السبت، 28 فبراير 2009

المرعوبون(2).

نشرت جريدة (الأحداث المغربية) خبرا- مع تعليقات عليه- تحت عنوان:" عمليات تجنيد ممنهج تباشر في صفوف سجناء الحق العام "، وتحته بالبنط العريض: " السلفية الجهادية تستقطب جنودا سابقين في السجن". والموضوع لأحد الصحفيين(عبدالصمد حشادي).وفيما يلي بعض مما نشرته الجريدة:
[فرضت ممارسات وصفت بالخطيرة، انتقال عناصر من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية للسجن المحلي بسلا من أجل التحقيق في موضوع محاولات استقطاب تمارس من قبل سجناء السلفية الجهادية في صفوف عناصر من سجناء الحق العام.
وذكرت مصادر مطلعة أن عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية باشرت تحقيقا في الموضوع من خلال الاستماع لعدد من سجناء السلفية الجهادية، وكذا سجناء الحق العام، أعدت على إثره محاضر في الموضوع خلصت لوجود عمليات تحريض دون أن يستتبع ذلك باتخاذ خطوات عملية لوقف هذه الممارسات التي اعتبرتها مصادرنا خطيرة.
واستنادا لعدة شهادات تم استقاؤها في الموضوع، فقد تم الكشف عن وجود محاولات لاستقطاب سجناء الحق العام
حيث ذكرت مصادرنا أن إقدام إدارة سجن سلا قبل فترة على توزيع حوالي 100 نزيل من سجناء السلفية الجهادية على أجنحة"أ- ب- ج- د"، وكذا الجناح المعروف بالساحة، حيث يوجد سجناء الحق العام، كانت له نتائج عكسية، حيث باشر هؤلاء عمليات استقطاب في صفوف هؤلاء من خلال استغلال ظروفهم والقيام بأنشطة استقطاب تحت ستار الإرشاد الديني، التي تأخذ في ظاهرها الدعوة للدين السمح، لكنها تخفي في ثناياها محاولات استقطاب نحو التطرف.
وتستهدف عمليات الاستقطاب هذه الجنود بالدرجة الأولى، حيث كشفت مصادرنا عن وجود مخطط يقوم على استهداف هذه الفئة من السجناء، إذ يستغل سجناء السلفية الجهادية وجود عدد كبير من الجنود المدانين في ملفات متعددة، لمباشرة عمليات غسل المخ، باستغلال تذمر بعضهم من سلك الجندية، لبث أفكار تطرفية في صفوفهم تصف الجهاز العسكري ب"الكافر".
وتحدثت عدة مصادر متطابقة عن وجود تأثير فعلي في صفوف عدد من السجناء، حيث بدا"التزام ديني"في سلوكهم من خلال صيام أيام الإثنين والخميس وقيام الليل، وهي سلوكات دينية محمودة، لكنها لا تعبر عن التزام حقيقي بالدين، بقدر ما اعتبرت واجهة لقناعات متطرفة، يتم إخفاؤها، خاصة وأن هذه الدعوات التي تباشرها عناصر السلفية الجهادية، يتم خلالها نصح هذه العناصر بعدم إطلاق اللحي حتى لايثيروا الشبهات حولهم.
وأوضحت مصادرنا أن عناصر السلفية الجهادية تحاول استغلال أخطائها السابقة، عبر ممارسة التقية في تجنيدها لعناصر جديدة، إذ تتركز الدعوات في البداية على الدعوة لله، لتنتقل للتشبع بالأفكار المتطرفة، قبل أن تباشر عمليات شحن ممنهج تقوم على الانتقال لمرحلة التجنيد.
وذكرت مصادرنا أن العناصر التي تصل لهذه المرحلة تنصح بممارسة التقية في اللباس والمظهر، حتى لاتظل محل مراقبة بعد الخروج من السجن. كما ذكرت أن تدخلا سابقا لإدارة السجن من أجل منع حلقة نظمت بساحة السجن كان خلالها عناصر من السلفية الجهادية يلقون "مواعظ" على سجناء الحق العام، ردد على إثره العديد من السجناء اللطيف، مما يعبر عن درجة التغلغل الذي يتم في صفوف السجناء](1).
وواضح أن الجريدة تذكر أن العناصر" المستقطبة" يتم نصحها [بعدم إطلاق اللحي، حتى لا يثيروا الشبهات حولهم].لكن جريدة أخرى تذكر أنه تم إطلاق اللحية من طرف"مستقطب" واحد لامجموعة عناصر، إذ تقول:
[أفادت مصادر مطلعة أن لجوء ضابط الصف الممتاز، الدركي محمد خرماز المعتقل في السجن المحلي بسلا إلى حلق شعر رأسه وإطلاق لحيته على غرار ما يفعله معتقلو السلفية الجهادية، خلق حالة طواريء بالسجن نفسه، إذ فهم الأمر على أن الضابط المدان في المحكمة العسكرية بتهمة تكوين عصابة إجرامية والتزوير واختلاس أموال عمومية قبل حوالي شهرين، استقطب من طرف عناصر محسوبة على السلفية الجهادية ](2).
أما جريدة(الاتحاد الاشتراكي)، فعلقت على الخبر في عمودها اليومي (من يوم لآخر) كالتالي:
[الخبر القصير الذي نقلته جريدة"المساء"يوم أمس بصدر صفحتها الأولى، مسنودا إلى مصادر أمنية، عن استقطابات محكومي السلفية الجهادية بسجن الزاكي بسلا، يحتاج إلى أكثر من وقفة.
أولا: لأن معاناة السجناء وأوضاعهم النفسية داخل سجوننا التي لا تخفى على أحد، تجعل من السجناء صيدا سهلا لكل من يريد أن يتلاعب بعقولهم ونفسياتهم، خاصة ونحن نعلم أن العديد من النزلاء الذين ارتكبوا بعض الأخطاء الطفيفة أدت إلى ولوجهم السجون، كيف يتحولون إلى مجرمين حقيقيين يتم استقطابهم من طرف بعض أفراد العصابات الإجرامية، لتبدأ رحلاتهم مع الاعتقالات ومصاحبة السجون.
ثانيا: لأن خطاب الاستقطاب الذي تمارسه عناصر السلفية الجهادية، له من فعالية التأثير، وقدرة على التأطير، ما لا يمكن أن يتجاهلهما إلا غافل.
ثالثا: لأنه إذا انضاف إجرام مجرمي الحق العام، إلى إجرام الإرهابيين، فإن تلاقح الخبرتين والتجربتين لا يمكن أن ينجم عنه إلا ما هو أوخم وأعظم وأفقم وأقتم وأجرم وأظلم.
لذلك ننبه الغافلين قبل أن تقع الفاس في الراس](3).
وقد اختارت جريدة الأحداث المغربية- كما هو بين- تقديم مضمون الخبر مصحوبا ببعض التعليقات. أما جريدة"الاتحاد الاشتراكي" فقد جعلته موضوع"أكثر من وقفة"في عمودها اليومي (من يوم لآخر) كما سبق. وتهمنا- في هذا المقال- تلك التعليقات المذكورة في الجريدتين، ومنها:
1- [ فرضت ممارسات وصفت بالخطيرة، انتقال عناصر من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية... ].ماهي هذه "الممارسات الخطيرة"؟
إنها- حسب الجريدة-" صيام أيام الإثنين والخميس وقيام الليل"إإ وبذلك يغدو الالتزام بدين الله- حسب الجريدة دائما- "ممارسات خطيرة". أما الدعوة إلى ذلك الالتزام فهي"محاولات استقطاب"، و"عمليات غسل المخ"و"أفكار تطرفية" تبثها" السلفية الجهادية"في صفوف [عدد كبير من الجنود المدانين في ملفات متعددة] كما جاء في المقال.
هكذا ينتقي الصحفي كلماته بدقة كي يشعر القاريء- وربما الحكام- بجسامة الخطب:
- فالأمر خطير، والخطورة ينبغي دفعها بما أوتينا من وسائل واستطعنا من قوة إ
- و"المستقطبون"ليسوا دركيا واحدا، بل هم"عدد كبير من الجنود" إإ
هم أولا"جنود"،
وعددهم، ثانيا، كبير،
فهل الأمر يتعلق بالتهييء لانقلاب عسكري- لاسمح الله- كما يوحي بذلك المقال ؟
- والأفكار التي تلقن لذلك"العدد الكبير من الجنود" هي"أفكار تطرفية" يشحنون بها بعد"عمليات غسل المخ" إإ
فهل هذا تعليق صحفي أم تقرير رجل استخبارات؟إ
2- والممارسات"الخطيرة" المذكورة، والتي هي- حسب الجريدة دائما- " صيام أيام الإثنين والخميس وقيام الليل"، هي [سلوكات دينية محمودة، لكنها لا تعبر عن التزام حقيقي بالدين].
فلو قيل هذا الكلام وصفا لأي خصم من خصوم الحركة الإسلامية لواجه القائل بالقول الحق:"هل شققت على قلبي؟".وربما ينطلق- كالسيل- في سرد الحديث الذي رواه مسلم عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلا فقال: لاإله إلا الله. فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أقال لا إله إلا الله وقتلته؟"قال: قلت: يارسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح. قال:"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا".فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ(4).
لكن صاحب الكلام في الجريدة المذكورة يشق على قلوب البشر، ويعرف أن تدين هؤلاء "المستقطبين"، ولو أنهم يصومون الإثنين والخميس ويقومون الليل، تدين مغشوش إإ
إذن، عن أي شيء تعبر السلوكات أعلاه؟
يتابع صاحب"التقرير" أنها" اعتبرت واجهة لقناعات متطرفة، يتم إخفاؤها، خاصة وأن هذه الدعوات التي تباشرها عناصر السلفية الجهادية، يتم خلالها نصح هذه العناصر بعدم إطلاق اللحي حتى لايثيروا الشبهات حولهم".
هكذا يصبح الصيام والصلاة" واجهة لقناعات متطرفة" إ؟
فلو قلت أن هذا الكلام صادر عن أحد دهاقنة اليهود لكان ذلك"عين العقل" إ
ولو قلت أنه من فرعون أو نمرود لما جاوزت كبد الحقيقة إ
ولو عن لك أنه من "بنات أفكار"بوش ومساعديه لما جانبت الصواب إ
إنها لازمة من لوازم "الفكر الاستئصالي":
- إن تدينت فتدينك مغشوش إ
- إن ارتديت جلبابا أو قميصا فأنت"متطرف"لاتساير العصرإ وإن لبست غير ذلك، فأنت تمارس"التقية" إ
بل إن مفهوم"التقية" امتد- لدى صاحب المقال- ليشمل أداء الصلاة والصيام، يخفي بهما مؤديهما "قناعات متطرفة"... حتى صارت كلمة"التقية" الآن من أكثر الكلمات تداولا في مواجهة أبناء الحركة الإسلامية إ خذ لذلك مثالين:
- ما صرح به وزير الداخلية شكيب بنموسى عن حزب(البديل الحضاري) الذي تم حله أخيرا، وكذلك عن( الحركة من أجل الأمة) ، لمجلة(جون أفريك) قائلا:[الاستراتيجية طويلة الأمد المتبعة من طرف البديل تدعو إلى التفكير في "التقية"، أي الكتمان والتستر المتبع من طرف الشيعة، وهي خطوة تبناها البديل بشكل ضمني منذ1992 بواسطة زعماء ومؤسسي الحزب مستقبلا، وأختها جمعية"الحركة من أجل الأمة"التي لم يعترف بها قط كحزب](5).
- قول أحد"مرتزقة الفكر والثقافة" عن التقية:[إن هذا الأسلوب المنافق تم اعتماده من طرف أغلب التنظيمات الإسلاموية بأشكال مختلفة](6).
ويسير صاحب"المقال/التقرير" على نفس النهج، حينما يذكر أن"مصادره"أوضحت [أن عناصر السلفية الجهادية تحاول استغلال أخطائها السابقة، عبر ممارسة التقية في تجنيدها لعناصر جديدة]، وتلك العناصر[تنصح بممارسة التقية في اللباس والمظهر، حتى لاتظل محل مراقبة بعد الخروج من السجن].
لكن أصحاب ذلك الفكر الاستئصالي لايسألون أنفسهم عن"تدينهم": هل هو"التزام حقيقي بالدين" أم مجرد"واجهة لقناعات متطرفة"، مادام الكثير منهم يعلن أنه مسلم يصلي ويصوم، فلا يقبل من أحد من "الظلاميين"أن يحكم ب"كفره" إ
3- في عمود (من يوم لآخر)، في جريدة الاتحاد الاشتراكي، إدانة صارخة لدور السجون في المغرب، حيث المفروض أن يكون السجن مؤسسة للإصلاح، كما هو الخطاب الرسمي. إلا أن الذي يحدث [أن العديد من النزلاء الذين ارتكبوا بعض الأخطاء الطفيفة أدت إلى ولوجهم السجون، (...)يتحولون إلى مجرمين حقيقيين يتم استقطابهم من طرف بعض أفراد العصابات الإجرامية، لتبدأ رحلاتهم مع الاعتقالات ومصاحبة السجون] إ
فهل دور السجن هو تخريج أفواج من عتاة المجرمين؟
ثم يذكر العمود[أن خطاب الاستقطاب الذي تمارسه عناصر السلفية الجهادية، له من فعالية التأثير، وقدرة على التأطير، ما لا يمكن أن يتجاهلهما إلا غافل].
فما السبب الذي جعل خطاب هؤلاء مؤثرا وله قدرة على التأطير؟
ولماذا لا نجد نفس التأثير والقدرة على التأطير في خطاب أحزابنا السياسية العصرية والمتنورة والديمقراطية والحداثية... وهلم نعوتا "غليظة" لدى الإنس والجن وسائر الخلق إإ
وإذا كان لخطاب سجناء ذلك التأثير والقدرة على التأطير، داخل سجن يعيش نزلاؤه محنا شتى ، فأين فعالية غيرهم من "الحداثيين" و"المتنورين" خارج السجن؟
إنها بعض من أسئلة لايطرحها الخصوم على أنفسهم، لأنهم لايريدون أن يعرفوا أو أن يسمعوا أن خطابهم أصبح متجاوزا، وأنهم لم يعد لهم من مبرر للوجود، بذلك الخطاب أولا، سوى الإعلان عن سوء النية وخبث الطوية وراء الاتهام المسبق لمواطنين أدانهم القضاء- نعم- لكن ما من دليل على أن التزامهم بالدين داخل السجن[ لايمكن أن ينجم عنه إلا ما هو أوخم وأعظم وأفقم وأقتم وأجرم وأظلم] كما في المقال، كما لم يعد لأولئك"الحداثيين"من مبرر للوجود، بذلك الخطاب ثانيا، سوى تقمص دور"المخبر":[ لذلك ننبه الغافلين قبل أن تقع الفاس في الراس] إإ
وقبل الختام نسأل:
- أليس لسجناء الحق العام، سواء كانوا ضباطا أو غير ذلك، الحق في التدين؟
- وإذا كان بعض هؤلاء أصبحوا يصومون الإثنين والخميس ويقومون الليل، فاستحقوا بذلك تهمة إخفاء قناعات التطرف، فهل المطلوب منهم- كي يظهروا أنهم غير متطرفين- ترك الصلاة والصيام؟ بمعنى آخر: هل أصبحت الصلاة- لدى من كتب ما كتب في الجريدتين المذكورتين- تهمة ينبغي التبرؤ منها؟ وهل سنشهد مرة- إذا حكم مثل هؤلاء الموتورين لا قدر الله- محاكمة شخص بسبب أنه" ضبط متلبسا بجريمة أداء الصلاة"؟
- وإذا كان سجناء"السلفية الجهادية" قد دعوا إلى الصلاة والصيام، فهل يدعو غيرهم- من خصومهم- إلى تركهما والكفر بهما؟

من النكت المتداولة ببلدنا أن مشتبها به بالانتماء" للسلفية الجهادية" تتبع خطاه أحد المخبرين، فلما أحس "السلفي"بذلك ولج ملهى ليليا. فما كان من المخبر إلا أن سجل في تقريره:"لقد تحسن سلوكه وأصبح مواطنا صالحا" إإ
وفي الختام نقول:
إنه مهما حاول بعض خصوم الحركة الإسلامية إظهار احترامهم للدين، فإنهم سرعان ما يفتضح أمرهم- وعلى الملإ- عند أول حدث يرتبط بالدين. ومهما حاولوا إقناع الناس بأنهم ضد الإرهاب، فإنهم لايفعلون شيئا سوى التأكيد على أنهم ضد دين الأمة، وعلى أنهم هم الإرهابيون الحقيقيون حينما يقفون ضد تدين أبناء الشعب إإ وضد حقهم في التوجه لله سبحانه بالعبادة صياما كانت أو صلاة أو غيرهما مما شرعه الحق عز وجل إإ
في التنزيل الحكيم:
(وإنه لما قام عبدالله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا)(الجن:19).
فسر العلماء هذه الآية الكريمة عدة تفسيرات، (واختار الطبري أن يكون المعنى: كادت العرب يجتمعون على النبي صلى الله عليه وسلم ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به)(7).
و(قال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني(لما قام عبدالله) محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، وأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره)(8).


