وعدد 24 بتاريخ رمضان 1420/ دجنبر 1999 )، وأعيد التذكير أن الجريدة كان يترأس تحريرها الأخ المعتقل عبدالحفيظ السريتي، فك الله أسره، وهو معتقل- في انتظار متابعة محاكمته التي بدأت يوم الخميس 16 أكتوبر 2008- مع مجموعة إخوة هم:
- ذ.محمد المرواني، أمين عام حزب الأمة المحظور.
- د. عبادالله ماء العينين، عضو حزب العدالة والتنمية، ومسؤول ملف الوحدة الترابية بالمغرب في حزب العدالة والتنمية.
- ذ.مصطفى المعتصم، الأمين العام لحزب البديل الحضاري المنحل بقرار من الوزير الأول عباس الفاسي.
- د. محمد أمين الركالة، الناطق الرسمي للحزب.
- ذ. حميد نجيبي، عضو الحزب الاشتراكي الموحد.
وللإشارة فإن الجريدة المذكورة كانت للحركة من أجل الأمة التي خرج من رحمها معظم مؤسسي حزب الأمة، وعلى رأسهم أخونا الأستاذ المرواني حفظه الله وباقي المعتقلين.
وإن إعادة نشر المقال هنا راجع إلى الهجمة التي يتعرض لها الآن حكم الله سبحانه في ميراث المرأة، من عضوة في رابطة نسوية ذات منحى يساري، لكنه"يسار أمريكي"، وبعض أشباه المثقفين "التتار" الذين يتحينون الفرص تلو الفرص للإنقضاض على الحركة الإسلامية بالمغرب المسلم، ولكن هيهات إإ وهيهات إإ وهيهات إإ..... إلى أن ينقطع النفس إ

عرض الكتاب:
لعل مما أسال مداد الكثير من المثقفين العلمانيين- والذين ابتليت بهم هذه الأمة- موضوع الإرث في الإسلام، وخصوصا نصيب المرأة مقارنا بنصيب الرجل، وهو ما تؤطره الآية الكريمة:(للذكر مثل حظ الانثيين)(النساء:11). فالعلمانيون يرون في هذه الآية ظلما للمرأة وإضرارا بها، وهم بالتالي يدعون إلى إلغاء حكمها في اتجاه إعطاء المرأة نصيبا كاملا لا نصفه فقط . ودعوتهم إلى ذلك تتم بطرق صريحة أحيانا، وبأساليب ملتوية أحيانا أخرى، حيث جاء في بلاغ صحفي لإحدى المنظمات النسوية- مثلا- دعوة صريحة إلى [إقرار مبدإ المساواة في الإرث](1). وجاء في [بيان لمجموعة من المثقفين العرب]قولهم:
[... عطفا على المساواة بين الجنسين في الشهادة والإرث، ندعو المشرع في البلاد العربية والإسلامية إلى إلغاء تعدد الزوجات](2).
على أن البعض لجأ إلى مقولة الاجتهاد كي يبطل حكم الآية، مثل حسن حنفي الذي قال:[كانت المرأة حتى وجودها عار... ولم يكن لها ميراث ولم يكن يعترف بها وليس لها شهادة. فجاء الإسلام واعترف بها ككائن حي لها نصف شهادة الرجل ولها نصف ميراثه. فبروح الإسلام أستطيع أن أطور هذه الأشياء وأدفعها أكثر وأجعل للمرأة إرادة كاملة وميراثا كاملا، إلا إن كنتم تريدون أن تقتلوا كل مجتهد](3).
وتفضل(خطتنا) (لإدماج المرأة في التنمية) استبطان تلك الدعوة بتركيزها على التربية على المساواة من خلال النوع، وهو ما يتضمن ضرورة تقسيم التركة بين المرأة والرجل بالتساوي.
والذي يلاحظ على هؤلاء أنهم:
1- تعاملوا مع حكم الآية الكريمة بمعزل عن بقية أحكام الإرث الأخرى أولا.
2- تعاملوا مع حكمها ثانيا بمعزل عن بقية أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة حكم وجوب نفقة المرأة على أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها، حينما تكون بنتا أو أختا أو أما أو زوجة، وغير ذلك من الأحكام الشرعية.
والكتاب الذي نقدمه هو القسم الأول من دراسة جادة حول الموضوع (4)، وهو عبارة عن استقراء للحالات الممكنة التي ترث فيها المرأة ومقارنتها بحالات نظيرها من الرجال، لمعرفة كم هي الحالات التي ترث فيها نصف نصيب الرجل، والحالات التي ترث فيها مثله، ثم تلك التي تفضله فيها.وهدف المصنف [أن تحظى هذه الدراسة برضا الباحثين عن الحقيقة، وأن ترد أصحاب عقول لبس عليها أن الإسلام ظلم المرأة في ميراثها، وأن توقف الدعاوى الهوجاء بالاجتهاد في حق المرأة في الميراث لتكون مثل الرجل دائما ](ص12/13).
أما السبب الدافع لتأليف الكتاب فيعود إلى ماذكره صاحبه في قوله:[إن حق المرأة في الميراث لم أقف فيه على دراسة علمية متأنية تعالجه معالجة موضوعية، فانتدبت نفسي تقربا إلى الله تعالى، وحمية على هذا الدين المتين، والتماسا للمعذرة بين يدي الله تعالى يوم الدين، لأن هذا من فروض الأعيان علينا نحن المتخصصين في الشريعة الإسلامية](ص10).
وقد قام المصنف، على مستوى المنهج، بوضع المرأة [مكان من يحاذيها من الرجال في قوة القرابة ودرجتها](ص10) كما سيأتي. فأوصلته نتيجة الاستقراء لحالات الإرث إلى تصنيفها في أربع مجموعات يذكرها كما يلي:
[1- هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.
2- هناك حالات أضعاف ما سبق ترث فيها المرأة مثل الرجل تماما.
3- هناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل .
4- هناك حالات ترث فيها المرأة ، ولا يرث نظيرها من الرجال ](ص10/11) (5).
يتألف القسم الأول من هذه الدراسة من مقدمة وفصل واحد. يستعرض المصنف في المقدمة سبب التصنيف ومنهج الدراسة والنتيجة التي توصل إليها بإيجاز كما مر، بالإضافة إلى ملخص لأبحاث القسم الثاني من الكتاب، وقد طبع هذا القسم الأخير مستقلا .
وقد أشار المصنف في المقدمة أيضا إلى أن موضوع المرأة من المحاور المركزية في الحرب التي يشنها العلمانيون على الإسلام، كما في قوله: [ومن هذا الزبد الرخيص استغلال موضوع المرأة ليكون مرتعا خصبا للهجوم على الإسلام، فيرون أن تشريعات الإسلام قد ظلمت المرأة ظلما بينا عندما جعلت القوامة للرجل دونها، وجعلت للرجل دونها حق تعدد الزوجات، وحبستها وراء الأسوار، ومنعتها من الولاية العامة، وأعطتها نصف الرجل في الميراث](ص8/9).
ويذكر المصنف من وسائل ذلك الاستغلال إقامة المؤتمرات مثلا، مثل مؤتمر السكان في مصر(1994)، ومؤتمر بكين(1995) قرة عين مناصري ما سمي ب"الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية" في بلدنا إ...
أما الفصل الذي عنونه ب (حق المرأة في الميراث في الشريعة الإسلامية ) فقد ضم أربعة مباحث:
- الأول: الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل.
- الثاني: حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل.
- الثالث: حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.
- الرابع: حالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل.
وقد مهد لهذه المباحث بمدخل زاد فيه منهج دراسته توضيحا. فهو حين يعقد المقرنة بين نصيب المرأة ونصيب الرجل، يستحضر طرق الترجيح بين العصبة، بحيث تعتمد تلك المقارنة على:
1- جهة القرابة، حيث يقارن مثلا بين الأم والأب لا بين الأب والبنت، وبين الإبن والبنت لا بين الإبن والأخت مثلا، وهكذا...
2- درجة القرابة، إذ يقارن بين الإبن والبنت لا بين الإبن وبنت الإبن مثلا، وهكذا...
3- قوة القرابة، فلا يقارن بين أخ شقيق وبين أخت لأب أو لأم مثلا، بل بين أخ شقيق وأخت شقيقة، وبين أخ لأب وأخت لأب، وهكذا...
*المبحث الأول: الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل:
بعد الاستقراء لجميع حالات الإرث، وجد المؤلف أن المرأة ترث نصف نصيب الرجل في أربع حالات هي:
1- بنت، ابن.
2- أب، أم.
3- أخ شقيق أو لأب، أخت شقيقة أو لأب.
4- حالة الزوج وحالة الزوجة، علما أنهما لا يمكن أن يجتمعا في فريضة واحدة، وهذا انطلاقا من قوله تعالى :(ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين. ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين )(النساء: 12).
*المبحث الثاني:حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل:
وهي أضعاف الحالات السابقة كما سبق القول. ولم يذكرها المصنف كلها، بل اكتفى بإعطاء مجموعة من الأمثلة، منها:
أ- حالة ميراث الأم مع الأب، مع وجود فرع ذكر أو أنثى منفردة أو متعددة، ومن ذلك مثلا ما هو مبين في الجداول التالية:(على يمين كل جدول نصيب الوارث)