الهوامش:
1- المقال المذكور أعلاه، جريدة"الأحداث المغربية" عدد 3483، الخميس 21 غشت 2008.
2- جريدة "الصباح"،عدد 2605، السبت/الأحد 23-24 غشت 2008.
3- جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 8952، الجمعة 20 شعبان 1429/ 22 غشت 2008.
4- أخرجه في الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال:لاإله إلا الله، حديث 158.
5- من حوار لوزير الداخلية مع مجلة(جون أفريك)، ترجمه بتصرف جمال الخنوسي، جريدة الصباح، عدد 2457، بتاريخ04 مارس 2008.
6- جمال هاشم، مقال:"الإرهاب وأسلوب التقية"، جريدة الأحداث المغربية،عدد 3307، بتاريخ 27 فبراير 2008.
7- الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي رحمه الله، تخريج أحاديث أحمد بن شعبان بن أحمد وزميله، مكتبة الصفا، القاهرة. ط1/1425- 2005 ص19/18.
8- نفسه ص19/18.
سلا : شعبان 1429/ غشت 2008

المرعوبون(1).

كثيرون ينامون ويصحون على الرعب من وقوع"كارثة" إحراز الإسلاميين، وبالخصوص حزب العدالة والتنمية، في مرة من المرات، على الأغلبية في الانتخابات، جماعية كانت أو نيابية.
وكثيرون، وهم واقعون تحت تأثير ذلك الرعب، يحللون ويناقشون ويبحثون عن أسباب تراجع أحزابنا "العريقة في الديمقراطية" أمام"ظلاميين" "فطروا" على الإرهاب، إن "تطرفوا" "فتطرفهم" إرهاب، وإن "اعتدلوا" ف"اعتدالهم"أيضا إرهاب، فليس لديهم بديل عن "الإرهاب"- في نظر خصومهم- سوى"الإرهاب"إإ
ولذلك كم فرح هؤلاء المرعوبون فرحا شديدا لاعتقال قادة إسلاميين ووصمهم بالإرهاب ، وكيل تهم ثقيلة لهم (مكاييل)، إذ وجدوا- أي أولئك المرعوبون- في ذلك الاعتقال ما يشفي صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم، ويخفف عنهم شيئا من وقع"الكارثة".
إن هؤلاء الموتورين لن يستطيعوا أن يصلوا إلى السبب الحقيقي لتراجع أحزابهم"الديمقراطية"، ما لم يتحرروا من الحقد الأعمى الذي يكنونه لخصومهم السياسيين الواقفين على أرض الإسلام، فذلك الحقد يغشي أبصارهم فلا يرون الأسباب في ذوات أنفسهم.
في التنزيل الحكيم:
[أو لما أصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير](آل عمران:165).
إن من أهم دروس التنزيل الحكيم تلمس أسباب الهزيمة أولا في الأنفس، وتلك الأسباب إما أخطاء ارتكبت، أو اختيارات فضلت(1). وعوض إلقاء اللوم على الآخرين، تلزم العودة إلى الصفوف لرصها، فقد ينتظم فيها من لايستحق أن يكون لبنة من لبناتها.
ولمن هذا الكلام؟
إنه لمن قالوا عن أنفسهم- وما كذبوا- "من أين أصابنا هذا الإنهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا النبي والوحي، وهم مشركون؟"(2).
فكيف بغيرهم إذن؟
مناسبة هذا الكلام ما نشرته جريدة من الجرائد الوطنية حول هروب برلماني- ينتمي لحزب من الأحزاب الوطنية- من استوديو قناة الجزيرة بالرباط، وهو تصرف غريب من واحد من طينة "مناضلين حطوا رحالهم"في أحزاب ذات مصداقية نضالية سابقة. وبمثل هذه العينة من "المناضلين" لن يستطيع حزب من الأحزاب، حتى ولو اندثرت- لاقدر الله- الأحزاب أو التنظيمات الإسلامية من كل بقاع الدنيا، أن يمكن لنفسه في قلوب وعقول أبناء الشعب إإ
ونظرا لطرافة حادثة ذلك الهروب، أنقل للقراء جزءا منها من الجريدة المذكورة، ولهم أن يقارنوا بين الشعارات التي صكت آذاننا حول المشاركة السياسية وصنيع النائب الهارب.
ذكرت الجريدة ما يلي:
[برلماني اشتراكي يهرب من استوديو الجزيرة بالرباط
أطلق عبدالوهاب بلفقيه عضو مجلس المستشارين ساقيه للريح خارج مقر استوديو الجزيرة بالرباط دقائق معدودة قبل أن يحل ضيفا على القناة القطرية في نشرتها المسائية ليلة الأحد الماضي.
حدث ذلك دقيقتين قبل أن تأتي المشرفة على الربط عبر الأقمار الاصطناعية بين مقر القناة بالدوحة واستوديو القناة المؤقت بالرباط .واستغربت المكلفة تصرف"النائب المحترم" عندما رأته يتسلل من خارج قاعة الانتظار التابعة للأستوديو، وعندما لاحقته خارج المقر تطلب منه العودة لأن موعد ظهوره على الهواء لم تعد تفصله عنه سوى دقائق معدودات. أطلق"النائب المحترم" ساقيه للريح واختفى بين فيلات الحي الديبلوماسي بحي حسان بالرباط إلى أن ابتلعه الظلام وسط نباح الكلاب وزعيق السيارات التي فاجأها منظر "النائب المحترم"وهو يهرول مثل لص من صنف"خمسة نجوم".
وكان كل ما نطق به"النائب المحترم"وهو يهرول خارج مقر استوديو الجزيرة للرد على توسلات المكلفة بالعودة ، هي قوله لها:"اسمحي لي عندي مشكلة مع لمرة...تفارقوا معايا عندي مشكلة عائلية".
لكن حسب شهود عيان حضروا هذه الحادثة، فإن "النائب المحترم" توصل دقائق قبل أن ينادى عليه للدخول إلى استوديو الأخبار بمكالمة هاتفية مجهولة خلقت له ارتباكا كبيرا، إذ عندما أنهى المكالمة تسلل خارج المبنى، وأطلق ساقيه للريح . حينها لاحقته المكلفة بالربط تطلب منه الالتحاق باستوديو الأخبار . وكان "النائب المحترم" هو الذي اتصل بالقناة القطرية وطلب منها استضافته للتدخل في موضوع أحداث سيدي إيفني، بما أنه ينتمي إلى المنطقة ويمثلها بمجلس المستشارين داخل فريق حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (...)](3).
وتتابع الجريدة:
[...وحسب مصادر من القناة، فهذه أول مرة يهرب فيها ضيف من أحد مقرات استوديوهاتها دون أن يبرر سبب هروبه، وبطريقة وصفها أحد العاملين بمقر الاستوديو بالجبانة...](4).
ثم تذكر الجريدة عن النائب معلومات حاصلها ربطه "علاقات مصلحة"مع أحد رجال السلطة ممن عرفوا بالتنكيل بمجموعة من أبناء الوطن، وممن تميز عهدهم "بالنهب والفساد"...
هذا بعض مما ورد في الجريدة حول الحادثة، وختامها أن النائب ابن لمدرسة [من لصوص الوطن الذين نهبوا البلاد وأرعبوا العباد](5).
فهل مثل هؤلاء يمثلون هذا الشعب؟
سلا في شعبان 1429/ غشت 2008.


الهوامش:
1- ذكر القرطبي رحمه الله أن قوله تعالى:(من عند أنفسكم) معناه إما "بذنوبكم" أو"باختياركم"، وذلك في تفسيره(الجامع لأحكام القرآن)، تخريج أحاديث محمد بن عيادي بن عبدالحليم وزميله، مكتبة الصفا، القاهرة. طبعة 1425/2005، ص4/203.
2- نفسه ص 4/202-203.
3و4و5- الجريدة الاولى، عدد 24، بتاريخ السبت/ الأحد 14- 15 يونيو 2008.الموافق ل 10 جمادى الثانية 1429.