في هذين المثالين ورثت الجدة مثل الأب، مع أنه أقرب منها للهالك.
ب- حالة اإخوة للأم، ذكورا وإناثا، في الكلالة، وفي هذه الحالة يرث الأخ للأم مثل الأخت للأم عند الانفراد(1/6)، وعند التعدد يشترك الأخ للأم مع الأخت للأم في (1/3) يقتسمانه بينهما بالتساوي.
ج- حالة المشتركة:
وهي الفريضة التي فيها زوج وأم أو جدة ومتعدد من الإخوة لأم وأخ شقيق أو أكثر. فإذا ما أخذنا- لتقسيم التركة- بظاهر النص، وذلك بإعطاء ذوي الفروض (وهم هنا كل الورثة ما عدا الأخ الشقيق) فروضهم أولا، فإنه لن يبقى للأخ الشقيق أي شيء، كما هو واضح في الجدول التالي، على الرغم من أنه أقرب للهالك مقارنة بالإخوة للأم:

وقد قضى عمر وزيد وعثمان رضي الله عنهم بتوريث الأخ الشقيق(أو الإخوة الأشقاء كما هو الحال هنا) بإشراكه مع الإخوة لأم في الثلث، فيصبح وارثا معهم كأنه فرد منهم، ويتساوى معهم في الأنصبة ذكورا وإناثا.
د- تساوي المرأة والرجل عند انفراد أحدهما بالتركة في حالتي الرد وتوريث ذوي الأرحام، وهو ما يوضحه الجدول التالي:(6)

ه- تساوي الأخت لأم مع الأخ الشقيق دون تشريك(أي في غير المشتركة) كما في الحالة التالية:

هنا لم يبق للأخ الشقيق سوى سهم واحد مثل الأخت لأم، مع أنه الأقرب للهالك منها.
و- يذكر المصنف حالات أخرى مثل تساوي الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق، وتساوي عدد الرجال مع عدد النساء في من لا يحجبون أبدا حجب إسقاط، وميراث ذوي الأرحام، وهي حالات لا نطيل في ذكرها، ويغني غيرها عنها في إظهار المقصود.
*المبحث الثالث:حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل:
توصل المصنف في هذا المبحث، وعن طريق الاستقراء، إلى [أن النساء يرثن أكثر بالفرض، وأن إرثهن بالفرض أحظى لهن من ميراثهن بالتعصيب في حالات كثيرة](ص32). وعند استعراضه للفروض والمقارنة بينها تبين له ما يلي:
1- أكبر الفروض في القرآن(2/3) لا يرثه أي رجل، بل نساء.
2- النصف لا يرثه من الرجال أحد سوى الزوج، وفي حالة قليلة الوقوع، وترثه أربع نساء.
3- الثلث ترثه الأم في حالة والأخوات لأم عند التعدد، ولا يرثه من الرجال سوى الإخوة لأم، وقد تكون معهم أخوات لأم.
4- السدس ترثه خمس نساء وثلاثة رجال.
5- الربع للزوج في حالة، وللزوجة في حالة.
6- الثمن لا ترثه إلا الزوجة.
ويأتي المصنف بأمثلة تبين أن فرض الثلثين أفضل للمرأة من التعصيب مع الرجل أحيانا، كما في المثالين التاليين:
* المثال الأول:

فنصيب البنتين هنا أكثر من نصيب الإبنين، وأفضل لهما من تعصيب إحداهما بأخيها، كما هو واضح من المقارنة بين نصيب كل بنت ونصيب كل ابن.
* المثال الثاني:

من الواضح أن 4 من 8 أفضل للأختين من 2 من 6 .
ويورد المصنف أيضا أمثلة تبين أن [فرض النصف أفاد الإناث عن التعصيب للرجل أحيانا](ص36)، وهكذا يفعل أيضا مع فرض الثلث وفرض السدس.
*المبحث الرابع: حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال:
من أمثلة ذلك:
*المثال الأول:

لم يبق لابن الإبن شيء، في حين ترث بنت الإبن.
*المثال الثاني:

هنا ترث الأخت للأب، في حين لا يرث الأخ للأب شيئا .
ويلجأ المصنف أيضا للكلام عن حالات للجدة، يتحقق فيها أيضا إرث المرأة وعدم إرث الرجل.
ولا ينبغي أن ننسى بعض الإشارات المهمة للمصنف وللذي قام بتقديم الكتاب(وهو المفكر الإسلامي محمد عمارة) حول إرث المرأة، منها مثلا ما ذكره هذا الأخير لمجموعة من النساء زرنه ليسألنه عن حقيقة الرؤية الإسلامية التي عليهن تقديمها لمؤتمر بكين- وقد كن يتهيأن للمشاركة فيه (7)- فقال لهن، من ضمن ما قاله، أن [التمايز في الميراث لاتحكمه الذكورة والأنوثة، وأنه محكوم بمعايير ثلاثة:
أولها: درجة القرابة بين الوارث، ذكرا أو أنثى، وبين الموروث المتوفى. فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث.
وثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال ... فالأجيال التي تستقبل الحياة عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين... فالبنت ترث أكثر من الأم، وكلتاهما أنثى، بل وترث أكثر من الأب. والإبن يرث أكثر من الأب، وكلاهما من الذكور.
وثالثها: العبء المالي الذي يوجب الشرع على الوارث القيام به حيال الآخرين.. وهذا هو المعيار الذي يثمر تفاوتا بين الذكر والأنثى... لأن الذكر الوارث هنا في حالة تساوي درجة القرابة والجيل، مكلف بإعالة زوجة أنثى، بينما الأنثى الوارثة إعالتها فريضة على الذكر المقترن بها. وحالات هذا التمييز محدودة جدا إذا ما قيست بعدد حالات المواريث](ص04).
ومن تلك الإشارات المهمة أيضا قول المصنف أنه ركز على العلاقة [بين الميراث والنفقة للبنت ثم للأم ثم للأخت ثم للزوجة، وهي الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل أحيانا، مع حالات أخرى تظهر أخيرا من مقررات الشريعة توازنا دقيقا بين حقي المرأة في الميراث والنفقة بشكل يجعلها إما تساوي الرجل أو هي أحظى منه مراعاة لضعفها عن مسايرة الرجل في التكسب والتربح. كما تظهر الدراسة أن المرأة تساوي الرجل في حق الميراث أو تأخذ أكثر منه عندما يقل ضمان كفالتها، ولا ترث نصفه إلا إذا تضاعفت أوجه كفالتها بشكل يجعلها في مأمن من العوز والحاجة](ص12).
وبعد:
إن ما سبق خطوة جادة لإخراس ألسنة حداد على دين الله، أصحابها لم يتنسموا- في معظمهم- ريح دراسة شرع الله سبحانه، ولفرط جهلهم له انقلبوا ضده قادحين ناقدين.
فليسألوا- قبل القدح والنقد- إن كانوا لا يعرفون، [فإنما شفاء العي السؤال](8). فهل سيفعلون؟ أم تراهم يستمرون في خطهم"الهجومي" ضد ثوابت الأمة، استجابة لإبالسة الغرب وعتاة الصهيونية؟