نص بيان القرضاوي حول موقفه من الشيعة

في ما يلي نص بيان العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول موقفه من الشيعة والذي يتضمن ردا على انتقادات وجهتها له وكالة أنباء مهر الإيرانية شبه الرسمية، وتعليقات للشيخين فضل الله والتسخيري.
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان للناس
حول موقفي من الشيعة وما قالته وكالة أنباء مهر الإيرانية
والرد على الشيخين فضل الله والتسخيري
بقلم - يوسف القرضاوي
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
شنَّت وكالة أنباء (مهر) الإيرانية شبه الرسمية في 13 من رمضان 1429هـ الموافق 13 سبتمبر 2008م، هجوما عنيفا على شخصي، تجاوزت فيه كلَّ حدٍّ، وأسفَّت إسفافا بالغا لا يليق بها، بسبب ما نشرته صحيفة (المصري اليوم) من حوار معي تطرَّق إلى الشيعة ومذهبهم، قلتُ فيه: أنا لا أكفرهم، كما فعل بعض الغلاة، وأرى أنهم مسلمون، ولكنهم مبتدعون. كما حذَّرت من أمرين خطيرين يقع فيهما كثير من الشيعة، أولهما: سبُّ الصحابة، والآخر: غزو المجتمع السني بنشر المذهب الشيعي فيه. ولا سيما أن لديهم ثروة ضخمة يرصدون منها الملايين بل البلايين، وكوادر مدرَّبة على نشر المذهب، وليس لدى السنة أيَّ حصانة ثقافية ضدَّ هذا الغزو. فنحن علماء السنة لم نسلِّحهم بأيِّ ثقافة واقية، لأننا نهرب عادة من الكلام في هذه القضايا، مع وعينا بها، خوفا من إثارة الفتنة، وسعيا إلى وحدة الأمة.
هذا الكلام أثار الوكالة، فجنَّ جنونها، وخرجت عن رشدها، وطفقت تقذفني بحجارتها عن يمين وشمال.
وقد علَّق على موقفي العلامة آية الله محمد حسين فضل الله، فقال كلاما غريبا دهشتُ له، واستغربتُ أن يصدر من مثله.
كما علَّق آية الله محمد علي تسخيري، نائبي في رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقال كلاما أعجب من كلام فضل الله.
موقفي من الشيعة ومذهبهم:
وأودُّ هنا قبل أن أردَّ على ما قاله هؤلاء جميعا، أن أبيِّن موقفي من قضية الشيعة الإمامية ومذهبهم ومواقفهم، متحرِّيا الحق، ومبتغيا وجه الله، مؤمنا بأن الله أخذ الميثاق على العلماء ليبيِّنن للناس الحقَّ ولا يكتمونه. وقد بينته من قبل في كتابي (مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية)، وأصله بحث قدمته لمؤتمر التقريب الذي عُقد في (مملكة البحرين). وما أقوله اليوم تأكيد له.
أولا:
أنا أؤمن أولا بوحدة الأمة الإسلامية بكلِّ فِرَقها وطوائفها ومذاهبها، فهي تؤمن بكتاب واحد، وبرسول واحد، وتتَّجه إلى قِبلة واحدة. وما بين فِرَقها من خلاف لا يُخرِج فرقة منها عن كونها جزءا من الأمة، والحديث الذي يُعتمد عليه في تقسيم الفرق يجعل الجميع من الأمة، ستفترق أمتي .... إلا مَن انشقَّ من هذه الفرق عن الإسلام تماما، وبصورة قطعية.
ثانيا:
هناك فرقة واحدة من الفرق الثلاث والسبعين التي جاء بها الحديث هي وحدها (الناجية)، وكلُّ الفرق هالكة أو ضالة، وكلُّ فرقة تعتقد في نفسها أنها هي الناجية، والباقي على ضلال. ونحن أهل السنة نوقن بأننا وحدنا الفرقة الناجية، وكلُّ الفرق الأخرى وقعت في البدع والضلالات، وعلى هذا الأساس قلتُ عن الشيعة: إنهم مبتدعون لا كفارا، وهذا مُجمَع عليه بين أهل السنة، ولو لم أقل هذا لكنتُ متناقضا، لأن الحقَّ لا يتعدَّد، والحمد لله، فحوالي تسعة أعشار الأمة الإسلامية من أهل السنة، ومن حقهم أن يقولوا عنا ما يعتقدون فينا.
ثالثا:
إن موقفي هذا هو موقف كلِّ عالم سنيٍّ معتدل بالنسبة إلى الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، أما غير المعتدلين فهم يصرِّحون بتكفيرهم؛ لموقفهم من القرآن، ومن السنة، ومن الصحابة، ومن تقديس الأئمة، والقول بعصمتهم، وأنهم يعلمون من الغيب ما لا يعلمه الأنبياء. وقد رددت على الذين كفروهم، في كتابي (مبادئ في الحوار والتقريب).
ولكني أخالفهم في أصل مذهبهم وأرى أنه غير صحيح، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي بالخلافة من بعده، وأن الصحابة كتموا هذا، وخانوا رسولهم، وجحدوا عليا حقَّه، وأنهم تآمروا جميعا على ذلك. والعجب أن عليًّا لم يعلن ذلك على الملأ ويقاتل عن حقِّه. بل بايع أبا بكر وعمر وعثمان، وكان لهم معينا ومشيرا. فكيف لم يواجههم بالحقيقة؟ وكيف لم يجاهر بحقه؟ وكيف تنازل ابنه الحسن عن خلافته المنصوص عليها لمعاوية؟ وكيف يمدحه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ذلك، وأن الله أصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين؟
وللشيعة بدع عملية مثل: تجديد مأساة الحسين كل عام بلطم الوجوه، وضرب الصدور إلى حدِّ سفك الدم، وقد مضى على المصيبة أكثر من ثلاثة عشر قرنا؟ ولماذا لم يعمل ذلك في قتل والده، وهو أفضل منه؟
ومن ذلك الشركيات عند المزارات والمقابر التي دُفن فيها آل البيت، والاستعانة بهم ودعاؤهم من دون الله. وهو ما قد يوجد لدى بعض أهل السنة، ولكن علماءهم ينكرون عليهم ويشددون النكير.
من أجل ذلك نصفهم بالابتداع، ولا نحكم عليهم بالكفر البواح، أو الكفر الأكبر، المُخرِج من الملَّة.
وأنا من الذين يقاومون موجة التكفير من قديم، وقد نشرتُ رسالتي (ظاهرة الغلو في التكفير)، مشدِّدا النكير على هذا الغلو، ونؤكِّد أن كلَّ مَن نطق بالشهادتين والتزم بمقتضاهما: دخل في الإسلام بيقين، ولا يخرج منه إلا بيقين. أي بما يقطع بأنه كفر لا شك فيه.
رابعا:
أن الاختلاف في فروع الدين، ومسائل العمل، وأحكام العبادات والمعاملات، لا حرج فيه، وأصول الدين هنا تسع الجميع، وما بيننا وبين الشيعة من الخلاف هنا ليس أكبر مما بين المذاهب السنية بعضها وبعض. ولهذا نقلوا عن شيخنا الشيخ شلتوت شيخ الأزهر رحمه الله: أنه أفتى بجواز التعبُّد بالمذهب الجعفري؛ لأن التعبُّد يتعلَّق بالفروع والأحكام العملية، وما يخالفوننا فيه في الصلاة والصيام وغيرهما يمكن تحمُّله والتسامح فيه.
خامسا:
أن ما قلتُه لصحيفة (المصري اليوم) هو ما قلتُه بكلِّ صراحة وأكَّدتُه بكلِّ قوَّة، في كلِّ مؤتمرات التقريب التي حضرتُها: في الرباط، وفي البحرين، وفي دمشق، وفي الدوحة، وسمعه مني علماء الشيعة، وعلقوا عليه، وصارحتُ به آيات الله حينما زرتُ إيران منذ نحو عشر سنوات: أن هناك خطوطا حمراء يجب أن ترعى ولا تتجاوز، منها: سب الصحابة، ومنها: نشر المذهب في البلاد السنية الخالصة. وقد وافقني علماء الشيعة جميعا على ذلك.
سادسا:
إنني رغم تحفُّظي على موقف الشيعة من اختراق المجتمعات السنية، وقفتُ مع إيران بقوَّة في حقِّها في امتلاك الطاقة النووية السلمية، وأنكرتُ بشدَّة التهديدات الأمريكية لها، وقلتُ: إننا سنقف ضد أمريكا إذا اعتدت على إيران، وإن إيران جزء من دار الإسلام، لا يجوز التفريط فيها، وشريعتنا توجب علينا أن ندافع عنها إذا دخلها أو هدَّدها أجنبي. وقد نوَّهَتْ بموقفي كلُّ أجهزة الإعلام الإيرانية، واتصل بي عدد من المسئولين شاكرين ومقدِّرين. وأنا لم أقف هذا الموقف مجاملة، ولكني قلتُ ما يجب أن يقوله المسلم في نصرة أخيه المسلم.
الرد على وكالة أنباء (مهر) الإيرانية:
1. زعمت وكالة الأنباء: أني أردِّد ما يقوله حاخامات اليهود، وأني أتحدَّث نيابة عنهم، وقالت: إن كلامي يصبُّ في مصلحة الصهاينة والحاخامات! وجهلت الوكالة التائهة ما أعلنه اليهود أنفسهم أن أخطر الناس عليهم في قضية فلسطين هم علماء الدين، وأن أخطر علماء الدين هو القرضاوي! وطالما حرَّضوا عليَّ، وعلى اغتيالي، وما زال اللوبي الصهيوني في كلِّ مكان يقف ضدِّي، ويؤلِّب علي الحكومات المختلفة، لتمنعني من دخول أرضها، فلا غرو أن مُنعت من أمريكا وبريطانيا وعدد من البلاد الأوربية؛ لأني عدو إسرائيل، ومفتي العمليات الاستشهادية.
إنني أحارب اليهود والصهاينة منذ الخامسة عشرة من عمري، أي من حوالي سبعين سنة، قبل أن يُولد هؤلاء الذين يهاجمونني. ولقد انتسبت منذ شبابي المبكِّر إلى جماعة يعتبرها الصهاينة العدو الأول لهم، هي جماعة الإخوان المسلمين التي قدَّمت الشهداء، ولا زالت من أجل فلسطين.
أما الماسونية فكتاباتي ضدَّها في غاية الوضوح، ولا سيما فتواي عن (الماسونية) في كتابي (فتاوى معاصرة).
2. وزعمت الوكالة: أن المذهب الشيعي يلقى تجاوبا لدى الشباب العربي الذي بهره انتصار حزب الله على اليهود في لبنان، وكذلك الشعوب المسلمة الواقعة تحت الظلم والاضطهاد، واعتبرت الوكالة ذلك معجزة من معجزات آل البيت؛ لأن الشعوب وجدت ضالَّتها في هذا المذهب حيث قدَّم الشيعة نموذجا رائعا للحكم الإسلامي، لم يكن متوافرا بعد حكم النبي صلى الله عليه وسلم، وحكم الإمام علي رضي الله عنه.
وهذا الكلام مردود عليها، فالفرد الإيراني كغيره في بلادنا الإسلامية، لم يطعم من جوع، ولم يأمن من خوف. ولا سيما أهل السنة الذين لا يزالوان يعانون التضييق عليهم. وكلام الوكالة فيه طعن في عهد أبي بكر وعمر، وقد قدَّما نموذجا رائعا للحكم العادل والشورى، بخلاف حكم علي الذي شُغل بالحروب الداخلية، ولم يتمكَّن من تحقيق منهجه في العدالة والتنمية، كما كان يحب.
3. المهم أن الوكالة اعترفت بتنامي المد الشيعي الذي اعتبرته (معجزة) لآل البيت! وهو ردٌّ على الشيخ فضل الله والتسخيري وغيرهما الذين ينكرون ذلك.
4. زعمت الوكالة أني لم أتحدَّث عن بطولات أبناء الشيعة في جنوب لبنان (2006م). وهو زعم كاذب أو جاهل، فقد ناصرت حزب الله، ودافعت عنه، ورددت على فتوى العالم السعودي الكبير الشيخ بن جبرين، في حلقة كاملة من حلقات برنامجي (الشريعة والحياة) في قناة الجزيرة، وقد نُقلت الحلقة من القاهرة حيث كنتُ في الإجازة.
5. تحدَّثت الوكالة بشماتة عن هزائم العرب، ولا سيما هزيمة 1967م، وعن حكام العرب، وجنرالات العرب، وكأني مسئول عنهم! وقد قاومتُ استبداد الحكام وطغيانهم، ودخلتُ من أجل ذلك السجون والمعتقلات، وحوكمتُ أمام المحاكم العسكرية، وحُرمتُ من الوظائف الحكومية، وأنا أول دفعتي.
ونسيت الوكالة أن مصر دخلت أربع حروب من أجل فلسطين، وأنها في إحداها قد حقَّقت نصرا معروفا على دولة الصهاينة، برغم ما كان يساندها من المدد الأمريكي. وذلك في حرب العاشر من رمضان سنة 1393هـ (6 أكتوبر 1973م)، وكذلك بطولات الإخوة في فلسطين في حماس والجهاد وكتائب الأقصى وغيرهم.
6. أسوأ ما انحدرت إليه الوكالة: زعمها أني أتحدَّث بلغة تتَّسم بالنفاق والدجل، وهو إسفاف يليق بمَن صدر عنه، وقد قال شاعرنا العربي:
وحسبكمو هذا التفاوت بيننا
وكل إناء بالذي فيه ينضح!
والذين عرفوني بالمعاشرة أو بقراءة تاريخي، عرفوني منذ مقتبل شبابي شاهرا سيف الحقِّ في وجه كلِّ باطل، وأني لم أنافق ملكا ولا رئيسا ولا أميرا، وأني أقول الحقَّ ولا أخاف في الله لومة لائم. ولو كنتُ أبيع في سوق النفاق، لنافقتُ إيران التي تقدر أن تُعطي الملايين، والتي تشتري ولاء الكثيرين بمالها، ولكني لا أُشترى بكنوز الأرض، فقد اشتراني الله سبحانه وبعتُ له. وقد اقترحوا علي منذ سنوات أن يعطوني جائزة لبعض علماء السنة، فاعتذرت إليهم.
وقالت الوكالة الكاذبة المزيِّفة: كان الأحرى بالشيخ القرضاوي أن يتحدَّث عن خطر المدِّ الصهيوني، الذي أوشك أن يقترب من بيت القرضاوي نفسه، حيث إن أبناءه الذين يقطنون في أحياء لندن، انصهروا تماما بالثقافة الأنجلوسكسونية، وابتعدوا عن الثقافة الإسلامية!
ولا أدري كيف يجترئ هؤلاء الناس على الكذب الصُراح، فليس أحد من أولادي يسكن في لندن، بل يعملون بالتدريس في جامعة قطر، أو في سفارة قطر بالقاهرة، ومن بناتي ثلاث حصلن على الدكتوراه من إنجلترا، وكلهن في قطر منذ سنين. وهن متمسكات بثقافتهن الإسلامية، وهُويَّتهن الإسلامية، إلا إذا كانت الوكالة تعتبر تخصُّصاتهن العلمية خروجا عن الدين، وعن الثقافة الإسلامية.
أما خطر المد الصهيوني فلستُ في حاجه إلى أن أتعلَّمه من السيد حسن زاده -خبير الشئون الدولية بالوكالة- فمنذ الخامسة عشرة من عمري، وأنا أقاوم هذا الخطر بشعري ونثري، وخطبي وكتبي، ولي كتابان في ذلك هما: (درس النكبة الثانية)، و(القدس قضية كل مسلم). غير فتاوى ومحاضرات وخطب شتَّى.
ولو فتح الراديو يوم الجمعة في الأيام التي أخطب فيها، واستمع إلى فضائية قطر، لعرف حقيقة موقفي من المدِّ الصهيوني. فلستُ ممن يزايد عليه في هذا المجال.
موقف الشيخ فضل الله:
1. عقَّب آية الله الشيخ محمد حسين فضل الله على حديثي في صحيفة (المصري اليوم) تعقيبا استغربتُ أن يصدر من مثله، وأنا اعتبره من العلماء المعتدلين في الشيعة، وليس بيني وبينه إلا المودة، فقد كان أول ما قاله: إنني لم أسمع عن الشيخ القرضاوي أيَّ موقف ضدَّ التبشير (المسيحي) الذي يراد منه إخراج المسلمين عن دينهم... وهذا عجيب حقًّا، فموقفي ضد (التنصير) الذي يسمُّونه التبشير واضح للخاص والعام، في كتبي وخطبي ومحاضراتي ومواقفي، وقد طفتُ كثيرا من البلاد الإسلامية بعد مؤتمر كلورادو 1978م، الذي اجتمع لتنصير العالم الإسلامي، ورصد لذلك ألف مليون دولار، وانتهيتُ إلى السعي لإنشاء الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في الكويت. الذي كان الهدف الأول منها: المقاومة العملية للموجة التنصيرية المسعورة الطامعة في تنصير الأمة الإسلامية.
وكلُّ الناس يعرفون أني واقف بالمرصاد لكلِّ مَن يتطاول على مقدسات الإسلام: الرسول والقرآن والسنة الشريفة. وقد كان موقفي في أزمة الرسوم المسيئة معروفا على مستوى العالم، وموقفي في الردِّ على البابا، بأكثر من وجه، ومنه كتابي (البابا والإسلام).
2. ويقول الشيخ فضل الله أيضا: لم نسمع من القرضاوي أيَّ حديث عن اختراق العلمانيين أو الملحدين للواقع الإسلامي.
وأنا أقول: يا عجبا! لقد وقفتُ للعلمانيين والملحدين في كتبي ومحاضراتي وخطبي وهي منشورة ومشهورة، مثل:
· الإسلام والعلمانية وجها لوجه.
· التطرف العلماني في مواجهة الإسلام.
· بيِّنات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين.
· الدين والسياسة.
· من فقه الدولة في الإسلام.
وغيرها من الكتب التي شرَّقت وغرَّبت، وتُرجمت إلى عدد من اللغات.
وقد شاركتُ في مناظرات مع العلمانيين، أظهر الله فيها حجَّة الإسلاميين، وتهافت خصومهم. وظهرت في أشرطة سمعها الكثيرون في أنحاء العالم.
3. أنكر الشيخ فضل الله اعتباري الشيعة (مبتدعة). ونسي الشيخ أني قلت هذا في مواجهة مَن يقول: إنهم كفَّار. ونحن أهل السنة نقول عن سائر الفرق الإسلامية: إنهم مبتدعون، ولكن بدعة غير مكفِّرة. وهذا مقتضى أن الفرقة الناجية فرقة واحدة، وسائر الفرق وقعت في البدع والضلالات بنِسَب متفاوتة.
والشيعة عندهم بدع نظرية وبدع عملية. من البدع النظرية: القول بالوصية لعلي، وعصمة الأئمة والمبالغة في تعظيمهم، وإضفاء القداسة عليهم، وأن السنة عندهم ليست سنة محمد، بل سنَّته وسنة المعصومين من بعده.
ومن البدع العملية: تجديد مأساة الحسين كلَّ عام، وما يحدث عند مزارات آل البيت من شركيات، وزيادة الشهادة الثالثة في الأذان وغيرها.
وما ذكره عن تحريف الشيعة للقرآن، فأنا ممَّن يؤمنون بأن الأكثرية الساحقة من الشيعة لا يعرفون قرآنا غير قرآننا، وأن هذا المصحف الذي يطبع في إيران هو نفسه الذي يطبع في المدينة، وفي القاهرة، وأنه هو الذي يفسِّره علماؤهم، ويحتجُّ به فقهاؤهم، ويستدلُّ به متكلموهم، ويحفظه صبيانهم.
وهذا ما ذكرتُه في أكثر من كتاب من كتبي. كل ما قلتُه: إن بعضا من الشيعة ترى أن هذا القرآن ناقص، وأن المهدي حين يخرج سيأتي بالقرآن الكامل، وأن هناك مَن ألَّف كتابا في ذلك مثل كتاب (فصل الخطاب) وأن أكثرية الشيعة تنكر ذلك، ولكنها لا تكفره كما نفعل نحن أهل السنة، وهذا هو الفرق بيننا وبينهم.
4. سأل الشيخ فضل الله في حواره: ما رأيي فيما يصدره بعض السنة الآن من كتب تكفِّر الشيعة، وتعتبرهم مشركين ومرتدين؟
وأنا أجيبه: إني أرفض ذلك، ولا أرضى أن أكفِّر أحدا من أهل القبلة إلا بأمر قطعي يخرجه من دائرة الإسلام. أما كلُّ ما يحتمل التأويل، فالأصل إبقاء المسلم على إسلامه، وإحسان الظنِّ به، وتفسير أيِّ شك لصالحه.
5. أنكر الشيخ ما ذكرتُه من الغزو الشيعي للمجتمعات السنية، وذكر أنه أرسل إليَّ مع بعض الأصدقاء أن أعطيه إحصائية عما يحدث في البلاد التي تتعرَّض للاختراق الشيعي كمصر والجزائر وسوريا، وغير ذلك. وأنا أقول: إن أحدا لم يبلغني بذلك.
على أن هذا الطلب ليس جديًّا، فهذه الأمور تتمُّ في الخفاء، ولا يُعلن عنها، ولاسيما في المجتمعات السنية الخالصة، مثل مصر والسودان وتونس والجزائر وغيرها. وما الضرورة إلى هذه الإحصائيات، وأمامنا من الشواهد ما يكفي؟!
وأعتقد أنه قد كفاني الرد على الشيخ ما أعلنته وكالة أنباء (مهر) الإيرانية من انتشار المذهب الشيعي في البلاد العربية والإسلامية، واعتبارها ذلك من معجزات آل البيت.
مع الشيخ تسخيري:
أما صديقنا الشيخ تسخيري، فقد كان تعليقه أعجب! وهو يعرفني جيدا، منذ نحو ربع قرن أو يزيد. وقد اخترتُه نائبا لي في الاتحاد العالمي، ونلتقي باستمرار في مجلس الأمناء، والمكتب التنفيذي، غير اللقاءات في المؤتمرات والمجمع الفقهي.
1. فقد اعتبر الشيخ تصريحاتي مثيرة للفتنة، وأنها ناجمة عن ضغوط الجماعات التكفيرية والمتطرِّفة التي تقدِّم معلومات مفتراة، فأقع تحت تأثيرها! ونسي الشيخ تسخيري: أني لم أكن في يوم ما مثيرا للفتنة، بل داعيا للوحدة والألفة، كما أني وقفتُ ضد هذه الجماعات المتطرفة، وحذَّرت من خطرها، وألَّفتُ الكتب، وألقيتُ الخطب والمحاضرات، وكتبتُ المقالات في الدعوة إلى الوسطية والاعتدال. بل أصبحت بين الدعاة والمفكرين والفقهاء رمزا للوسطية.
وكتبي في ترشيد الصحوة الإسلامية معروفة ومنشورة ومترجمة إلى اللغات الإسلامية والعالمية.
2. ويقول التسخيري: إن القرضاوي يشبِّه التبليغ الشيعي بالتبشير، في حين أن الكلمة تستخدم فقط في التبليغ المسيحي.
وأقول: إنني استخدمت نفس التعبير الذي استخدمه الإمام محمد مهدي شمس الدين رحمه الله، وقد كنتُ استخدم عبارة (نشر المذهب).
أما التبشير المسيحي فأنا أسمِّيه باسمه الحقيقي، وهو التنصير. على أنه لا مشاحَّة في الاصطلاح.
وكأن الشيخ يؤيِّد التبليغ الشيعي في البلاد السنية، ولكن لا يسمِّيه تبشيرا. وأنا أرفضه بأيِّ اسم كان؛ لأن العبرة بالمسميات والمضامين، لا بالأسماء والعناوين.
3. وأكد تسخيري أن القرضاوي من خلال هذه الممارسات لا يعمل من أجل انسجام الأمة الإسلامية ومصالحها، وأن هذا يتنافى مع أهداف الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي بذل فيه جهودا واسعة لتأسيسه، للقضاء على التعصُّب والتفرقة، والقيام بالدعوة إلى الاعتدال، حسبما جاء في الميثاق الإسلامي للاتحاد.
والشيخ التسخيري لا يغيب عنه: أني عشتُ حياتي كلَّها أدعو إلى توحيد الأمة الإسلامية، فإن لم يمكن توحيدها فعلى الأقل تأكيد التضامن فيما بينها، وأني أيَّدت دعوة التقريب، وشهدت مؤتمراتها، وقدَّمت إليها بحوثا مهمَّة.
ولكن هذا لا يعني أن أرى الخطر أمام عيني وأغضُّ الطرف عنه، مجاملة لهذا وإرضاء لذلك، فوالله ما أبيع ديني بملك المشرق والمغرب.
وأنا في كلِّ المؤتمرات التقريبية التي شاركتُ فيها حذَّرت بقوة ووضوح من محاولة تصدير المذهب في البلاد الخالصة للمذهب الآخر.
ويذكر التسخيري أني عندما زرتُ إيران، قلتُ لهم: ماذا ستكسبون من محاولة نشر المذهب في البلاد السنية؟ مائة أو مائتين، أو ألفا أو ألفين، أو أكثر أو أقل. لكنكم بعد ذلك حين يكتشف الشعب الأمر، سيعاديكم عن بكرة أبيه، ويقف ضدكم. وهذا ما لا نحب أن يحدث. وهنا قال الشيخ تسخيري: صدقتَ. وأيَّد كلامي بما حدث لمكتبهم في الخرطوم. قال: وقد كانت صلتنا بالقيادة السودانية بعد ثورة الإنقاذ جيدة، وسمحت لنا بفتح مكاتب هناك.
ولكن مدير المكتب رأى أن يوزِّع كتابا عنوانه (ثم اهتديتُ) يهاجم المذهب السني، ويدعو إلى المذهب الشيعي، فما كان من حكومة السودان إلا أن أغلقت هذه المكاتب وردَّت موظفيها إلى طهران.
4. وعلَّق التسخيري على قولي للصحيفة المصرية: إن الشيعة مسلمون، ولكنهم مبتدعون. فقال: إن القرضاوي اتهم مرة أخرى الشيعة بتحريف القرآن، في حين أن هذا خطأ فاحش... وهو يعلم أن علماء الشيعة في مختلف العصور أكَّدوا على عدم تحريف القرآن.
وأنا أعترف أن صحيفة (المصري اليوم) لم تنقل كلامي هنا حرفيًّا، بل تصرَّفت فيه، فلم يكن قولها دقيقا ومستوعبا، كما جاء في جوابي الأصلي. ومع هذا، فإن الصحيفة لم تنقل عني: أن الشيعة جميعا يؤمنون بتحريف القرآن، ولكنها قالت: كثير منهم يقول: إن القرآن الموجود كلام الله، ولكن ينقصه بعض الأشياء، مثل سورة الولاية اهـ.
ومن هؤلاء العالم الشيعي المعروف، أحد كبار علماء النجف، وهو الحاج ميرزا حسين محمد تقي النوري الطبرسي، الذي ألَّف - وهو في النجف - كتابه المعروف (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب). وقيمة الكتاب في جمعه لمئات النصوص من مصادر الشيعية وكتبهم المعتمدة، ومن أقوال علمائهم ومجتهديهم في مختلف الأزمنة، وهي تقرِّر أن القرآن قد زِيد فيه ونقص منه.
وقد أحدث كتابه ضجَّة عند ظهوره في إيران، وردَّ عليه الكثيرون، وردَّ عليهم هو بكتاب آخر، يدفع فيه الشبهات التي أُثيرت حول كتابه.
وقد سجَّلت رأيي كتابة عن موقف الشيعة من القرآن في بحثي الذي قدَّمته لمؤتمر التقريب في مملكة البحرين، ونشرتُه في رسالة سمَّيتها (مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية)، جعلتُها من رسائل ترشيد الصحوة، التي تنشرها مكتبة وهبة في مصر، ومؤسسة الرسالة في لبنان. وفيها رددتُ على الذين يتَّهمون الشيعة بالقول بتحريف القرآن، وبهذا يحقُّ أن نحكم بكفرهم. فكتبتُ في الردِّ على هؤلاء:
(فقد بيَّنا أن الشيعة جميعا يؤمنون بأن ما بين دفتي المصحف كلام الله المحفوظ المعجز الملزم للأمة، ولهذا يحفظون هذا القرآن، ويتعبَّدون بتلاوته، ويحتجُّون به في مسائل العقيدة، وفروع الأحكام، وهذا مُجمع عليه عندهم. ولم نجد مصحفا يخالف مصحفنا، والمصحف الذي يطبع في إيران هو نفسه الذي يطبع في مصر والسعودية، وأما دعوى أن هناك أجزاء ناقصة من القرآن، فليسوا متَّفقين عليها، بل يُنكرها محقِّقوهم. على أن هذه الزيادات المزعومة، لا يترتَّب عليها أمر عملي).
وقد نقلتُ من أقوال الشيعة المعتدلين - التي نقلها عنهم بعض علماء السنة - ما يؤكِّد حفظ القرآن من كل زيادة أو نقصان، ومن هذا ما نقله الشيخ رحمة الله الكيرانوي الهندي في كتابه الشهير (إظهار الحق):
‌أ- (قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه، الذي هو من أعظم علماء الإمامية الاثنا عشرية في رسالته الاعتقادية: (اعتقادنا في القرآن: أن القرآن الذي أنزل الله على نبيه هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول: إنه أكثر من ذلك فهو كاذب) انتهى.
‌ب- وفي تفسير (مجمع البيان) الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة: (ذكر السيد الأجل المرتضى، علم الهدى ذو المجد، أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي: أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعا مؤلَّفا على ما هو الآن، واستدلَّ على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى إن جماعة من الصحابة، كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم عدة ختمات، وكلُّ ذلك بأدنى تأمُّل يدلُّ على أنه كان مجموعا مرتَّبا غير منشور ولا مبثوث، وذكر أن مَن خالف من الإمامية والحشوية لا يعتدُّ بخلافهم، فإن الخلاف مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنُّوا صحَّتها، لا يُرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحَّته) انتهى.
‌ج- وقال السيد المرتضى أيضا: (إن العلم بصحَّة القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدَّت، والدواعي توفَّرت على نقله، وبلغت حدًّا لم تبلغ إليه فيما ذكرناه؛ لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وعنايته الغاية، حتى عرفوا كلَّ شيء فيه، من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيَّرًا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟) انتهى.
‌د- وقال القاضي نور الله الشوستري، الذي هو من علمائهم المشهورين، في كتابه المسمَّى بمصائب النواصب: (ما نُسب إليه الشيعة الإمامية بوقوع التغير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم) انتهى.
‌ه- وقال الملا صادق في شرح الكليني: (يظهر القرآن بهذا الترتيب -المعروف الآن- عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به) انتهى.
فظهر أن المذهب المحقَّق عند علماء الفرقة الإمامية الاثنا عشرية: أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، وأنه كان مجموعا مؤلَّفا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه ونقله ألوف من الصحابة. وجماعة من الصحابة، كعبد الله بن مسعود وأُبي ابن كعب وغيرهما، ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم عدة ختمات، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر رضي الله عنه، والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغير، فقولهم مردود، ولا اعتداد بهم فيما بينهم، وبعض الأخبار الضعيفة التي رُويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحَّته، وهو حقٌّ، لأن خبر الواحد إذا اقتضى علما، ولم يوجد في الأدلَّة القاطعة ما يدلُّ عليه وجب ردُّه، وعلى ما صرح ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى بـ(مبادئ الوصول إلى علم الأصول)، وقد قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، في (تفسير الصراط المستقيم) الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة: (أي: إنا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان) انتهى.
هذا ما ذكرته في كتابي (مبادئ في الحوار والتقريب) وهو يبين حقيقة موقفي من القرآن عند الشيعة، وهو معلوم عند علمائهم. فلا يجوز تصيد كلمة من هنا أو هناك، لاتخاذها ذريعة للهجوم علي.
أما ما قلته من محاولات الغزو الشيعي للمجتمعات السنية، فأنا مصر عليه، ولا بد من التصدي له، وإلا خنا الأمانة، وفرطنا في حق الأمة علينا، وتحذيري من هذا الغزو، هو تبصير للأمة بالمخاطر التي تتهدَّدها نتيجة لهذا التهوُّر، وهو حماية لها من الفتنة التي يُخشى أن يتطاير شررها، وتندلع نارها، فتأكل الأخضر واليابس. والعاقل مَن يتفادى الشرَّ قبل وقوعه.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الفقير إليه تعالى
يوسف القرضاوي
عن: موقع الإصلاح