الهوامش:
1- من البلاغ الصحفي للمكتب التنفيذي لاتحاد العمل النسائي، جريدة 08 مارس، عدد 57 بتاريخ 07 مارس 1992.
2- بيان نشر بجريدة(الأحداث المغربية)، عدد 174 نتاريخ الجمعة 27 محرم 1420 موافق 14 ماي 1999. ومن الموقعين على البيان أستاذة تونسية في معهد أصول الدين بالجامعة الزيتونية- هي إقبال غربي- وكانت قد نشرت مقالا في مجلة (حقائق) التونسية (عدد 336، من 21 إلى 27 فبراير 1992) بعنوان:" تطبيق الشريعة اليوم حرام"، وتدعي فيه- كما جاء في البيان أيضا- قيام أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وفقهاء المذاهب الأربعة بنسخ أحكام في كتاب الله، علما بأن النسخ لايكون إلا بنص: قرآن أو سنة . وأعتقد أنه كان الأولى بالجامعية التونسية أن تلتفت إلى وضع حقوق الإنسان في بلدها، وما يمارس بشأنها من انتهاكات ضد مجاهدي حركة النهضة في سجون النظام التونسي إ
3- من حوار مع حسن حنفي أجرته مجلة( حقائق) التونسية، عدد 411، من 20 إلى 26 غشت 1993.
4- نشر دار نهضة مصر، ط1/فبراير 1999. ويجدر التنويه أيضا بكتاب قيم في هذا المجال هو كتاب (تأملات في علم الفرائض) للمغربي أحمد بن عثمان حاكمي، وهو- أي الكتاب- من مطبوعات الهلال، وجدة.ط1/1998. وعسى أن نتمكن من تقديم عرض له في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى .
5- مثل هذا الكلام كان قد ذكره العلامة مصطفى بنحمزة حفظه الله في محاضرة له- بمدينة (أحفير) الحدودية- حول مدونة الأحوال الشخصية إبان "الهيجة" التي كانت آنذاك قائمة تدعو لتغييرها. وقد تولى كبر تلك الدعوة اتحاد العمل النسائي.
6- في الجدول أمور حولها خلاف بين العلماء، مثل توريث ذوي الأرحام والورثة الذين يرد عليهم.
7- ليت الزعامات النسوية العلمانية في بلدنا يفعلن مثل ذلك للإستفادة من علماء الأمة، قبل التوجه إلى أي مؤتمر على شاكلة مؤتمر (بكين) إ
8- جزء من حديث أخرجه أبو داود بلفظين: مطول ومختصر، في الطهارة، باب في المجروح يتيمم، حديث 336. وأخرجه أيضا، بإسناد منقطع، ابن ماجة في الطهارة وسننها، باب في المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه إذا اغتسل، حديث 572.

الأربعاء، 16 مارس 2011

"ولكنه ضحك كالبكا"


تنبيهان:
1-أرسل إليّ الفنان والمبدع الأخ "حسن زمامة" –عبر البريد الإلكتروني- مجموعة من النكت حول الطاغية الدموي في ليبيا، فكان هذا الحوار بين الصديقين الآتي ذكرهما.
2-عنوان الحوار هو شطر بيت لأبي الطيب المتنبي رحمه الله، قاله لما غادر مصر بعد أن ساءت علاقته بكافور الإخشيدي، إذ قال:
وكم ذا بمصر من المضحكات ولـكـنـه ضحـك كـالـبـكـا
غير أنه تجدر الإشارة إلى أن ما ينطبق على هذا المقال هو الشطر الثاني فقط، إذ مصر الآن تنضح "ثوارا" والحمد لله.
الحوار:
"العرْبي الطايكا" و"الشرقي الزكرومي" صديقا طفولة كانت قاسية. لايزال العربي يتذكر كيف كان يرى أباه يعود أحيانا، بعد غروب الشمس، إلى المنزل، وما في جيبه سنتيم واحد، بعد أن لم يجد عملا في "المُوقْفْ". فكان يوثر ابنه الصغير، العربي، بالعشاء القليل الذي تركته له الأسرة، ويعمد إلى بعض قطع الخبز، الصلبة كالحجر، يصب عليها الماء المغلي كي تصبح طيعة تحت أسنانه المتآكلة، ثم يأكلها. كان الأب يخرج في سواد الليل –أي قبل طلوع الشمس- ويعود في سواده أيضا، أي قبل غروبها.
يتذكر الشرقي هو الآخر اعتقاله ظلما –بعد أن أصبح شابا- بتهمة "الانتماء إلى خلية إسلامية"! ويتذكر الحكم الذي صدر ضده، بعد أن "أثبت" صك الاتهام أنه سبق له أن استقبل "زعيم الخلية" في منزله بتاريخ ذكره الصك. كاد يُجَن، خاصة وأن الحي الذي كان يوجد فيه المنزل المذكور لم يكن موجودا إلا في التصميم الهندسي!!
العربي والشرقي شابان وحد بينهما البؤس والقهر والحرمان...لكنهما حافظا على إبائهما وعزة نفسيهما. وقد اكتسبا من حياة البؤس والحرمان القدرة على "السخرية السوداء" من الواقع المعيش، وحب النكتة والتندر.
التقى العربي والشرقي في مقهى هذه الأيام، أيام الثورة على مجموعة من صهاينة العرب وطغاتهم، ودار بينهما الحوار التالي:
قال العربي:
-هل تتابع أخبار العالم العربي وثوراته؟
أجاب الشرقي:
-كيف لاأتابع، وفي الحديث:" من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم"؟!(1) إن قلبي مع شعوب: مصر وتونس واليمن...وشعب ليبيا خاصة!
قاطعه العربي:
-آه! الشعب الطيب هناك مبتلى بطاغية مجنون، وبأبنائه المجانين مثله، في معظمهم!
قال الشرقي:
-ويح الشعب إذا اشتهى المجنون القتل وسفك الدماء!
-نعم، وهذا مايحدث الآن! قتل...حرق الجثت...خطف الجرحى...نبش قبور الشهداء...!!
سأل الشرقي:
-أتعرف لماذا يفعل ذلك؟
أجاب العربي:
-لأنه مجنون بكل بساطة!
-لا...أبدا.
قال الشرقي ذلك، ثم تحفز لإكمال جوابه كأنه سيفشي سرا خطيرا، وتحفز العربي للإنصات كأنه سيسمع خبرا "يفتح" عليه "فتحا مبينا":
-...قيل أن القذافي خطب في أهل ليبيا وقال: "لما قمت بالانقلاب وبدأت حكم ليبيا كان سكانها مليونين فقط. الآن هم سبعة ملايين. فلي الحق في التصرف في الخمسة ملايين التي زادت كما أشاء"!
ضحك العربي وقال:
-لاتكاد تترك النكتة حتى في مواقف الحرب والألم...! يريد أن يتصرف فيهم كما يشاء، كأن شرفاء ليبيا مجموعة من النعاج يسمنهم ثم يسوقهم إلى المذبح!
رد الشرقي:
-نعم، ومن لم يسقه إلى المذبح يبقه في الحظيرة إلى أن يأتي دوره!
علق العربي:
-طبيعي، فمن حُلِقت لحية جار له، فليسكب الماء على لحيته! لكن ذلك كان من قبل. أما الآن، فالمختار رحمه الله نفض عنه غبار القبور.
تتابع الحوار وتشعب بين جد وهزل، ثم رجع الكلام إلى موضوع القذافي، فقال الشرقي:
-لقد قال القذافي أنه سيواجه الثوار "بيت بيت، دار دار، زنكة زنكة..."، فبالنسبة له هذه المواجهة هي "ثورة، ثورة..."، وقد "دقت ساعة العمل، دقت ساعة الزحف، دقت ساعة الانتصار..."!
تذكر العربي نكتة مرتبطة بالقتل والفتك، فقال:
-الخطير في الأمر أن علماء ليبيين، فيما يقال، صنعوا قنبلة نووية، ولما طلبوا منه الإذن لضرب أمريكا –عدوة الشعوب ومثيرة الحروب- نهرهم بشدة قائلا: "القنبلة صُنعت في ليبيا وسوف يتم تفجيرها في ليبيا"!
علق الشرقي مازحا:
-ياله من حرص على الثروة الوطنية! صحيح، لماذا يُصرَف "خيرنا" في غيرنا؟ دائما لنا –نحن المسلمين- القتل والتدمير والتجهيل والتفسيق والتفقير... ولغيرنا الحياة والعمران والعلم والغنى...!
سأل العربي:
-على ذكر التفسيق، أما زالت السلطة في بلدنا مستعدة لتنظيم مهرجان "موازين"؟
أجاب الشرقي:
-ربما. غير أن للقذافي سياسة مثلها. فقد ألقى هذه الأيام خطابا ذكر فيه شعار:"غنوا وارقصوا واستعدوا..."! لكنه لم يكن يعلم أننا سبقناه إلى هذا الشعار بمهرجاناتنا "الثقافية"!
علق العربي بدوره ساخرا:
-ثقافة العري والخلاعة والمجون، وفن هز البطون والأرداف...!
ثم سأل:
-...أما تعلم أن القذافي أهدى شعبه أغنية "إليسا" التي فيها: " يانعيش مع بعض حبيبي يانموت احنا الانثنين"؟
-بلى، خاصة وأنه سبق له أن أعلن أن الشعب الليبي يحبه!
أكمل العربي كلام صديقه:
-ومن لايحبه يستحق الموت!! ولذلك فالأغنية التي تُعزَف له الآن هي أغنية المطرب الأسمر، لا الأشقر كما يحب أن تكون عليه ممرضاتُه :" نار ياحبيبي نار"!
-لكنه لايحب شعبه حقا. فلو كان يحبه ما سلط عليه مجموعة من المرتزقة المتعطشين للمال والدماء.
-أما تعلم أنه استبدل حب الشعب بحب النساء؟ لقد سالوه مرة:"لماذا الحرس الخاص بك من النساء، وهن دائما وراءك أينما تذهب؟ فأجاب: "أليس وراء كل رجل عظيم امرأة؟".
-على ذكر النساء، فللرجل فتاوي تتعلق بهن.
سأل العربي:
-مثلا؟
أجاب الشرقي:
مثلا: روي أنه سُئل مرة عن النساء فصاح بجنون: "الشقراوات، الشقراوات، الشقراوات..." ثم أُغمِي عليه!
وضّح العربي:
-الشقراوات الأوكرانيات...! لدي فكرة: لماذا لايقوم أتباعه بجمع "فتاويه" النسائية تحت عنوان: "الأجوبة القذافية في المسائل النسوية" مثلا؟
عقب الشرقي:
-أقترح أن تُجمَع "فتاويه" في القضايا كلها، لاقضايا النساء فقط، تحت عنوان: "الشافي الكافي في فتاوي القذافي"، وتكون "فتاريه" النسوية في فصل خاص بالعنوان الذي ذكرت.
ضحك الإثنان، وتابع العربي:
-اقتراح "علمي" جيد. ومما يجدر ذكره في ذلك الفصل مثلا فتواه في أكل فتاة مع شاب من نفس "الآيس كريم"، إذ أفتى أنها أخته من الرضاعة إذا كان "الآيس كريم" يحتوي على حليب...!
قاطعه الشرقي:
-بما أننا نتكلم عن الفتاوي، هناك، مما نسمعه الآن في بعض الفضائيات وعلى بعض صفحات "الفايسبوك"، ما يمكن أن نسميه "فتاوي قذافية"، حتى دون أن يفتي بها القذافي، خاصة وأنها جاءت على أصوله في الإفتاء! هل سمعت مثلا بفتوى "شيخ مسيلمة" –وهو من "ورثة الشياطين" لا الأنبياء- أن التدخين لايفطر في نهار رمضان ؟
-أظنك تقصد فتوى جمال البنا! لقد أفتى الرجل أيضا بأمور أخرى غريبة! لاشك أن فتاويه "قذافية" فعلا!
-نعم، هو المقصود بعينه. ولقد علق كثير من الظرفاء على فتاويه "القذافية" تعليقات ساخرة تزري به.
-يقول المثل المغربي الدارج: "اللّي دارْ راسو فالنُّخّالا يْنْقْبوهْ الدّْجاجْ" (2).
وعلى الرغم من سنوات الاعتقال، لم ينس الشرقي تكوينه العلمي وعقليته الأصولية، بل المعروف عنه أنه اتخذ من سجنه فرصة لتعميق تخصصه في الحديث والفقه وأصوله، ولإتمام حفظ كتاب الله تعالى برواية ورش عن نافع، وبرواية حفص أيضا عن عاصم. ولذلك قال:
-للفتوى شروطها. لكن يبدو أنه أصبح يتجرأ عليها كل من هب ودب، مع أنه مما رُوِيَ: "أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار" (3).
أكد العربي ذلك فقال:
-الآن يفتي، كثيررون من "تتار الثقافة". والغريب أنه حتى الذين يرفضون الدين والتدين يفتون في قضايا الأمة مما لو جُمع له كبار علمائها لفكروا وأعملوا عقولهم كثيرا قبل أن يقولوا رأيا أو يستنبطوا حكما في تلك القضايا! تصور "أباجهل" و" أبالهب" و"مسيلمة" و"المقنع الكندي" وأمثالهم من أساطين الكفر والزندقة يفتون!
صاح الشرقي مذعورا:
-إذا كان مثل هؤلاء يفتون، فـَ ...واإسلاماه!!
لكن العربي تابع قائلا:
-للقذافي أيضا "فتوحات" في مجالات أخرى: في التعليم، في السياسة، في الاقتصاد...
قاطعه الشرقي:
- على ذكر التعليم، يحكى أنه زار مدارس بالمغرب ذات مرة على عهد الحسن الثاني، فوجد أساتذة الابتدائي يدونون في دفاتر التلاميذ عبارات التعزيز التربوي المعروفة: "حسن" و"حسن جدا " و"مستحسن". ولما عاد إلى ليبيا، فرض على الأساتذة أن يدونوا للتعزيز عبارات: "قذافي" و"قذافي جدا" و"مستقذف"!
صحح العربي فقال:
-الأفضل أن يفرض على المدرسين أن يذكروا عبارات: "مُعَمّر" (بصيغة الفاعل)، و"معمّر جدا" و"مستعمِر"، خاصة وانه عمّر الكرسي طويلا، حتى أنني اعتقدت أن الكرسي سيخرج في مظاهرة محتجا على احتلاله من إست واحدة منذ مايزيد على أربعين عاما (4).
قهقه الشرقي عاليا ثم قال:
-لماذا لايستقيل هذا الأحمق؟
أجاب العربي:
-لقد استقال مرة، ثم خاطب الشعب قائلا: "لقد تقدمت باستقالتي، ولكني بصفتي رئيسا للجمهورية فقد رفضتها"!
ضحك الشرقي حتى كاد يستلقي، خاصة وأن كلام العربي ذكره حادثة ً طريفة، فقال:
-هذا يذكرني بما حدث ببلدنا بعد الاستقلال الشكلي: اكترى وزيرٌ، ولنسمه "عباس"، "فيلا" من مالكها الذي يسمى هو الآخر "عباس". وكان ثمن الكراء يُستَخلَص من ميزانية الوزارة، بما أنها ملزَمة بتأمين سكن "ملائم" للوصي عليها. بعد فترة وجيزة طالب "عباس المالك" ، كتابة، "عباس الوزير" بالزيادة في ثمن الكراء. استجاب "عباس الوزير" بسرعة للطلب، لكنه زاد ماطالب به "عباس المالك" أضعافا مضاعفة، مبررا ذلك التضعيف بإدراكه للأهمية الجغرافية لموقع المسكن، ولقيمته الفلسفية والتراثية والتاريخية والسياحية والجيولوجية والأركيولوجية والفيزيائية والكيميائية والإلكترونية...وربما الفرعونية والأموية والعباسية ...إلى آخر ما جال في ذهن الوزير من كلمات من عائلة "إيّة"! فيما بعد تبين أن "عباس الوزير" هو نفسه "عباس المالك"!!!
علق العربي، مفتخرا:
-نحن قوم لنا شرف! فقد سبقْنا القذافي أيضا إلى هذه! فبعض مسؤولينا –أخي- عقليتهم "قذافية" دون علم القذافي! ينبغي على "عباس الوزير والمالك" أن يسجل براءة اختراع هذه الطريقة في نهب المال العام! والحمد لله الذي لايُحمَد على مكروه سواه.
تابع الشرقي قائلا:
-القذافي توصل هو الآخر إلى شيء لم يُسبَق إليه، وحاول تسجيل براءة ذلك الاكتشاف.
سأله العربي:
-ماهو هذا الاكتشاف؟
أجاب الشرقي:
-لقد اكتشف أن "شكسبير" الإنجليزي أصله عربي:"الشيخ زبير"، وأن "أوباما" الأمريكي أصله عربي أيضا: "أبو عمامة"...
قاطعه العربي ضاحكا:
-وأن "أرخميدس" (Archimède) اليوناني هو "الشيخ أحمد"...
لم يمنع الضحك الشرقي أن يتابع:
-لقد حاول القذافي أيضا تسجيل براءة اختراع أو سبق آخر، لما اقترح مرة الصعود إلى الشمس!
-الشمس؟! كيف حدث ذلك؟ لابد أنها نكتة!
ضحك الاثنان حتى قبل ذكر النكتة، وبدأ الشرقي يسرد:
-يروى أنه جمع كل علماء ليبيا مرة وقال لهم : "الأمريكان صعدوا إلى القمر، ونحن نريد الصعود إلى الشمس"، فرد أحدهم عليه مداريا حمقه : الشمس ذات حرارة مرتفعة أيها الزعيم، وسنذوب حتما بحرارتها حين سنقترب منها! فنهره القذافي قائلا: اسكت يا أحمق، نحن سنصعد إليها ليلا!
هنا ضحك الاثنان ضحكا لكنه كالبكاء! كل واحد منهما فكر في شيء واحد في نفس الوقت: لم يصعد القذافي إلى الشمس، ولكن شمس ليبيا كادت تغيب معه ومع حكمه. غير أن مما أثلج صَدْرَي ِ الصديقين أن تلك الشمس بدأت تسطع من جديد –ولو ببطء- مع ثوار ليبيا المنصورين بإذن الله.
___________
1-هذا الحديث يدور كثيرا على ألسنة كثير من أبناء الحركة الإسلامية، على الرغم من أنه ضعيف جدا في بعض طرقه، وموضوع في طرق أخرى كما ذكر ذلك علماء الحديث.
2-معناه: "من وضع نفسه في نخالة الدقيق نقره الدجاج".
3-الحديث رواه الدارمي مرسلا. وقد ضعفه الألباني رحمه الله. ولذلك صدّره الشرقي بصيغة التمريض (رُوِي) كما هي قواعد التحديث.
4- الفكرة للفنان المقتدر أحمد السنوسي (بزيز).