لماذا؟...

1- لماذا يصرح مثقفأنه يستبعد أن [تكون للقيادات السياسية(1) التي تم إلقاء القبض عليها أخيرا اتصالات أو تنسيق مع العناصر الإرهابية في تنظيم القاعدة ، اللهم إذا افترضنا أن تكون الغاية من هذه الاتصالات هي محاولة من طرف هذه القيادات لمباشرة حوار مع التنظيم الإرهابي لثنيه عن التخلي عن الأفكار الجهادية والتحول إلى العمل السلمي والديمقراطي](2). ويضيف:[ أن القناعات الفكرية والسياسية لهذه القيادات لاتمت بأية صلة للفكر الجهادي](3)، ويستبعد أيضا[ إمكان تخفي هذه القيادات وراء مبدإالتقية، على اعتبار أن تصريحاتهم وتوجهاتهم الفكرية وكتاباتهم لاتشتم منها رائحة التقية...]؟(4).
أقول: لماذا يقول هذا الكلام ، ثم بعد ذلك بأقل من عشرة أيام ، وبالتحديد بعد تناول مضيرة وزارة الداخلية في نفس يوم التصريح أعلاه(أي 21-02-2008) يعلن:[ نحن أمام حقيقة صادمة هي انخراط أطر من النخبة الفكرية ضمن الشبكة الإرهابية](5). ويضيف، مفسرا حذر الناس من الأخذ برواية وزارة الداخلية ، أن الأمر يعود إلى سببين:[ الأول يكمن في طبيعة المخطط الإرهابي والعناصر المنخرطة فيه. إذ لم يتوقع أحد أن يكون ضمن المعتقلين قادة في أحزاب سياسية لهم علاقات طبيعية مع الطيف السياسي](6)؟
فلماذا غير هذا المثقف موقفه مباشرة بعد لقاء الداخلية؟ هل هوالاقتناع بالرواية الرسمية أم شيء آخر؟

2- لماذا نظل نردد كالببغاوات المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية أن كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا ، إلا أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب بقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات الضرورية، ويفسر الشك لفائدة المتهم ، ويسارع البعض، حتى وهو يؤمن بتلك القاعدة القانونية، إلى وصم متهمين ، لم يقل القضاء كلمته فيهم بعد، بخفافيش الإرهاب(7) وإرهابيو خمس نجوم(8)...؟
أليس مثل هذا الكلامقذفافي حق مواطنين لازالوا – ماداموا لم يدانوا أمام محكمة شرعية- أبرياء؟
وهل من المروءة شتم معتقلين، يصعب عليهم الرد على الشتائم لظروف الاعتقال ، والشاتم يعلم أنهم :
- لم يمكن محاموهم من حق الاطلاع على صور من وثائق ملف القضية كما جرى به العمل ،
- ولم يستدع شهودهم،
- ولم تقبل إحالة ملف التحقيق ، كما يقضي القانون، على الغرفة الجنحية التي كانت تنظر في طلب السراح؟
فلماذا هذا التطاول على كرامة المواطن، مع اتخاذ المادة أعلاه ذكرا قانونيا يرتله المتطاول صباح مساء؟
ولماذا يمثل مواطن شكك في خلية بليرج أمام النيابة العامة(9) ويترك شاتم مواطنين- وأكرر أنهم لازالوا إلى الآن أبرياء بحكم القانون- بالإرهاب حرا طليقا ؟

3- لماذا يسأل رجل قانون:
لماذا درج على توفير الملفات للدفاع طيلة 15 سنة؟
فيتجرأ ويجيب دون تردد:
كنت أخرق القانون(10)؟
ولماذا يتابع التحقيق مع المعتقلين الستة ، على الرغم من أنه قال لأحد المتهمين – حسب إحدى الجرائد- ماعندي ما ندير ليك، ذاك الشي جاي من الفوق(11)؟( ليس في وسعي ما أفعله لك، فالأمر مفروض علي من الأعلى).
أخرج أبوداود عن أبي بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : القضاة ثلاثة: واحد في الجنة وإثنان في النار. فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به. ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار(أخرجه في الأقضية، باب في القاضي يخطيء، حديث 5373.وقال أبو داود: هذا أصح شيء فيه، يعني حديث ابن بريدة :القضاة ثلاثة. وقال الألباني صحيح).