الأحد، 13 مارس 2011

"صبي الأحداث المغربية" الوقح

"صبي الأحداث المغربية" الوقح
(مع الاعتذار للصحفي المقتدر الأخ مصطفى حيران، صاحب التعبير)

كشفت ثورات تونس ومصر وليبيا عورات كثير ممن كان يمجَّد ويُمدَح على أنه مفكر حداثي، أو فنان ملهم، أو خطيب مفلق، أو زعيم سياسي تاريخي...ولم يقتصر الأمر على الشخصيات العربية، بل بدأت النذر تلوح في الأفق لزعماء سياسيين غربيين في استفادتهم من ثروات ليبيا مثلا رشوة وسحتا.
وفي بلدنا المغرب صحفي لايمكن إلا أن نقول عنه، كما قال العقاد مرة عن الكاتب الصليبي سلامة موسى، أنه "يحقد ليكتب، ويكتب ليحقد". والحقد لدى هذا الصحفي موجه ضد كل ما هو إسلامي، حيث تراه يجتهد في "ابتكار" كلمات الشتم والبذاءة والنقيصة ضد الرموز والشخصيات الإسلامية. فالكل عنده "وقح": الشيخ القرضاوي حفظه الله "وقح"، وأبناء الحركة الإسلامية وحزب العدالة والتنمية "وقحون"، والإخوان المسلمون الموجودون في ميدان التحرير بمصر إبان الاعتصامات "وقحون"...وهكذا، يوزع الوقاحة بوقاحة منقطعة النظير. وإن غيّر هذه الكلمة الأثيرة لديه، ف"البله" و"الهبل" المقدَّمان، يرمي بهما في بعض الأحيان كل الأمة العربية. يقول مثلا في مقال له: "في مثل هذه الأيام العصيبة التي تعبر منها أمتنا البلهاء..." (1). ويقول في آخر:"مجرة المهابيل(كذا) هاته التي نقطنها والتي تسمى مجازا العالم العربي..." (2).
ولو ذهبنا نبحث عن نماذج للوقاحة في مقالاته التي يكتبها في جريدة "الأحداث المغربية"، المعروفة بنزعتها الاستئصالية (وبالمناسبة لقبه أحد الصحفيين بصبي تلك الجريدة لوقاحته تلك)، لوجدنا الكثير من تلك النماذج، حسبنا منها هذا المثال:
نشر "صبي الأحداث" مقالا على حلقات، عنوانه "شذرات صيفية". وفي "الشذرة" السادسة عشرة منه ذكر مايفيد إعجابه بمواقف الممثل المرتزق (عادل إمام) –والذي لايقل وقاحة عنه- ومنها موقف دفاعه عن وراثة جمال مبارك لأبيه في حكم مصر. كان هذا في يوليوز 2010.
بعد بضعة أشهر، حدثت الثورة المجيدة في مصر في يناير 2011، وكنست حكم حسني مبارك وتطلعات ابنه، وبينت الخيانة الفظيعة لحاشيته وغيرهم من "التوابع" أمثال الممثل الوقح المذكور، وفي الوقت نفسه بينت هشاشة ما كتبه "صبي الأحداث المغربية". ولماذا لايكون هشا مادام مُوَجّهه الأساس الحقد على دين الأمة ورموزها.
مقال "الشذرات" المذكور فيه فقرة بعنوان "الزعيم زعيم فعلا"، ويقصد الممثل الوقح مثله، إذ الطيور على أمثالها تقع. وبالفعل فذلك الممثل زعيم، لكن في محاربة دين الأمة والتآمر على هويتها، وفي خيانة مصالح الشعب والوقوف إلى جانب جلاديه. وما ذُكر في الفقرة حول سبب الفتنة الطائفية أظهرت الأحداث الأخيرة أن وراءها وزير الداخلية السابق (حبيب العادلي)، أي السلطة الحاكمة. أما موقف ذلك الممثل الوقح من الحرب مع الصهاينة، فهو أجبن من أن يتكلم فيه، إذ ينبغي إعطاء القوس باريها، وباريها الحركات المجاهدة في فلسطين، ومنها حركة حماس الصامدة.
وأسوق للقراء الفقرة المذكورة من المقال، إذ قال:
[لأنه الوحيد الذي يمتلك كلمة مسموعة بين الناس من بين الفنانين العرب كلهم، يعرف عادل إمام أن لاحق له في الصمت أو الجبن أو الاختفاء، ويعرف أنه ملزم باستمرار بالتعبير عن مواقفه السياسية وإن أغضبت القطيع. آخر مواقف الزعيم هي تعبيره الشجاع أنه لايوجد بديل لحكم مصر غير جمال مبارك، معللا ذلك بأنه الشخص الوحيد الذي يعرف المطبخ السياسي جيدا.
وقال إمام في برنامج "واحد من الناس" على قناة "دريم" مساء الجمعة الفارطة: "إن في مصر فتنة طائفية حقيقية، وإنها تكبر مثل كرة الثلج، وإن السبب الرئيسي لها هي التربية الدينية الخاطئة".
وأضاف "أنه ضد جماعة الإخوان المسلمين وضد توليهم السلطة، وأرجع ذلك إلى أفكارهم الخاطئة، وتحديدا فيما يتعلق بالإخوة الأقباط، مثل فرض الجزية التي ينادي بها قياداتهم مثل الدكتور محمد السيد حبيب نائب المرشد العام للإخوان".
واعتبر إمام أن الحجاب ليس من الإسلام لأنه يعمق الفتنة الطائفية، معتبرا أن الحجاب مرتبط بأجندة سياسية لجماعات دينية، وأن حجاب الفنانات حجاب شكلي.
وقال "الزعيم" إنه مع تصدير الغاز إلى إسرائيل، معللا ذلك باتفاقية السلام، معربا عن اعتقاده بأن ذلك بند من بنود اتفاقية "كامب ديفيد". وسخر من فكرة الحرب مع إسرائيل قائلا: لمن سنحارب طالما أنهم مختلفون مع بعضهم؟ في إشارة إلى الخلاف بين حماس وفتح.
وأعرب عن قناعته بأن رجال الدين اليوم يلهثون وراء المال قائلا: إن عمرو خالد وخالد الجندي أثرياء (كذا) جدا من وراء الدين، وهو ما يرفضه تماما.
عندما تنتهي من الاستماع إلى الزعيم، تقارنه ببعض "الخوافة" عندنا فتقول لنفسك: "الكبير كبير حقا". هذا كل ما في الأمر] (3).
هذا ما ذكره "صبي الأحداث المغربية". لكن الأحداث المتسارعة بينت، خاصة في مصر، أن الممثل الوقح لم يكن "كبيرا حقا"، حينما وقف ضد الثورة في البداية، ثم انقلب على سيده حسني مبارك بعد أن رأى سير الثورة في عكس اتجاه الرئيس!
بعد انتصار الثورة، كتب "الصبي" مقالا آخر استخلص فيه درسا، فرَّعه إلى فقرات، من ثورتي مصر وتونس. وفي فقرة من تلك الفقرات لم يعد جمال مبارك البديل الوحيد لحكم مصر، لأن على الرئيس أن [ يرسل "مدام ولوليدات" إلى الخارج الآن ودون أي إبطاء](4)، وأنه من الأفضل أن يُقْنَع [الحاكم العربي باختيار طريقة أبسط للغاية وأحفظ لكرامته هي أن يقبل على نفسه الكريمة إجراء انتخابات في بلده، والانتخابات ليست شيئا خطيرا للغاية، وليست كارثة إنسانية، وليست أي شيء من هذا القبيل على الإطلاق] (5)، بل على الحاكم العربي [أن يصيخ السمع جيدا للشارع، وحين يسمع كلمة "ارحل" عليه أن يفهم أنها تعني الرحيل وليس أي شيء آخر] (6).
وحتى لاأطيل على القاريء الكريم، أختم بالإشارة إلى أن "صبي الأحداث المغربية" ذكر في "شذراته الصيفية" المذكورة ما يلي: [نبدو –نحن في الصحافة المكتوبة- كمن "ينبح" (معذرة على الوصف لكنها الحقيقة القاسية)]!(7).
فلا تعِبْتَ من "النباح" يا...!
_________
1-المختار لغزيوي، مقال: "كيف تودع شعبك"، جريدة الأحداث المغربية، عدد 4268 بتاريخ السبت 5 والأحد 6 فبراير 2011.
2- المختار لغزيوي، مقال: "خليوه يحرقو"، جريدة الأحداث المغربية، عدد 4147 بتاريخ الأربعاء 15 شتنبر 2010.
3- المختار لغزيوي، مقال: "شذرات صيفية (16)"، جريدة الأحداث المغربية، عدد 4107 بتاريخ الخميس 29 يوليوز 2010.
4- مقال: "كيف تودع شعبك" السابق ذكره.
5-نفسه.
6-نفسه.
7- مقال: "شذرات صيفية (16)" السابق.

الثلاثاء، 8 مارس 2011

قصص المعاناة لضحايا الثورة من مدينة بنزرت

لحوم العلماء...!


"العلماء ورثة الأنبياء"(1).
تلك حقيقة نبوية، ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
غير أن هذه الحقيقة لاتنطبق على كل من يُلَقّبون بالعلماء، إذ فيهم "ورثة للأنبياء"، وفيهم "ورثة للشياطين والأبالسة".
إن "ورثة الأنبياء" هم أولئك الذين وقفوا إلى جانب الحق، لم تأخذهم في قوله والعمل به لومة لائم، وهم كثيرون في تاريخ أمتنا، سُجنوا وأوذوا في أنفسهم وأهلهم وأموالهم، فصبروا على ما أوذوا حتى أتاهم النصر أو الشهادة، ومن أمثلتهم: الشيخ الشهيد عزالدين القسام في فلسطين، والشيخ السبعيني الصوام الشهيد فرحان السعدي في فلسطين أيضا، والشيخ ابن باديس في الجزائر، والشيخ المجاهد الشهيد عمر المختار في ليبيا الثورة، والمجاهد عبدالكريم الخطابي رحمه الله....وغيرهم كثيرون، منهم من قضى نحبه رحمه الله ومنهم من ينتظر حفظه الله. وكتب التراجم والطبقات حافلة بمواقف كثيرين منهم، وأُفرِدت لتلك المواقف مصنفات لعل منها الكتاب القيم للشيخ العراقي عبدالعزيز البدري رحمه الله: "الإسلام بين العلماء والحكام". ولعل ابن عساكر رحمه الله قصد مثل هؤلاء لما قال: "أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ، بلاه الله قبل موته بموت القلب"(2).
وإن "ورثة الشياطين" هم أولئك الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم – في معرض ذكره للخوارج- أنهم "يتلون كتاب الله رطبا لايجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..."(3).
وهم أولئك الذين "مردوا على النفاق"، وألفوا الأكل على موائد الطغاة، فوقفوا إلى جانبهم ضد مصالح الأمة، يمدونهم بالفتاوي الجاهزة والأحكام المؤيدة، إنهم "علماء السوء" الذين (يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا) (البقرة:78).
ومع تحرك أبناء الأمة في كثير من الدول العربية ضد القمع والإرهاب الذي يمارسه الحكام، برز النوعان من العلماء: ورثة الأنبياء الذين ناصروا الثوار الشباب في تونس ومصر وليبيا واليمن...وورثة الشياطين الذين "استنكروا" تلك الثورة.
لكن هناك بعضا ممن لايرتاحون إلى تحرك الإسلام ضد الطغيان، مجسدا في حركة "ورثة الأنبياء"، فبدأوا يشتمون ويلعنون العلماء –كل العلماء- دون أن يفرقوا بين عالم عامل، و"منافق عليم اللسان" (4)كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ومن أغرب ما وجدته مرة في صفحة من صفحات الفايسبوك أن أحدهم قال، في لازمة مألوفة تتكرر معاني عباراتها، وتذكرنا بوقاحة الاستئصال، عن العلماء:"هم أشبه بكهنة العصور الوسطى...دجاجلة اللاهوت يعبثون بالعقول وفق ثنائية المنع والتحريم (كذا)...وما يقابلها من ثواب وعقاب من خلال مرجعية أخروية مؤدلجة تعتمد على النهج الإقصائي القميء...أخذوا وكالات عن السماء يباشرون بمحضها مهنة تغييب العقول وتضليل العامة لفرض مزيد من السطوة والسيطرة باسم المقدس الذي يسبغونه على كل شيء، هم من أفسدوا الطغاة وأحلوا لهم الاستبداد بدعوى اتقاء الفتنة... هم من سوغ الظلم والقهر والاستبداد وقتل الإبداع بدعوى الدنيا سجن المؤمن، هم هنا وهناك حملة مباخر...عنصريون حتى الثمالة...مغيبون في ظلمات اللاهوت وعصور الحجاب العقلي"!!
بل إن أحد المثقفين قارن –بل ساوى- وعلى منهج "المثقفين السكارى"، بين السكير والعالم الذي يجعله "رجل دين" بل أحمق رفع عنه القلم! فقال: "أحب مجالسة رجل سكران أو رجل دين، فكلاهما له خيال جامح وممتع جدا، وكلاهما يضع شخصه الكريم في مركز العالم، وكلاهما يبكي من دون سبب، وكلاهما قد يعض، وكلاهما رفع عنه القلم"!
غير أن صاحب هذا الكلام لم يذكر لنا هل مجالسته للرجل السكران تكون في جلسة خمرية مشتركة يقاسمه فيها معاقرة الراح، أم بدون تقاسم.
وقد يكون السكران مثقفا، إذ وجود السكارى في الوسط الثقافي أمر شائع. وصاحب الكلام، وهو مثقف معروف، أدرى مني بذلك. وما على مَن شك في هذه الحقيقة سوى سؤال أصحاب "الطاكسيات الصغيرة" ببلدنا، والذين "يرابطون" في كل ليلة أمام الحانات والخمارات. فسوف يقدمون له حقائق غريبة عن أولئك المثقفين السكارى الذين يأخذهم سائقو تلك "الطاكسيات" إلى منازلهم بعد أن أصبح مثقفونا السكارى يرون الديك حمارا، وربما العالِم سكيرا !
قد يقال: هذا أمر شخصي.
لكن لماذا يُشتَم علماء الأمة ولايقال أن ما قاموا به "أمور شخصية"؟
بل لماذا قياس العالم على السكران، وتجنب الكلام عن المثقف السكير، والمثقف العربيد، بل المثقف المماليء للسلطة والمؤتمر بأوامرها؟
ولماذا ينسى مثقفنا الكثير من المثقفين الذين أصبحت الرائحة النتنة لممالأتهم للقذافي ، ومن زمان، تفوح الآن، وقد كانوا يملأون حساباتهم بدولارات قذافية، في وقت كان نظام مجنون ليبيا يذبح العلماء: الشيخ محمد البشتي الذي قتل في غابة بطريقة بشعة ولا زال قبره غير معروف، والشيخ عمرو النامي الذي قتل، وهو الذي أسلم على يديه الآلاف في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والشيخ المبروك المدهون الذي قطع جسده إربا إربا وأُلقي به في القمامة، والشيخ الطمزيني، والشيخ محمد حفاف...وغيرهم رحمهم الله؟
لماذا ينسى مثقفنا كل هذا، ويتم تمييع المعركة بالهجوم على علماء الأمة المساندين للثورة، مع أن حذاء عالم مجاهد أشرف آلاف المرات من حاكم عميل ماسوني متصهين، يقتل شعبه دون أن يميز بين شيخ كبير وامرأة ورضيع... ؟
ووالله لو قعد العالم عن مساندة الثورة لقيل: انظروا العلماء كيف ينومون الشعب ويمارسون تخديره "بمهامهم الانبطاحية للشعب باسم الدين"(5)!
ولو ناصرها لقيل: إنهم يريدون "الركوب" على الثورة واستغلالها!
ولو اشتغلوا بالسياسة لقيل: "توظيف للدين في السياسة"! ولو تركوها لقيل: "انزواء عن قضايا الأمة"!
ويحدث للإسلاميين مايحدث للعلماء حذو القذة بالقذة: فلو ابتعد الإسلاميون عن المشاركة في الثورة، لسلقتهم بأقذع النعوت ألسنة استئصالية حداد أشحة على الخير! ولو شاركوا فيها لقيل: إنهم يمتطون متنها لقطف ثمراتها!
هكذا هو منهج مثل هؤلاء: يواجهون دين الأمة وعلماءها ودعاتها بالقضية ونقيضها كما قال الأستاذ منير شفيق حفظه الله. مما يشي بأن المطلوب رأس الإسلام ، أساس المقاومة الداخلية لدى المسلمين.
فياهؤلاء: حددوا موقفكم الصريح من دين الأمة، فإن الرقص على الحبال لايجيده إلا الحواة. وكم أفسد الثقافة حواتها!
__________
1-أخرجه الترمذي في العلم، باب ماجاء في فضل الفقه على العبادة، حديث 2682، وصححه الألباني، وأخرجه أبوداود في العلم أيضا، باب الحث على طلب العلم ، حديث 3641، وصححه الألباني أيضا. وذكره البخاري رحمه الله معلقا في العلم، باب العلم قبل القول والعمل.
2-من مقدمة كتابه "تبيين كذب المفتري".
3- أخرجه البخاري في مواضع من كتابه، ومنها كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، حديث 4351.
4-" إن أخوف ما أخاف على أمتي، كل منافق عليم اللسان " ذكره السيوطي في "صحيح الجامع الصغير" برقم: 1554. وقال الألباني رحمه الله: صحيح .
5-هذا من تعليق لـِ"فايسبوكية" على كلام من قال، واسمه سامح...:" هم أشبه بكهنة العصور الوسطى..." السابق، والتعليق كالتالي: "صدقت أستاذ سامح في وصفك لهم، وفي تجريد مهامهم الانبطاحية للشعب باسم الدين"!