4- لماذا يطالب مواطنون- كي يحصلوا على حق العمل السياسي- بتوضيح موقفهم من المذهب الفقهي المعمول به بالمغرب، أي المذهب المالكي، والذي يعتز أولئك المواطنون بالتشبث به، كما حدث مع مناضلي البديل الحضاري؟
ولماذا طلب من آخرين بيان رأيهم في العلاقة بين الديني والسياسي ، كما حدث مع مناضلي (حزب الأمة)؟
هذا في الوقت تسخر فيه حكومتنا من مالك رحمه الله ومن مذهبه:
- عبر مجموعة من البرامج التلفزية المحاربة لله ورسوله(برنامج استوديو دوزيم مثلا).
- وعبر مهرجانات الميوعة والانحلال(مهرجان موازين مثلا).
- وعبر سياسات التجهيل والتفقير والتيئيس من التغيير؟
وعبر...وعبر...
ولماذا لايطالب مواطن آخر بما طولب به مؤسسو الحزبين المذكورين أعلاه، عاما أنه يتنقل في البلاد طولا وعرضا مبشرا بحركته أو حزبه القديم/ الجديد ، ويتمكن في فترة وجيزة جدا من تأسيس حركة سياسية بسهولة غير متخيلة في المغرب، دون أية عراقيل ولا مطالب بتوضيحات، على الرغم من أن ذلك المواطن صرح بمفهوم متخلف للدين(12)، وعلى الرغم من أن الحركة غير مشروعة قانونا بمقتضى المادة 61 من القانون رقم 36- 04 الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006 والمتعلق بالأحزاب السياسية؟

5- لماذا يقول أحد الموتورين الحاقدين:
[صرح المتابعين(كذا) أمام قاضي التحقيق ، وبحضور دفاعهم بكثير من المعلومات التي تؤكد تورطهم فيما تم نسبه إليهم، كأفعال إرهابية كانت ترمي لزعزعة استقرار البلد، والقيام بعمليات القتل والسرقة باسم الدين، وهي تصريحات لم تنتزع تحت التعذيب، ولا بأقبية المعتقلات السرية، بل بين أيدي قاضي تحقيق، وبحضور محامين لم يصرحوا بعكس ماورد](13)؟
لماذا يقول هذا الكلام، وينسى، أو يتجاهل ويتناسى، أن المعتقلين- الستة خاصة- لم يدلوا بأية معلومة أمام قاضي التحقيق ، وأنهم لزموا الصمت أمامه مادام رافضا مد محاميهم بنسخ من الوثائق المتعلقة بالقضية كما جرى به العمل؟

لماذا؟...
ولماذا؟...
ولماذا؟...
أسئلة كثيرة يمكن متابعة طرحها ، لكن جوابها- والله أعلم- واحد، هو قول أحد أبناء هذا الشعب الأبي:
لأن [خصومنا السياسيين وقحون وسافلون، إلى درجة يمكن أن يرمونا برذيلة الإرهاب، وهو بضاعة كاسدة منفرة، وتثير الاشمئزاز والغثيان. ولكن مادامت السياسة عندهم ملوثة وميكيافيلية إلى درجة الانحطاط ، فالمنطقي هو استخدام كل الوسائل القذرة لإقصائنا ، مادمنا قد وضعنا يدنا على الجرح، وأن لايمنحونا منحة محاكمتنا على أساس أفكارنا ومبادئنا وقيمنا...](14).

على سبيل الختم:
في المثل المغربي:إلى طاحت البقرة كيكثروا الجناوة(= إذا وقعت البقرة أرضا كثرت حولها السكاكين). وبعض الخصوم السياسيين للحركة الإسلامية آمنوا- إلى حد اليقين- ببقرية المعتقلين الستة، فشحدوا سكاكينهمليجهزوا عليهم بالإدانات المسبقة. لكن ليطمئن هؤلاء، فلن يكون المعتقلون المذكورون عجولا كما لم يكن من سبقهم من الدعاة إلى السجون في دول إسلامية كثيرة، ثم خرجوا منها أشد قوة وأمضى عزيمة بإذنه تعالى. ونحن نأمل لمن شحد سكيناث ألا يفهم نكتة القرد بحمارية الحمارإإ
سلا: شعبان 1429/غشت 2008.

الهوامش:
1- يقصد السياسيين الستة المعتقلين ضمن ما سمي ب(خلية بلعيرج)، وهم:
- ذ. محمد المرواني ، الأمين العام لحزب الأمة.
- ذ. مصطفى المعتصم، الأمين العام لحزب (البديل الحضاري).
- ذ.محمد الأمين الركالة، الناطق الرسمي للحزب المذكور.
- ذ.عبدالحفيظ السريتي، عضو حزب الأمة، ومراسل قناة المنار اللبنانية.
- د.العبادلة ماء العينين، عضو حزب العدالة والتنمية.
- ذ. حميد نجيبي، عضو الحزب الاشتراكي الموحد.
2و3و4- سعيد لكحل، اعتقال قيادات حزبية كان مفاجئا، جريدة الصباح، عدد2447 بتاريخ الخميس 21/02/2008.
5- حوار مع سعيد لكحل في جريدة الاتحاد الاشتراكي،عدد 8808 بتاريخ 01 مارس 2008.
6- نفسه.
7- عنوان مقال لمحمد البودالي ورد بجريدة الصباح عدد 2450 بتاريخ الإثنين25 فبراير2008.
8- عنوان مقال آخر لمصطفى الزارعي في نفس الجريدة ونفس العدد.
9- جريدة الصباح عدد 2468 بتاريخ 17-03-2008.
10- من الندوة الصحفية التي عقدتها هيئة الدفاع عن المعتقلين الستة، جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد8822، الثلاثاء 18 مارس 2008.
11- جريدةالحياة عدد11 بتاريخ 9-15 ماي 2008.
12- مضمون ذلك المفهوم في قوله:وحتى حنا كنصليو نهار الجمعة وكنلبسو الجلابة...وهذا هو المغربي الحقيقي(جريدة المساءعدد530، الإثنين 27 جمادى الأولى1429/02 يونيو2008).ومعنى كلامه:ونحن أيضا نصلي يوم الجمعة ونلبس الجلباب...وفاعل ذلك هو المغربي الحق وكأن الإسلام هو فقط لبس الجلباب والذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة إإ
13- العبدي عبدالعزيز:بليرج: السوط والصدى، جريدة الأحداث المغربية، عدد3473 بتاريخ الإثنين 11 غشت 2008.
14- مقال للأخ عبدالرحيم شهبي عنوانه:حق البوح في زمن المحنة منشور على الرابط:
Aloummah.org/index.php ?option=com_content&task=view&id=691&Itemid=1

من أفضال رمضان على الأمة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين"(1).
قال القرطبي رحمه الله:"فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا ، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم...أو المقصود تقليل الشرور فيه..."(2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"(3).
إلا أن لرمضان – في مجتمعاتنا – طعما خاصا:
- فهو، لدى صنف من الناس، فرصة للهو والسمر ومجاهرة الله سبحانه بالمعاصي ليلا إلى طلوع الفجر (لعب الأوراق، إقامة حفلات الغناء والرقص، تصاعد وتيرة القمار...) وكأنما أطلق الصائم من عقال إإ
- وهو، لدى صنف آخر، موعد مع التكاسل والتراخي وإهمال القيام بالواجبات وتضييع مصالح كثير من العباد إإ
- وهو كذلك- لدى صنف ثالث- شهر "للمحنة" ، محنة الجوع والعطش والتعب والتوتر الحاد المفضي إلى التشاجر والتهارش والتقاتل...إإ
أين رمضان- في واقعنا- من رمضان كما يريده دين الله سبحانه : شهر خير للأمة ، وتوحيد للخالق، وتربية للنفس، ومجاهدة للعدو؟
أخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان ، ولا أتى على المنافقين شهر شر من رمضان ، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر"(4).
إن رمضان شهر خير لأنه:
أ- شهر التوحيد ومراقبة الله سبحانه وتعالى:
إن الصوم عبادة سرية بين العبد وربه يتربى فيها المؤمن على مراقبة الله سبحانه والخشية منه. فهو – أي المؤمن- يترك مافيه هوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه بأن الله سبحانه يراه ويطلع عليه. فكان شهر رمضان بذلك "وصلة إلى التقوى"، وحربا على الرياء الأخف من دبيب النمل، وبذلك استحق الصائم، تفضلا من الله عز وجل ونعمة، الجزاء منه سبحانه بغير حساب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،" قال الله : كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم.والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح لصومه"(5).
يقول القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر حديث:( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم...) مايلي:"...وإنما خص الصوم بأنه له ، وإن كانت العبادات كلها له، لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات:
- أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لايمنع منه سائر العبادات.
- الثاني: أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لايظهر إلا له، فلذلك صار مختصا به..."(6).
ومن تمام بشارة المؤمن بما له من الصوم ابن حجر رحمه الله، حين كلامه عن قوله صلى الله عليه وسلم:"الصيام لي وأنا أجزي به"، مما ملخصه:
- الصوم لايدخله الرياء لأنه عبادة سرية كما سبق.
- الصوم ينفرد الله سبحانه بتقدير ثوابه إلى ماشاء بخلاف سائر العبادات التي أطلع الله سبحانه عباده على مقادير ثوابها بمضاعفتها من عشرة إلى سبعمائة ضعف...
- الصوم أحب العبادات إلى الله سبحانه والمقدم عنده.
-الصيام فيه تقرب من الله بما يوافق صفاته سبحانه من استغناء عن الشهوات.
- وفيه أيضا تقرب من الملائكة من حيث استغناؤهم عن الشهوات.
- الصوم لاحظ فيه للعبد من حيث ثناء الناس عليه لعدم ظهوره.
- إن جميع العبادات تؤخذ منها مظالم العباد إلا الصيام ، كما في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول:"قال عز وجل: كل العمل كفارة إلا الصوم، والصوم لي وأنا أجزي به"(7)، وغير ذلك...
ب- شهر التربية والتغيير للنفس، وذلك:
*بترويضها على الأخلاق الحميدة، ومحاربة نوازعها (الغيبة ، النميمة، المكر، الغش...). وقد مر الحديث:"إذا كان يوم صمم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب...".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(8).
*بتقوية إرادتها حتى تتحرر من عبوديتها لشهوة مؤثرة أو عادة متبعة أو لذة مطاعة...عن عبدالرحمان بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبدالله ، فقال عبدالله: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابا لانجد شيئا ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب ،من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"(9).
وتمتد هذه الحرية إلى سائر مناحي الحياة لتكسب المؤمن شخصية مستقلة لاتؤثر عليها مواضعات الناس ومتغيرات الواقع. عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لاتكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا"(10).
ج- شهر الجهاد والتضحية:
على كل مسلم أن يكون جنديا لدينه، صبورا على تحمل الشدائد لأجله، وذلك من بين ما تدل عليه مبايعة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، بل على الموت كما في الحديث: عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت"(11).
إن الجندية تتطلب إعدادا روحيا وماديا، وصيام رمضان إعداد للتحمل والصبر والجهاد، سماه الرسول صلى الله عليه وسلم بشهر الصبر:
عن أبي عثمان أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر"(12). وذهب بعض المفسرين إلى أن الصائمين هم الصابرون المذكورون في قوله تعالى:( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)(الزمر:10). وقد قال علي رضي الله عنه:"كل أجر يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصوم فإنه يحثى حثوا ويغرف غرفا"(13).
إن أولئك الصائمين الصابرين هم الذين انتصروا:
1- في غزوة بدر الكبرى: عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في ليلة القدر قال:" تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر"(14).
وعنه أيضا قال:" التمسوا ليلة القدر لتسع عشرة صبيحة يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان"(15). 2- في فتح مكة: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف ، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة ، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد- وهو ماء بين عسفان وقديد- أفطر وأفطروا"(16).
3- في عين جالوت على التتار(658هجرية)، في العشر الأواخر من رمضان، انتصر المسلمون، بعد أن يئست القلوب من النصرة، على قوم" ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه"كما قيل عنهم(17).ودور"سلطان العلماء وبائع الأمراء"- العز بن عبدالسلام رحمه الله- في هذه المعركة معروف ومشهور.
4- في وقعة شقحب ضد التتار أيضا من يوم السبت 20 رمضان إلى يوم الأحد 03 رمضان 702 هجرية."وفي يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة (18) إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر، وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد، ففرح الناس به ودعوا له وهنأوه بما يسر الله على يديه من الخير..."(19).
وقد عرف الإعداد للمعركة صورا للتضحية تندر إلا في مثل المواطن الجهادية، تكفي الإشارة إلى الأمير سيف الدين الشمسي القشاش ، وكان يعذب الناس تعذيبا وحشيا. فقد" خرج لغزوة شقحب في محفة إلى وقت القتال لبس سلاحه وركب فرسه وهو في غاية الألم. فقيل له: أنت لاتقدر تقاتل، فقال: والله لمثل هذا اليوم أنتظر، وإلا بأي شيء يتخلص القشاش من ربه بغير هذا؟إ .وحمل على العدو وقاتل حتى قتل، ورئي فيه- بعد أن مات- ستة جراحات"(20).
5- في فتح جزيرة رودس في رمضان سنة 63 هجرية، حيث أقام فيها المسلمون سبع سنين، ومعهم المفسر الشهير مجاهد بن جبر، يغزون الكفار في البحر ويقطعون سبيلهم، وكانت سنوات شديدة على الكفار.
6- في ابتداء غزو الأندلس سنة 91 هجرية، بإغارة طريف بن مالك على الجزيرة الخضراء بأربعة مراكب في شهر رمضان، وعاد سالما غانما غنائم كثيرة.
7- في فتح أكثر الأندلس في رمضان سنة 92 هجرية على يد طارق بن زياد رحمه الله... وغير ذلك من الإنتصارات الجليلة.
فانظر كيف أهل الصيام ، وهو صبر بضع ساعات فقط ، سلف هذه الأمة إلى الصبر والتحمل عند بارقة السيوف.
أما المنهزمون في أنفسهم، اللاهثون- حتى وهم في رمضان- وراء المال الحرام والمتعة الحرام، فإنهم سيكونون أكثر انهزاما أمام أعداء الأمة"عن تحمل قسوة الكفاح والنضال أياما وشهورا وأعواما...إن المنهزمين في ميدان صغير ليسوا أهلا لأن يحرزوا النصر لأمتهم في ميدان كبير، ومن أعلن استسلامه في معركة نفسية تدوم ساعات، فقد حكم على نفسه بفقدان أول خلق من أخلاق المكافحين وهو الرجولة. ومن عز عليه أن يعيش في جو الرجال، فقد أخرج نفسه من معارك الشهداء والأبطال"(21)، ومنها معركة الأمة ضد "إخوان القردة والخنازير"(22) وقتلة الأنبياء وعبدة الطاغوت...والذين ندعو الله سبحانه وتعالى أن يرينا فيهم ، في هذا الشهر المبارك، يوما أسود يذكرهم بيوم خيبر.
د- شهر الإعتراف بالحاجة للخالق سبحانه:
إن هذا الشهر المبارك هو شهر الإحساس بقيمة نعم الله عز وجل علينا، يتساوى طوعا أو كرها، كل الأقوياء والملوك والأغنياء...مع الباقين من عباد الله في الحاجة إلى نعمه سبحانه وطعامه وشرابه."فلماذا يمنعون عن الشعب طعامه وغذاءه؟ لماذا يمنعون حقه، ولو منعهم الله أسباب القوة لكانوا مستضعفين في الأرض أذلة صاغرين؟"(23).
ه- شهر للشعور بحرمان المحرومين ولوعة الجياع والمحتاجين:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة"(24).
فلماذا لانجعل من رمضان مناسبة لإعلان الحرب على الظلم والفساد، والثورة على الخرافة والجهل، والتضامن من أجل قضايا الأمة وخاصة فلسطين؟
اللهم أهل علينا رمضان بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، آمين.