السبت، 5 مارس 2011

رجاء إلى الثوار في ليبيا


خُطَب القذافي، مثل صاحبها، غريبة عجيبة:
أحيانا هي طويلة مملة، تدفعك إلى النوم واقفا!
وأحيانا أخرى تسبب لك صداعا تشعر معه أن رأسك يكاد ينفجر جراء الشعارات التي تقاطع الخطب مرة بعد أخرى!
وفي أحيان ثالثة يضيق صدرك فتحس بالغثيان لمضمونها الذي لايصدر عن أحمق أو مجنون، بله أن يصدر عن حاكم دولة!
وقد تكون تلك الخطب "العصماء" خطبا بتراء، مادامت من "ملك ملوك إفريقيا"، وما حاجة "ملك الملوك" للبسملة؟!
وقد تجتمع كل هذه الكوارث في خطبة واحدة، فلا تستطيع أن تتابعها بجدية، وإن فعلت، فيخشى عليك أن ينتهي بك الأمر في مستشفى "أمراض الجنون"، خاصة إذا علمنا أن "جنون القذافي" –وهو مرض خبيث اكتشف الشعب الليبي الآن مصل القضاء عليه بعدما فشل العالم في مواجهته - أخطر من "جنون البقر"، إذ ذلك الجنون لايُعدي فقط –وقد أعدى أبناء العقيد - بل يقتل كذلك !
غير أن للطاغية نوعا آخر من الخطب ألجأته إليه ثورة الجماهير الهادرة، لابالشعارات التي تقاطعه –وهو يخطب- ممجدة معظمة، ولكن بالشعارات الداعية للتغيير والحرية والكرامة، وبالتضحيات الجسام من أجل ليبيا كريمة عزيزة.
فمن ذلك النوع الخطبة "المتلفزة" التي ألقاها بعيدا عن الجماهير، سوى ثلته الفاسدة التي تمجده وتسبح بحمده.
ومن ذلك النوع أيضا خطبة لم تدم إلا بضع ثوان.
ومن ذلك النوع كذلك الخطبة "الهاتفية" التي ألقاها بعد تضييق الخناق عليه.
ومن غرائب ماجاء في تلك الخطب:
-ماجاء في خطبته "الهاتفية" لأهل "الزاوية" الأحرار أن الأمر بيد الشعب ولجانه، وأنه ليس مسؤولا عما يجري من تخريب وتدمير، وأن السلطات التي يتولاها أدبية، حيث تخلى عن سلطاته للشعب منذ سنة 1977، وأن عينا حاسدة أصابت ليبيا هذه الأيام الأخيرة!!...
-دعوته أتباعه في طرابلس إلى حمل السلاح، وفي نفس الوقت إلى أن يغنوا ويرقصوا ويستعدوا...
وإذا كان بعض الحكام العرب يستهل خطبته بتمجيد الشعب، فإن القذافي تنضح خطبه بشتم شعبه: جرذان، كلاب، مدمنو مخدرات وهلوسة!!...
ونظرا لمثل هذه الغرائب في خطبه وسياساته، انتشرت عنه حكايات وطرائف. ومن ذلك ما روي أنه كان يسمى –لما كان شابا- "جحش" وليس "معمر". ولذلك فكر مرة في استبدال اسمه بما يحمله الآن. فزار مكتبا للأحوال الشخصية أو المدنية، وتوجه نحو الموظف في المكتب قائلا:
-أريد تغيير اسمي إلى "معمر".
سأله الموظف:
-مااسمك؟
أجاب:
-جحش.
فقال الموظف:
-لاتتعب نفسك لتغيير هذا الإسم الآن يابني. فسيتغير من تلقاء نفسه بعد بضع سنوات.
ويبدو أن فراسة الموظف تحققت. لكن المسكين قد يكون مات، لا حتف أنفه كما يقول العرب، ولكن مقتولا بسلاح "اللجان الثورية" –ثورةً حمراء ضد الشعب- جزاء لفراسته "المستحمِرة" (بكسر الميم).
وهنا يلزمني التأكيد على أمرين:
الأول: تقديم اعتذاري للحمار ولنجله الجحش، إذ سويتهما بالقذافي، والحال أن القذافي وأمثاله من المتعطشين للدماء "إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا" (الفرقان: 44).
الثاني: رجائي لأبناء الثورة المجيدة في ليبيا العزيزة، ألا يقتلوا القذافي أو يتعرضوا له بسوء، فقد يجلبون للبلد من طريقه الملايير من العملة الصعبة أكثر بكثير مما جناه وجنته أسرته من نفط البلد وغازه. وما على إخوتنا في ليبيا سوى أن يضعوه –حيا- في متحف خاص يبنى في "الساحة الخضراء"، فهو حاكم فريد غريب لم يحكم أحد مثله قبله، وأكاد أجزم أنه لن يحكم أحد مثله بعده. ولسوف يصطف السياح من كل الأوطان والأصقاع بالملايين لمشاهدته في ذلك المتحف، خاصة إذا ابتكر المشرفون عليه –أي المتحف- طريقة لإنطاق العقيد، بعنجهيته المعروفة، مرة بعد مرة، فيصيح: "أنا المجد...لاتستغني عني ليبيا... ولا الأمة العربية...ولا الأمة الإسلامية...ولا أمريكا اللاتينية...ولا العالم كله"!!
وبما أن أبا الطيب يقول:
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخيـر جليس في الزمان كتــاب
فلابأس أن يُسمَح للعقيد بأن يكون معه كتابه "الأخضر".

بيــــــان الجمعية الإبليسية لشياطين الكون من الإنس والجن



على إثر ماتناقلته الألسن في المقاهي والتجمعات العامة، من وصف "معمر القذافي"، الرئيس الليبي النصف –بل الثلثي- مخلوع، بأنه "إبليس"، اجتمع هذا الأخير لعنه الله مع أتباعه وجنده من الأبالسة والشياطين من الإنس والجن، وتم تداول الموضوع فيما بينهم. وخلال النقاش المحتدم بينهم، اقترح أحد ممثلي مقاطعة من "المقاطعات الإبليسية" أن يتم استدعاء المدعو أوباما والمدعوة كلينتون في اللقاءات المقبلة للتشاور، نظرا لبلائهما في الأعمال الشيطانية ضد الشعوب الإسلامية، ومن تلك الأعمال ما هما بصدده الآن من التآمر على أمن ليبيا وخيراتها مع شياطين إنس آخرين أوربيين. والظاهر أن إطلاق اسم "إبليس" على القذافي قد أغاظ المجتمعين من الشياطين وأثار حنقهم، فأصدروا، بعد أخذ ورد، البيان التالي:
بيان إلى الرأي العام الإسلامي
_______
الجمعية الإبليسية
لشياطين الكون من الإنس والجن.


بلغ إلى علمنا –نحن شياطين الإنس والجن- وصف الناس لـِ"معمر القذافي"، الرئيس الليبي المشرف على الانتحار أو الموت قتلا، بأنه "إبليس"، وذلك في المقاهي والتجمعات الإنسية العامة، خاصة بين المسلمين. ومرد ذلك، في نظر المسلمين، إلى ممارساته الدموية الإرهابية، وتعلمه للسحر والشعوذة، وعمله بالتلموذ، فيما هو راجح لديهم.
إننا –نحن شياطين الإنس والجن- إذ نستنكر إضفاء شرف حمل الوصف "الإبليسي" على القذافي، بما يتضمنه ذلك من مساواة بين "قذافيته" و"إبليسية" قائدنا إبليس، نعتبر أن صدور هذا الإضفاء من المسلمين غير غريب، كما نعتبر أن قائدنا ليس الوحيد ممن ساووا به القذافي ، إذ سبق لهم أن وصفوا ذلك الرجل بنيرون وجنكيزخان وهولاكو وهتلر وبوش...وغيرهم من تلامذتنا وأتباعنا، مما نعتبره ظلما لهؤلاء التلاميذ الأوفياء لنهج قائدنا.
وعليه، فإننا نعلن للرأي العام الإسلامي ما يلي:
1-أننا –نحن الشياطين- نُعلّم الناس (السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) (البقرة:101)، لكن في نفس الوقت يقول من يعلم سحرنا لمن تعلم منه: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) (البقرة:101 ).
2-أنه من حق (1) القذافي تعلم سحرنا إذا كان يرغب في ذلك (2)، وإن كنا نعتقد أنه يخلط بينه، لحمقه وبلادته، وبين "حرب النجوم"، ظانا أن هذا من تلك!
ولايفوتنا هنا أن نؤكد على الفروق الجوهرية بين سحرنا الشيطاني والسحر القذافيّ، كما سيأتي.
3-أن سحرنا مما يفرق بين المرء وزوجه، واللذيْن يبقيان –في الأغلب الأعم- حيّيْن، وسحر القذافي سحر دموي يقذف نارا، فيفرق –لابين المرء وزوجه فقط- بل بين كل عزيز وعزيز، صغير وكبير، بقتل الغيلة والموت الزؤام.
4-أن الكفر الذي دعا إليه القذافي، من ادعاء أن كلمة "قل" في القرآن هي من كلام جبريل للنبي عليهما السلام، ومن ثمة صلاتِه بالناس - في جُمَع وأعياد دينية - بسور الصمد والفلق والناس، بدون قراءة كلمة "قل"؛ ومن تشكيك في السنة وتحليل للزنا قصد الحصول على أطفال يتخذهم "مرتزقة"، وتحريم الزواج على من سماهن بـِ "راهبات الثورة"...إن هذا الكفر القذافيّ هو كفر يَفتخِر به هو نفسه، في حين أن الكفر الذي دعا إليه قائدنا هو كفر يُحذّر منه القائد مباشرة بعد دعوته إليه. وهذا عمل حضاري له مثيل لدى الإنس، حينما يدعون إلى التدخين عبر الإشهار بعد أن يكتبوا على السيجارة :"التدخين مضر بالصحة". واقرأوا عن عمل قائدنا، إن شئتم، الآية: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين) (الحشر:16).
5-أن عملنا لايشمل تسخير "مرتزقة" أو "بلطجية" لقتل الشعب أو اغتصاب نسائه، وإنما يقتصر على الوسوسة والوحي الشيطاني والإغواء...ولقد أعلنها قائدنا صراحة لما قال، كما ذكر ذلك الوحي المنزل على النبي محمد (3): (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلَصين) (ص:81-82). وفتنة القذافي تصيب المخلَصين وغير المخلَصين بالقتل والفتك والدمار...
6-لايُعرَف لقائدنا زوجة مطلقة منعها –بعد طلاقها- من الزواج من غيره على التأبيد، كما فعل القذافي مع زوجته الأولى أم ابنه الأول. كما لايُعلَم أن لقائدنا "قواعد للمسلكية الشيطانية"(4) مدوّنة، وإنما تلك القواعد متعارف عليها فيما بيننا، وقد فضحها للمسلمين القرآن والسنة. غير أن لدى القذافي "قواعد للمسلكية القذافية"، كثير منها دونه في كتابه "الكتاب الأخضر"، وكثير منها يمارس وفقه انطلاقا من كتاب ميكيافيلي الذائع الصيت "الأمير"، وما بقي من "قواعد" أخذه من الكتاب الآخر للإيطالي المذكور، والمعنون بـِ"مطارحات ميكيافيلي".
7-أن ممارسات بعض من تابعينا، مثل ممارسات "تمجيد القوة والاستمتاع بكل ما حرمته الأديان، والاستعانة بالسحر والسحرة..."(5)، كما هو الأمر عند "عبدة الشيطان"، هو بعض مما يشترك فيه القذافي معهم. لكن شتان بين عبدة قائدنا وهذا الرجل: فما يمارسونه فيه بعض من "فن" (موسيقى البلاك ميتل) بإجماع من يسميهم المسلمون "علمانيين". لكن أي فن يتذوقه القذافي سوى التفنن في القتل والذبح وسفك الدماء...؟!
8-أن أحد شعراء المسلمين من الذين آمنوا، ويدعى أحمد مطر، قال عن قائدنا وقادتهم، فيما نسبه لقائدنا مخاطبا قادتهم:
"وجوهكم أقنعة بالغة المرونة،
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة،
صفق إبليس لها مندهشا، وباعكم فنونه،
وقال : " إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه ..."
فياله من شاعر منصف لايتبعه الغاوون !(6).
8-أن هناك –أخيرا- فرقا جوهريا نؤكد عليه بإلحاح، وهو أن قائدنا يخاف الله كما سبق في آية أعلاه، وبدليل عنوان مقال لأحد شباب المسلمين مخاطبا حكامهم:"الشيطان يخاف الله أيها الحكام" (7). في حين أن القذافي لايعرف الله.
إننا –شياطين الإنس والجن المجتمعين- إذ نذَكّر بما سبق، لنؤكد أن قائدنا سبق له أن صرح مرارا أنه غير مسؤول عن أقوال وأفعال المدعو القذافي، وندعو الرأي العام الإسلامي إلى عدم تشويه اسم قائدنا "إبليس" بإطلاقه على القذافي. كما ندعوهم إلى عدم اعتباره تابعا لنا، خاصة وأننا نشفق على أنفسنا أن نصبح تابعين له.
ودمتم على الفقر والفحشاء، لاعلى المغفرة من الله والفضل (8)

الجمعية الإبليسية لشياطين الكون من الجن والإنس.

الهوامش:
*توضيحات على ما جاء في البيان قبل ذكر الهوامش:
بعض ماذكره شياطين الإنس والجن في بيانهم التاريخي هذا يحتاج إلى توضيح. وقد قمت بوضع هوامش للبيان بغرض ذلك التوضيح، حسبما يسمح به المقام.
غير أنه تجدر الإشارة، قبل تقديم تلك الهوامش، إلى أننا لانعلم هل حضرت اللقاء الشيطاني مجموعة من شياطين الإنس أم لا، مثل مجموعة من مجرمي الحرب الأمريكيين، وعلى رأسهم جورج بوش الأب والإبن، ومجموعة من الحكام العرب، ممن تم خلعه وممن ينتظر. وفيما يلي التوضيحات والهوامش:
1-واضح أن الشياطين هنا يتوسلون بلغة "الحقوق"، على الرغم من أن موضوع التعلم – وهو السحر- هو مجال للإفساد. وهذا الأسلوب يوحي به الشياطين لبعض الفاعلين الحقوقيين في بعض الجمعيات الحقوقية الصفراء، خاصة تلك التي تعتبر أحكام شرع الله سبحانه هاضمة لحقوق الإنسان.
2-ورد في الأخبار أنه بعد تحرير سكان البيضاء الليبية مدينتهم العامرة بإذن الله تعالى من قبضة مرتزقة القذافي، فوجئوا بوجود عدد كبير من كتب السحر والشعوذة، وكذلك التلموذ، فيه.
3-نقلت ألفاظ البيان كما هي. وواضح غياب الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الشياطين.
4-لأحد الفلسطينيين المنظرين في الثورة والتغيير، وربما كان من منظمة فتح ويُدعى صخرا، كتاب لاأتذكر عنوانه يتكلم فيه عن "قواعد المسلكية الثورية". وقد فوجئت أن الشياطين أصحاب البيان التاريخي يذكرون أن لوساوسهم وإغوائهم وغيرها هم كذلك "قواعد في المسلكية"!
5-لعل أصحاب البيان أخذوا هذا الكلام من الكتاب القيم: "عبدة الشيطان وحركات انحرافية أخرى" لحسن الباش، دار قتيبة، دمشق وبيروت، ط1/1422-2002 ص76. فهذا الكلام موجود بنصه هناك.
6-في قول أصحاب البيان الشيطاني "من الذين أمنوا" وقولهم " لايتبعه الغاوون" إشارة إلى قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لايفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات...) (الشعراء:الآيات من 223 إلى 226).
7-يقصد الشياطين مقالا للأستاذ: محمد الصادقي العماري نشره بنفس العنوان في مدونته وفي مواقع أخرى.
8-يقول سبحانه وتعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويامركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم) (البقرة:267).