الهوامش:
1-البخاري في الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، حديث 1899.
2- مأخوذ من ابن حجر رحمه الله، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق ابن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي رحمهما الله، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/ 1420- 1989 ص4/144.
3- البخاري في الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية، حديث 1901.
4- أخرجه أحمد 2/330 و2/524، وابن خزيمة في صحيحه3/188، حديث1884، وعلق محققه عليه بقوله:"إسناده ضعيف"(صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، دمشق وبيروت- 1400/1980- ص300/188)
والحديث ذكره البيهقي في "السنن"(4/304)، والهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/140-141) ثم قال:"رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن تميم مولى ابن رمانة، ولم أجد من ترجمه".
5- البخاري في الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم، حديث 1904.
6- الجامع لأحكام القرآن، دار الكاتب العربي، بيروت. ط3/1383-1997.ص2/274.
7- أخرجه أحمد(2/467). ومما يشهد له الحديث الذي أخرجه البخاري عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم قال:" لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"(كتاب التوحيد، باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه، حديث 7538). وقد جمع ابن حجر رحمه الله بين حديث أحمد والأحاديث الكثيرة الدالة على أن الصيام كفارة أيضا بقوله في الاستثناء"إلا الصوم":"أن يكون المراد : إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة"(الفتح4/139).
8- البخاري في الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، حديث 1903.
9- البخاري في النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم، حديث 5066.
10- أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو، حديث2007، ثم قال الترمذي : حسن غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه.
11- البخاري في الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، حديث 7206.
12- النسائي في الصيام، باب ذكر الاختلاف على أبي عثمان في حديث أبي هريرة، حديث 2406.
13- القرطبي، مصدر سابق، ص4/241.
14- أخرجه الحاكم(3/20) وقال:"صحيح على شرط الشيخين".
15- أخرجه الحاكم(3/21) وقال:"صحيح على شرط الشيخين ". 16- أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، حديث4276.
17- ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الأوقاف والإرشاد القومي، مصر، ص7/78.
18- الكسوة: قرية هي أول منزل تنزله إذا خرجت من دمشق إلى مصر( ينظر : معجم البلدان لياقوت الحموي).
19- ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت. ط1/1966 ص14/25.
20- ابن تغري بردي، مصدر سابق، ص8/205.
21- د.مصطفى السباعي رحمه الله، أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة، بيروت، ط2/1392.ص32.
22- من كلام لأمنا عائشة رضي الله عنها في حديث أخرجه أحمد (3/241 و6/135).
23- السباعي رحمه الله، مرجع سابق، ص41-42.
24- أخرجه البخاري في الصوم، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان، حديث 1902.

المواطنون سواسية أمام القانون(3)

سبق لوزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة ببلدنا أن حذر من تبعات التشكيك في الرواية الرسمية المتعلقة بمعتقلي خلية بلعيرج، وضمنهم المعتقلون السياسيون الستة(المرواني، السريتي، ماء العينين، المعتصم، الركالة، نجيبي)، وأكد على وجود خطر يهدد المغرب، مما يتطلب من الجميع- حسب الوزير- التصدي له. وقد اتهم الوزير أيضا بعض وسائل الإعلام المغربية باللجوء ( إلى نشر مقالات تعالج الموضوع من زاوية تحيل على التشكيك في الرواية الرسمية، مما يعد في نظره ابتعادا عن الموضوعية والنزاهة وأخلاقيات مهنة الصحافة أثناء معالجتها للملف)(1).
كما( دعا شكيب بنموسى، وزير الداخلية المغربي، إلى عدم التشكيك في وقائع اعتقال شبكة بلعيرج. وقال:إن الأفعال المنسوبة للأشخاص الذين تم اعتقالهم في إطار شبكة بلعيرج أفعال غير مصطنعة ولا ملفقة كما يزعم البعض)(2).
نفهم من الكلام أعلاه:
- أن الأفعال المنسوبة للمعتقلين أفعال حقيقية حسب وزير الداخلية.
- وأن للتشكيك في تلك الحقيقة تبعات تطال المشككين حسب وزير الاتصال.
فما هي ثمرات ذلك الكلام؟
لنقرإ الخبر التالي:
( مثل أمس- الأحد- أستاذ شكك في ملف خلية بليرج أمام النيابة العامة بعد أن أعادت الشرطة التحقيق معه. وكانت النيابة العامة بابتدائية برشيد أمرت بإعادة تعميق البحث مع مشتبه فيه، شكك في قضية شبكة بليرج. وطلبت النيابة العامة من الضابطة القضائية بأمن برشيد مواجهة الشخص بأقواله المسجلة في قرص مدمج أثناء تدخله في لقاء مفتوح عقده حزب العدالة والتنمية ببرشيد مع مصطفى الرميد ، النائب البرلماني بفريق الحزب.
وحسب مصدر قريب من البحث فإن المشتبه فيه ( أستاذ الفلسفة بالمدينة)شكك في وجود خلية بليرج، وما تقوم به الأجهزة الأمنية، واعتبره مبالغا فيه، وغيرها من الأشياء التي وصف بها ما يتعلق بخلية بليرج خلال تدخله في لقاء مع المصطفى الرميد بداية الشهر الجاري في لقاء مفتوح عقده حزب العدالة والتنمية بعاصمة اولاد حريز)(3).
وبمعنى آخر: ويل لكل من سولت له نفسه - أو عقله- التشكيك في الرواية الرسمية؟؟. و(الويل) هنا ربما هو الاعتقال والمحاكمة...
لكن المواطن العادي قد لايفهم المنع من التشكيك فقط، بل قد يسبقه فهمه إلى المنع من التعاطف أصلا مع المعتقلين الستة خاصة، فيصبح المعنى:
الاعتقال والمحاكمة لكل من تعاطف بقلبه ، ولو لم يعبر عن ذلك بلسانه، مع المعتقلين المذكورين؟؟
هذه أولى الثمرات المرة لتصريحات الوزيرين.
الثمرة الثانية هي بروز نوع من الحربائية في مواقف بعض المحسوبين على الثقافة في بلدنا. وإليكم ما نشرته إحدى الجرائد:
[ أكد سعيد لكحل، متخصص في الحركات الإسلامية، أن ورود أسماء قياديين حزبيين في الشبكة الإرهابية التي جرى تفكيكها بالمغرب أخيرا، شكل عنصر مفاجأة بالنسبة إلى المتتبعين لشأن الحركات الإسلامية وللشأن السياسي بصفة عامة. وقال لكحل في اتصال معالصباح إن هذه القيادات أعلنت غير ما مرة أنها أحثت القطيعة مع الفكر المتشبع بالعنف ومع الخيار الانقلابي تجاه الأنظمة. وأضاف أن القيادات المذكورة قررت عن طواعية أن تعمل في إطار المؤسسات الدستورية القائمة واختارت النضال الديمقراطي والتصالح مع التيارات السياسية المختلفة، وهو ما يصدق على حزب البديل الحضاري الذي يتزعمه المصطفى المعتصم.وأوضح أن البديل الحضاري نسق مع قوى يسارية فيما يتعلق بتأسيس القطب الديمقراطي أو فيما يتعلق بالانخراط في حركات احتجاجية ضد غلاء الأسعار والمعيشة أو حتى ضد الإرهاب. وأكد سعيد لكحل أن عنصر المفاجأة الثاني يتجلى في أن الإيمان بالفكر الجهادي وبالإرهاب لم يعد مقتصرا على المجموعات المنتمية إلى الأحياء المهمشة وإلى الشرائح الإجتماعية الفقيرة، بل أصبحت تضم النخب السياسية والفكرية، وهو ما يطرح سؤال استقطاب هؤلاء من طرف الفكر الجهادي.
واستبعد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أن تكون للقيادات السياسية التي تم إلقاء القبض عليها أخيرا اتصالات أو تنسيق مع العناصر الإرهابية في تنظيم القاعدة . اللهمإلا إذا افترضنا أن تكون الغاية من هذه الاتصالات هي محاولة من طرف هذه القيادات لمباشرة حوار مع التنظيم الإرهابي لثنيه على التخلي عن الأفكار الجهادية والتحول إلى العمل السلمي والديمقراطي، ذلك أن القناعات الفكرية والسياسية لهذه القيادات لاتمت، بحسب الباحث، بأية صلة إلى الفكر الجهادي.
واستبعد الباحث أيضا إمكانية تخفي هذه القيادات وراء مبدإ التقية، على اعتبار أن تصريحاتهم وتوجهاتهم الفكرية وكتاباتهم لاتشتم منها رائحة التقية ، وما يؤكد على ذلك هو أن البديل الحضاري أعلن في عدة مناسبات نبذه للعنف، وكان سباقا إلى إدانة الأعمال الإرهابية التي يرتكبها تنظيم القاعدة في كل مكان](4).
كان هذا الخبر يوم الخميس 21 فبراير2008.
ثم حدث لقاء حضره وزير الداخلية وبعض مساعديه ووزير الاتصال ومجموعة من الإعلاميين والجمعويين والمثقفين، وذلك في نفس اليوم (الخميس)، ونوقش في اللقاء موضوع خلية بلعيرج المذكورة، وخرجالمثقفالمذكور على القراء بكلام ينقض ما سبق أعلاه

كما في أقواله التالية:
- (نحن أمام حقيقة صادمة هي انخراط أطر من النخبة الفكرية والسياسية ضمن الشبكة الإرهابية)(5).
- يفسر التباين والحذر الذي لوحظ في النظر إلى الحدث فيقول:( الأمر يعود إلى سببين:
الأول يكمن في طبيعة المخطط الإرهابي والعناصر المنخرطة فيه. إذ لم يتوقع أحد أن يكون ضمن المعتقلين قادة في أحزاب سياسية لهم علاقات طبيعية مع الطيف السياسي.
أما السبب الثاني فيكمن في هيمنة ثقافة التشكيك في كل ما يصدر عن الدولة)(6).
فهل غير الرجل – وهو الذي كان صديقا حميما لبعض منتسبي البديل الحضاري، يمتدح استنارتهم وتمسكهم بالديمقراطية- رأيه خوفا منتبعات التشكيك في الرواية الرسمية، أم لأن غذاء وزارة الداخلية أدسم، أم أنه لازال في القلب، ضد دين الأمة، شيء من الأيام الرفاقية الخوالي؟
لقد عرفنا مثقف السلطة وخبرناه- في فكرنا وتراثنا- منذ قرون، وتكلم من تكلم عنالمثقف العضوي وأطال الكلام فيه، وسمى من سمى أحد كبار المفكرين بالمغرب بالمثقف/النعامة. لكن واقعنا يمدنا الآن – لا بالمثقف- ولكن بسدسه أو عشره ممن يمكن نعته بالمثقف/الحرباء.
لله در من قال:
ولا خير في ود امريء متلون إذا الريح مالت مال حيث تميل
جواد إذا استغنيت عن أخذ ماله وعند احتمال الفقر عنك بخيل
فما أكثر الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل


الهوامش:
1- أحمد الأرقام، القضاء البلجيكي سيطلب الإنابة القضائية في خلية بلعيرج الإرهابية، جريدة الشرق الأوسط، عدد 10692، بتاريخ الجمعة 29 صفر1429/07مارس2008.
2- ورد هذا في تصريحه أمام لجنة الداخلية واللامركزية والبنيات الأساسية بمجلس النواب، جريدة(العرب) القطرية، عدد7203 بتاريخ الأحد 24 صفر 1429/02 مارس2005.
3- جريدةالصباح،عدد2468 بتاريخ 17مارس2008.
4- جريدةالصباح،عدد2447 بتاريخ الخميس 21/02/2008.
5- جريدةالاتحاد الاشتراكي،عدد 8808، بتاريخ 01 مارس 2008.
6- نفسه.
سلا في شعبان1429/غشت 2008

المواطنون سواسية أمام القانون(2)

جاء في الخبر أن لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان في البرلمان صوتت[ بالإجماع لصالح إسقاط المتابعة عن يوسف التازي(1) المتابع في قضية فساد مالي لاعلاقة لها بالسياسة أو المعارضة البرلمانية](2).
وفي خبر آخر أن أحد المستشارين- من حزب الاستقلال- في تطوان تم اختطافه في قضية ذات علاقة بالمخدرات وتبييض الأموال، إذ ذكر أن المستشار كان يتكفل بجل مشاريع أحد أباطرة المخدرات المدعو (بيلوكا) ،ومما جاء في الخبر:
[...ودخل عباس الفاسي، الأمين العام لحزب الاستقلال، على الخط في هذا الملف، إذ وعد أعضاء الحزب في المنطقة بالتدخل للكشف عن مصيره، وذلك مباشرة بعد تلقيه بلاغا من الكتابة الإقليمية لحزب الاستقلال التي ينتمي إليها المستشار المختفي، بعد اجتماع طاريء للحزب في المنطقة خصص للتداول بشأن موضوع الاختفاء](3). ولم يهدأ لوزيرنا بال ألا بعد أن أطلق سراح المختطف.
وقد يكون الرجل المختطف -في رأيي - بريئا، وقد يكون غير ذلك.وحتى لو ثبتت التهمة في حقه، فإن ذلك لايبرر اختطافه الذي هو جريمة يعاقب عليها القانون. إلا أن الخبرين يطرحان عدة أسئلة أهمها:
- كم من اختطاف حدث بالمغرب، في حكومة هذا الوزير، لمحسوبين على التيار الإسلامي، فلم نر وزيرنا يرغي ويزبد كما فعل في هذا الاختطاف؟
- ولماذا يغضب الوزير إذا مس مواطن ينتسب لحزبه ،ولا يفعل ذلك إذا انتهكت حرمات الكثير من المغاربة؟ فهل الرجل وزير لجميع المغاربة- كما ينبغي له أن يكون- أم لتلك النسبة الهزيلة جدا من المواطنين الذين صوتوا على حزبه في الانتخابات الأخيرة؟
- وهل المواطنون المغاربة سواسية في نظر الوزير الأول، أم منهم المواطنون مواطنة كاملة يغضب لاختطاف أحدهم، ومنهم أنصافهم وأرباعهم وأعشارهم...من الذين لايستحقون حتى الاعتراف بمحنهم وعذاباتهم كما حدث مع سكان سيدي إفني في انتفاضتهم؟
- وأين يضع الوزير الأول المواطنين الواقفين على الأرضية الإسلامية؟ ماتصنيفهم في (سلم تصنيفه)، إن كانت لديه- في ذلك السلم- خانة لتصنيفهم؟
ربما يستعصي هؤلاء على تصنيفه، فلا يجد لهم مكانا في صنافته، ولو كان ذلك المكان في آخر الترتيب، ما دام حزب (البديل الحضاري) حل ببصمة على قرار، في عجلة لانعهدها -في التنفيذ- إلا في مثل هذه المواقف؟؟
وعودة إلى الخبر الأول ، فنقول:
أخرج البخاري رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا :من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجتريء عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: ياأيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها''(3).
رحم الله رجال سند هذا الحديث، من لدن الصحابية الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما إلى البخاري ومن بعده، ممن بلغنا هذا الحديث النفيس.والله وحده سبحانه القادر على أن يجازيهم بما هم أهله، وأن يصلي على النبي صاحب هذا الكلام أزكى الصلاة ويسلم أتم تسليم، إنه سميع مجيب.
سلا في شعبان1429/غشت2008
الهوامش:
1- هو نائب ينتمي لحزب الاستقلال الذي يترأس الحكومة بالمغرب.
2- مقال الصحفي رشيد نيني:(الحلم المؤجل) في عموده اليومي (شوف تشوف)،جريدة المساء، عدد583 بتاريخ: السبت- الأحد02-03 غشت 2008.
3- جريدة الصباح عدد2483 بتاريخ الخميس 03أبريل 2008.
4- أخرجه في الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، حديث6788.

المعتقلون الستة فك الله أسرهم:

المواطنون سواسية أمام القانون؟؟(1)

[انتزع يوم أمس(الإثنين) حزب الوحدة والديمقراطية اعترافا رسميا من قبل وزارة الداخلية.وعلمت الصباح أن الاعتراف بعد مرور شهر ونصف فقط من إيداع الملف التأسيسي الخاص بالحزب لدى المصالح المختصة في وزارة الداخلية، علما أن المدة التي حددها قانون الأحزاب السياسية الجديدة محددة في شهرين، إلا أن وزارة شكيب بنموسى أسرعت في الحسم في موضوع الترخيص لحزب الوحدة والديمقراطية، الذي قام بتشكيله أعضاء وقياديون سابقون من حزب الاستقلال...]
(جريدة الصباح عدد 2584 بتاريخ 30-07-2008)
مر هذا الخبر دون أن يثير لدى المتتبعين للشأن السياسي والحزبي بالبلد أي تعليق. وكيف سيثير التعليق والأمر عادي جدا في جو سياسي وحزبي ديمقراطي؟
غير أن لهذا الخبر وأمثاله وقعا مختلفا على أبناء الحركة الإسلامية، خاصة المتعاطفين مع حزبيالأمة والبديل الحضاري.
فالحزب المذكور- في الخبر أعلاه- حصل على الاعترافبعد مرور شهر ونصف فقط من إيداع الملف التأسيسي....لكن حزب (البديل الحضاري) لم يحصل على الوصل القانوني إلا بعد ثلاث سنوات ، وبعد نضال مرير. وبعد ذلك حل الحزب بتسرع، وسبق حله اعتقال أمينه العام(مصطفى المعتصم) وناطقه الرسمي (محمد أمين الركالة).
أما حزب ( الأمة) ،فقد منع قيامه بعد اعتقال أمينه العام (محمد المرواني) هو الآخر قبل يوم واحد فقط من حلول الذكرى الأولى لتأسيسه ، وقبل ساعات قليلة أيضا من ندوة كان يعتزم الأخ المرواني عقدها حول موضوع تعاطي المحكمة الإدارية مع ملف الحزب.
فهل معنى ذلك أن إسلام هؤلاء المواطنين المعتقلين تهمة يلزمهم - للحصول على حق العمل السياسي - التبرؤ منها؟ وفي هذه الحالة ستصبح قاعدة التعامل مع المواطنين الإسلاميين، في هذا البلد، كالتالي:
أنت إسلامي، إذن أنت متهم حتى تثبت إدانتك وهي الوجه الآخر للقاعدة الأمريكية البوشية( نسبة إلى بوش الإبن) :أنت مسلم، إذن أنت إرهابي
وهل المعنى أنمن يملك القانون في أوطاننا هو الذي يملك حق عزفه كما قال الشاعر أحمد مطر؟ أم أن مسؤولينا يربأون بالدين- وهو المقدس- أن يقحم في السياسة ، وهي مجال المدنس (لديهم بالطبع)، عملا بقول القائلين، كما يذكر ذلك عنهم الحق سبحانه وتعالى:(أخرجوهم من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون) (الأعراف:82)؟
كيفما كان الأمر، فقد قال فرعون- وهو المبدل للدين الحق والمظهر للفساد- مرة لقومه عن موسى عليه السلام :(إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الارض الفساد) (غافر:26)
سلا، شعبان1429/غشت 2008.
المعتقلون الستة فك الله أسرهم:

قرأت لكم: مقال(سياسة التجهيل) لرشيد نيني.

قرأت لكم:
مقال(سياسة التجهيل) لرشيد نيني.
قراءة: حسن لمعنقش
تقديم:
تنتشر في عالمنا الإسلامي عدة مغالطات أصبحت في حكم البديهيات التي لا يمكن مراجعتها أو التشكيك فيها. ولعل مما يطيل في بقاء تلك المغالطاتبديهية تبني أنظمة الحكم لكثير منها. فمن منا، مثلا، من لا يذكر أن الطائفة الحاكمة في سوريا هي الطائفة العلوية- مع أنهاالطائفة النصيرية- على الرغم من أنها لا علاقة لها بالإمام علي رضي الله عنه سوى علاقة الدعوى العارية عن الدليل؟
ومن منا يتساءل عن مدى صحة قول الشيعة أن مذهبهم هو مذهب آل البيت، أو أنه مستمد من الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، مع أن أحق الناس بآل البيت رضوان الله عليهم- عامة- وبالإمام الصادق رضي الله عنه- خاصة- هم أهل السنة والجماعة؟(1)
وكم سمعنا، ولا زلنا نسمع، أن [اللائكية مؤسسة تقي الشعوب من احتمالات الحروب الأهلية التي يمكن أن تشتعل في كل لحظة وحين من جراء صراع الملل والأديان في المجتمع الواحد](2)، في حين أن تلك اللائكية لم تمنع وطنا صغيرا مثل لبنان أن يتقاتل أبناؤه سنوات طويلة إ
وليس بلدنا- المغرب- بدعا من بلدان العالم الإسلامي. فكثيرة هيالبديهيات التي لا تقبل، في منطق البعض، الجدل بله التشكيك. ومن ذلك:
*أن بلدنا يلتزم بمذهب الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، وأن الحركة الإسلامية بالمغرب تشوش على ذلك الالتزام باستيرادها مذاهب مشرقية، خاصة الوهابية إإ
والغريب أن يصدر مثل هذا الكلام من أناس تربطهم باليسار وشائج قربى، أمثال محمد لمرابط وسعيد لكحل وجمال هاشم... وغيرهم من يساريي أمريكا ممن لا يقيمون وزنا لا للإمام مالك ولا لغيره من علماء الأمة إإ
*أن التصوف في بلدناتصوف سني تسهر الدولة على رعايته. والوقائع تكذبسنية ذلك التصوف في بلدنا. فما تعرفه الزوايا ومواسم الأضرحة من شعوذة ودعارة وشذوذ جنسي وممارسات شركية ينفي تلكالسنية. تكفي الإشارة- توضيحا لذلك- إلى الضجة التي أثيرت هذه السنة حول اللوطيين الذين يقصدون بكثافة موسم ضريح علي بنحمدوش بضواحي مدينة مكناس، مما يعتبر سبة في وجه التصوف المعتبر زورا سنيا إإ
وليس غريبا إذن أن تعمل الدولة اليوم على إحياء ذلك النوع من التصوف، فهي لا تفعل ذلك إلا لمواجهة الحركة الإسلامية، كما صرح بذلك مسؤول حكومي ديني لمجلة التايم الأمريكية حينما قال:
[إن مواجهة التطرف تتم بإحياء شكل الإسلام الصوفي](3).
*أن الدولة في بلدنا تسعى لبناءمجتمع حداثي ديمقراطي. وما ذكر أعلاه حول رعاية الدولة للتصوف المنحرف في بلدنا ينقض ذلك الادعاء. كما أن حفل الولاء في المغرب الذي يستدعي[طقوسا تحيل علىالعبودية والتشبث بأعراف، لم تكن مقبولة حتى في القرون الوسطى، في القرن 21 ](4) يكشف [عن نزعة محافظة، وعن انغلاق سياسي لا يتوافق مع شعارات العهد الجديد المبشرة بمفهوم جديد للسلطة وبمجتمع حداثي ديمقراطي](5).
*أن من أحزابنا الوطنية حزب هوسليل السلفية بالمغرب، تكون على أساسها ودرج في أحضانها، وأن ذلك الحزب يتمسك بالهوية ويدافع عن التعريب إإ ولذلك- وعلامة على ذلك التمسك بالهوية- يحرص بعض مرشحيه في الانتخابات على ذكر آية في مقدمة أوراق الدعاية للتصويت عليهم، هي قوله تعالى:(إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.... )(هود:88) إإ وهم حينما يفعلون ذلك، لا يرمى أي منهم بتهمةتوظيف الدين لأغراض انتخابية.
إن ذلك التبني المزعوم للسلفية انخدع به البعض وهو يرى من مؤسسي الحزب أحد العلماء، فاعتقد أن أعضاءه يحترمون تعاليم الإسلام. ولذلك أرسل المنخدع رسلة مفتوحة إلى وزيرة الصحة- المنتمية لذلك الحزب- يدعوها فيها إلى الجمع بين الطبيبات المتزوجات وأزواجهن، فقال عن رسالته:
[أردت أن أذكر بها السيدة الوزيرة التي تنتمي إلى حزب أسسه علامة المغرب الأوحد الشيخ علال الفاسي رحمه الله، فهي جدير بها أن تقدر موقف الإسلام حق قدره وتحترم تعاليمه وتوجيهاته](6).
وقد قال أحد الدعاة- وهو بالمناسبة ممن يعتبر بحق أن التصوف المنحرف في المغربفكر ظلامي- عن ذلك الحزب:
[يشاع لدى المغاربة أن حزب الاستقلال حزب ذو مرجعية إسلامية، إلا أن هذا الذي يشاع مجرد أكذوبة لسنوات طوال يعتقد المغفلون مثلي بأنها حقيقة واقعية](7).

إن المقال الذي أقدمه للقراء اليوم هو لأحد الصحفيين المقتدرين: رشيد نيني، يفضح فيه لجوء الحزب المذكور إلى التعريب، ليس حبا في لغة الضاد، وإنما لأغراض أخرى يذكر بعضها. ولأهمية المقال في إظهار زيفبديهية منالبديهيات المذكورة أعلاه، ارتأيت تقديمه للقراء، والله الموفق للصواب.
ملحوظة:
المقال منشور بجريدةالمساءبالعدد والتاريخ المذكورين أدناه، في العمود اليوميشوف تشوف.

سياسة التجهيل[
المساء عدد592 /الأربعاء13أغسطس2008
أعتقد أنه كانت هناك في المغرب منذ القديم رغبة في تجهيل المواطنين وتغليطهم. والحسن الثاني نفسه قد اعترف بأن التعليم كان سبب مشاكله، خصوصا بسبب تلك النخبة التي أرادت أن تنازعه السلطة، فعاقب المتشددين منهم، وأغرى الوصوليين منهم بمواقع المسؤولية إلى جانبه، ثم تفرغ للتعليم فدق آخر المسامير في نعشه، وترك المغرب في مصاف الدول المتخلفة التي يصل فيها عدد الأميين إلى أكثر من خمسين بالمائة. ولطالما كتبت الصحافة وانتقدت وجود مستشارين أميين أو محدودي التعليم في المجالس المنتخبة. لكن ذلك لم يغير شيئا من واقع الأمر. الذي وقع هو أن هذه الأمية والجهل ينتقلان أحيانا من مقرات المجالس المنتخبة إلى الشارع العام. مثال بسيط. بالأمس تناولت طعام الغذاء في أحد المطاعم الموجودة بحي بورغون بالدار البيضاء. وعلى أحد الجدران قرأت اسم الشارع المكتوب بالفرنسية والعربية. اسم الشارع هو «لاغيينيون»، الذي يحيل على جزيرة «لارينيون». المصيبة أن ترجمة هذا الاسم إلى العربية تحولت إلى «شارع الاجتماع». ويبدو أن الأمر اختلط على مترجم مجلس المدينة إلى الحد الذي ترجم اسما إلى فعل. غير بعيد عن حي بورغون، وفي حي المعاريف بالضبط، نعثر على زنقة تحمل اسم «أحمد أمين»، وكتعريف للرجل وضعوا تحته «شاعر». مع أن أحمد أمين لم ينظم قصيدة واحدة في حياته، وكان كاتبا معروفا بكتاباته المدافعة عن المرأة. تجهيل المواطنين الذي بدأ مع الحسن الثاني، استمر في «العهد الجديد»، لكن ذلك اليوم بطرق أكثر «حداثة» من السابق. قبل يومين وأنا أستمع إلى برنامج إذاعي تبثه إحدى الإذاعات الخاصة من الدار البيضاء في الثامنة والنصف مساء، تأكدت من أن بعض هذه الإذاعات الخاصة أصبحت أدوات فعالة لنشر ثقافة الجهل والتسطيح والتغليط. كان موضوع النقاش حول الوشم عند المغربيات، ومن خلال تعليقات مسير البرنامج وتدخلات المستمعين يتضح أننا وصلنا إلى مستوى متدني من الرداءة الإذاعية. فهذه مستمعة تقول بأن أختها لا تجرؤ على وشم جسدها لأنها إن فعلت ذلك فإن أخاها سيكسر أضلعها، وثانية تقول بأن الواشمات لسن سوى نساء «خارجات الطريق»، وآخر يفرغ على المستمعين كبته القديم ويقول لهم بأنه يحب كل شيء توجد فيه رائحة الفتيات، وأن المكان المفضل لديه في الوشم على جسد المرأة هو «البوط». وفي هذه الأثناء يتدخل «المنشط» لكي يقول للمستمعين بأنه توصل برسائل قصيرة على هاتف البرنامج لو قرأها عليهم فإن التسونامي سيصلهم إلى الإذاعة. وقد تركت بعض هذه الإذاعات الخاصة التي كنا نعول عليها للرقي بالذوق ورفع مستوى النقاش السياسي والثقافي في البلاد، كل المواضيع والإشكاليات التي تشغل بال الرأي العام الوطني جانبا وانشغلت بموضوع تافه كالوشم، وخصصت له حيزا زمنيا «محترما» وكأن المواضيع انتهت في المغرب ولم يبق سوى معضلة الوشم على جسد المرأة. التلفزيون الرسمي بقناتيه ليس أحسن حالا من بعض إذاعاتنا الخاصة. وإذا كان هناك من أداة لتجهيل المواطنين وتغليطهم فهي بالضبط نشرات أخبار هذا التلفزيون وبرامجه السياسية. وقد رأينا كيف حاول عباس الفاسي الوزير الأول تغليط الملايين من المغاربة عندما ادعى أن سيدي إفني لم تشهد أية أحداث، وبثت نشرة أخبار القناة الثانية مباشرة بعد هذا التصريح صورا من الأرشيف لميناء المدينة الهادئ، قبل أن تتجاوزها الأحداث وتعود إلى تصوير روبورتاج عن الأحداث التي هزت المدينة وتستجوب بعض أعضاء حركة «أطاك» الذين شاركوا في الأحداث. وآخر درس في تغليط الرأي العام تكفلت بإعطائه وكالة المغرب العربي للأنباء، عندما تعاملت مع تصريحات والتر والسوم المبعوث الأممي في الصحراء بمنطق لائحة الطعام، أي أنها أخذت منه ما رأته صالحا لقصاصاتها وتركت البقية جانبا. هكذا نزلت قصاصة الوكالة تقول بأن والتر فالسوم يؤكد على استحالة قيام كيان مستقل في الصحراء. فيما تصريح فالسوم الكامل يقول بأن الشرعية الدولية مع البوليساريو لكن المغرب لديه شرعية الواقع. هكذا تتحالف وكالة الأنباء الرسمية والإعلام الرسمي من أجل هدف واحد، وهو تغليط الرأي العام وإعطاؤه صورة ناقصة، وأحيانا مشوهة، عما يحدث حوله. وكأن هذا الرأي العام لا يعيش ثورة معلوماتية خارقة للعادة، ويتلقى الأخبار فور وقوعها من مصادر متعددة وبصورة واضحة ومتكاملة تمنحه فرصة تكوين رأيه وموقفه الخاص بعيدا عن أي تأثير جانبي. ولكي نفهم أسباب هذه الحملة التجهيلية التي يتعرض لها المغاربة، لا بد من العودة سنوات إلى الوراء، خصوصا في الفترة التي تعرض فيها التعليم أيام الحسن الثاني إلى أسوأ مؤامرة بتواطؤ مع حزب الاستقلال. ويحكي مولاي أحمد العراقي الوزير الأول على عهد الحسن الثاني في آخر حوار له أن التعليم كان من القطاعات الفاشلة بسبب سياسة التعريب التي ضغط حزب الاستقلال من أجل تطبيقها. هذا في الوقت الذي كان فيه المدافعون عن تطبيق سياسة التعريب في التعليم العمومي يدرسون أبناءهم في مدارس البعثة الفرنسية. والنتيجة هي ما نرى اليوم، فهؤلاء الأطفال الذين درسوا في البعثة الفرنسية عندما كان آباؤهم من قادة حزب الاستقلال يدافعون عن تعريب تعليم أبناء الشعب، هم من يمثلون حزب الاستقلال في الحكومة،. ومنهم ياسمينة بادو وكريم غلاب ونزار بركة وغيرهم. وعمليا فإن حزب الاستقلال استعمل التعليم كأداة لعرقلة وصول الطبقات الشعبية إلى مصاف النخبة الفاسية والرباطية التي تمتلك الأدوات العلمية لممارسة الحكم، أو على الأقل التواجد في مراكز القرار. وطيلة عقود ظلت المدرسة العمومية تنتج أشباه الأميين، وتحولت الجامعة إلى بورصة لبيع وشراء البحوث الجامعية وأصبح لتسجيل الأطروحات ثمن ولمناقشتها ثمن. حتى أصبحت الجامعات المغربية خارج ترتيب سنة 2008 لأفضل 500 جامعة عالمية. وخلال هذا الوقت ظلت العائلات نفسها التي تحتكر مقاعد مدارس البعثة الفرنسية هي نفسها منذ الاستقلال وإلى اليوم. وفي لائحة الناجحين في الباكالوريا منذ افتتاح البعثة إلى الآن، والتي ينشرها الموقع الرسمي لمدارس البعثة، نعثر على أسماء أبناء كل وزراء التعليم الذين تعاقبوا على الحكومات المغربية. وهكذا فالتجهيل على مستوى التعليم في المغرب لم يكن مجرد خطأ سياسي عابر، وإنما كان سياسة مقصودة ومخططا لها بعناية بالغة، هدفه التحكم في إنتاج النخبة. تلك التي سمح الحسن الثاني بتكوينها مع بداية الاستقلال فكادت أن تخرج له في عوده. وهكذا تحالف حزب الاستقلال مع النظام من أجل إنتاج نخبة على المقاس موالية للنظام، سوف تسند إليها في المستقبل مسؤولية حمل المشعل الذي سيتركه آباؤهم. وهذا ما وقع بالضبط. وإلى اليوم لم تتوقف هذه الآلة الجهنمية التي تبخس أبناء الشعب حقهم الطبيعي في التكوين العلمي العالي. والدليل على ذلك هو لجوء أكبر المؤسسات التعليمية العليا في المغرب إلى برمجة امتحانات الشفوي للولوج إليها في اليوم نفسه. حتى يقلصوا من فرص المرشحين الذين قبلت طلبات ترشيحهم في الولوج إليها، رغم معدلاتهم الجيدة. في الدول التي تقدر العلم والتكوين العالي يبحثون عن الطاقات والكفاءات بالفتيلة والقنديل، ويمكنونهم من المنح والسكن لكي يدرسوا في أحسن الظروف. أما عندما فيضيقون عليهم الخناق ويبرمجون جميعهم امتحانات الولوج في يوم واحد، حتى يقلصوا من حظوظهم في ولوج أحد هذه المعاهد العليا. ومع ذلك تستغرب جريدة الوزير الأول في عدد الأمس كيف أن هجرة الأدمغة مستمرة وأن المغاربة يتربعون على صدارة ترتيب المهاجرين المقبولين بكندا. أنا ما أستغرب له صراحة هو كيف استطاع أبناء الشعب من المغاربة تحدي كل حملات التجهيل التي قادتها الدولة ضدهم بسياساتها العرجاء، واستطاعوا أن يكونوا أنفسهم بوسائلهم الخاصة في مدن ليست فيها مكتبات ولا مختبرات للبحث العلمي ولا بنيات تحتية. تصوروا لو أن المغاربة الذين نراهم اليوم يسيرون أعقد مراكز البحث في المستشفيات العالمية، ويحاضرون في أعرق الجامعات، ويخترعون أدق المعدات الطبية والصناعية، تصوروا لو أن هؤلاء المغاربة تلقوا تكوينا علميا حقيقيا ووجدوا من يوفر لهم في بلدهم أسباب البحث العلمي، كيف كان سيكون المغرب. أكيد أننا كنا سنكون من بين الدول المتقدمة. فهذا الشعب الذي يقاوم التجهيل بوسائله الخاصة شعب موهوب من دون شك، ولديه مناعة ضد التجهيل والتغليط. انظروا فقط إلى عدد الصحون اللاقطة فوق أسطح البيوت لكي تفهموا أننا شعب يبحث لكي يعرف ما وراء بيته ويبتكر لكي يرى أبعد من أنفه. في عهد الحسن الثاني استعملنا الكسكاس لكي نقبض على «تيفي 5» وفي عهد محمد السادس نستعمل البارابول ونقرصن الشفرات لكي نلتقط العالم
]بأسره. ولأنهم يخاصموننا في الداخل فإننا سنظل أبد الدهر نبحث عن من يفهمنا في الخارج.
هوامش التقديم:
1- تراجع منافحة الإمام الصادق رضي الله عنه عن الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه- وهو ممن تلعن الشيعة في بعض أدعيتهم- في كتاب قيم هو:(مناظرة جعفر بن محمد الصادق مع الرافضي في التفضيل بين أبي بكر وعلي)، وهو للإمام الصادق، تحقيق وتعليق علي بن عبدالعزيز العلي آل شبل.
2- من مقال لعبداللطيف أكنوش بعنوان:(فصل الدين عن الدولة: من أجل مؤسسة واقية من الحروب الأهلية)، جريدةالمستقل المغربية، من الجمعة 08 إلى الأحد 10 صفر 1424/11- 13 أبريل 2003.
3- جريدة (التجديد) المغربية، عدد 1957 بتاريخ الإثنين 16 شعبان 1429/ 18 غشت 2008.
4- جريدة المساء، عدد 584، بتاريخ الإثنين 02 شعبان 1429/04 غشت 2008.
5- نفسه.
6- جريدة(الجريدة الاولى)، عدد 130، السبت والأحد 18 و19 أكتوبر 2008.
7- الدكتور محمد وراضي، عرقلة الفكر الظلامي الديني للنهضة المغربية، ط1/2008. مطبعة بني يزناسن، سلا. ص 06. والكتاب قيم ومفيد في مجاله.
سلا، شوال 1429/أكتوبر 2008.

الخميس، 26 فبراير 2009

تقديم مقال:(شهادة من الداخل) للأخ عبد الرحيم شهبي.

لماذا هذا المقال؟
-إنه كلمة حق في أخينا المعتقل المظلوم ، مع إخوة آخرين، الأستاذ محمد المرواني ، في وقت عز فيه النصير ، بل انقلب الصديق إلى متآمر والحليف إلى غادر إإ
- إنه يرد على اتهامات للأستاذ وللحركة التي أسسها مع إخوته من قبل، كالاتهام بالعنف والتشيع وغيرهما ، وهي تهم يحاول موتورون - وبكل صلف ونذالة- إلصاقها بمجموعة من الدعاةإلى الله في هذا البلد، على الرغم من أننا لم نشهد لهؤلاء الموتورين الأنذال إلا ما يخرق مذهب أهل السنة والجماعة ، وما يصادم مذهب إمام المدينة رضي الله عنه وأرضاه.
أما صاحب المقال ، فهو واحد من الذين ساهموا في صنع هذه التجربة من موقعه التنظيمي في الحركة من أجل الأمة من قبل ، ثم في حزب الأمة الموؤود من بعد.
ولذلك أقدم هذا المقال للقراء، في انتظار توضيحات أكثر لمواقف ( الحركة من أجل الأمة) ، ثم مواقف الأستاذ المرواني من قضايا مثل :
- العنف.
- الديمقراطية.
- اليسار الإسلامي.
- التشيع.
- الازدواجية... وغيرها من القضايا التي يثيرها من يمكن وصفهم بما جاء في المثل الشعبي المغربي:( الخيل مربوطة والحمير كتزعرط) (= الخيل في القيد والحمير تغدو وتروح). والله من وراء القصد.
حسن لمعنقش.
شهادة من الداخل


2008/05/15 :بتاريخ
صاحب المقال:عبد الرحيم شهبي

يقول محمد الماغوط: منذ يفاعتي، كنت أعاني الكوابيس، ولا أذكر، أنني حلمت حلما إلا وكنت فيه حافيا، أبحث عن حذائي، أو ضائعا أبحث عن هويتي المفقودة، أو مذعورا أحمي قصائدي بيدي المقطوعتين.
تخترق صرخات الحرية، وحقوق الإنسان ، والعدالة الاجتماعية، والحكامة الجيدة، والدولة القانونية، والقضاء المستقل، والمحاكمة العادلة، والإعلام الحر والنزيه، والحق في الوصول إلى المعلومة والخبر، وحماية الذاكرة،.. اليوم العالم، ويتردد صداها في كل مكان، وهي سيمفونية تعزف بإيقاع قوي، نشيد الحياة الكريمة، التي بدونها نتحول إلى كائنات نمطية، يحولها الاستبداد إلى أشياء تافهة، وأدوات استعماليه.ولا بد أن ننصت بكل جوارحنا لهذه الصرخات، التي تهز كل البرك النتنة في هذا العالم، ولابد أن نتساءل نحن الساكنون، في جسد هذا الوطن ، في ريفه وأطلسه وسهوله وصحرائه، المحرومون في ديارهم، الراكضون نحو السراب، القابعون في النفق المظلم، لماذا نبقى دائما ساقطين من حساب الكبراء وأسياد هذا العالم، متهمين بالتخلف والإرهاب والتوحش، ونحن نؤدي أكبر ضريبة في هذه الحياة، ونحن ضحايا الانتهاكات الجسيمة في كل المجالات الحقوقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.. وبدل أن نصحح مسارنا، ونجبر الضرر، ونكرس مفهوم المصالحة والإنصاف، والمفهوم الجديد للسلطة، نقف مذهولين اليوم أمام حجم المأساة، وهول الفاجعة، لنجد أنفسنا أمام عقول استئصالية، وقلوب خلى منها الحب، تريد أن تعيد الصفحات إلى الوراء، يتحكم فيها منطق الانتقام، وتصفية الحسابات، لنعيد إنتاج زمن الجمر والرصاص من جديد، في طبعات رديئة، فيتم اعتقال قادة ورموز للعمل الإسلامي والسياسي الوطني، مشهود لهم بوسطيتهم واعتدالهم وانفتاحهم، وكأننا كسياسيين وحقوقيين وضحايا الانتهاكات الجسيمة وكجماهير شعبية كنا كمعتقل ظل عقودا من الزمن يحفر نفقا في زنزانته، ثم اكتشف أن النفق الذي حفره يقوده إلى زنزانة أخرى، إن الانتقال الديمقراطي كان ينبغي أن يؤدي إلى التدبير الديمقراطي الحق، والشراكة والتعاقد السياسيين، والتداول السلمي على السلطة، بدل أن يراوح مكانه لعقد كامل من الزمن، ثم ينتج في النهاية عزوفا ويأسا وشذوذا، وتناميا لظواهر الرشوة والفساد الإداري، وسرقة للمال العام، وارتفاع الأسعار، والعودة إلى اختطاف المتظاهرين والمعارضين، والتنكيل بهم..ونعتقد أن الاعتقالات لقادة سياسيين وإقحامهم في خلية إرهابية واتهامهم بالتخطيط لأعمال تخريبية ستكون له تداعيات خطيرة على العمل السياسي ببلادنا، فمثل الأستاذ محمد المرواني- فك الله أسره- ليس نكرة سياسية، حتى يتم إطلاق رصاص الإعدام السياسي عليه، واتهامه بالإرهاب والضلوع في مؤامرات العنف، ومحاولات هز استقرار وأمن البلد، إنه فاعل سياسي، وصاحب أخلاق حسنة، وذوق رفيع، ورؤية سياسية راشدة، ومواقف نضالية مشهودة، ما برح يدافع عنها، بصوت مرتفع، وبلغة مفهومة، تتوخى الحقيقة والصراحة، وتبتعد عن الإنزياح والمجاز، فلا تترك لأصحاب القراءة الباطنية أية مساحة للتأويل الفاسد، ومنذ أن عرفناه وهو يحمل هم أمته، ويعالجها بقلب ملتهب إيمانا، وعقل ذكي وواع، وسلوك منفتح، بعيدا عن الموافق الحدية، وتجاذبات الثنائيات المتخاصمة، كان يجيد فن تجسير الفجوات، وتحقيق المصالحات بين المفاهيم والمواقف والفرقاء، ولذلك كان يمثل عنصر التوازن والتوافق بين مكونات الساحة الإسلامية والوطنية، ويقاوم كل أشكال القطيعة بينهما، وأسهب في إنتاجاته الأدبية عن الحديث عن كل التداخلات، والقواسم المشتركة التي تشكل المرجعية المنفتحة، والهوية الجامعة، التي من شأنها أن تزيح كل تلك الحدود الوهمية، التي نسجتها عقليات الإقصاء والظلام، للحفاظ على حالة الاحتراب الداخلي، والمعارك المفتعلة، تلك التي لا تبقي ولا تذر، وتجهز على أمالنا وأحلامنا جميعا، في تكريس أقطاب سياسية ديمقراطية، تساهم في تنمية ونهضة وطننا، ولذلك اعتبر أن الحركة الإسلامية هي امتداد وتجديد في آن للحركة الوطنية، وليست امتدادا لأية أشكال هلامية أخرى، وبذلك فهي تمتلك شهادة المنشأ التاريخي المشترك..ولم يكن في وارد حساباته البثة أن ينتج فكرا سياسيا متعاليا أو اقصائيا، أو حركة سياسية شمولية متمركزة حول ذاتها، تفكر بمنطق الاستفراد، أو تريد احتلال القلعة، وإقصاء الخصوم السياسيين، بل كان همه وهم رفاق دربه، هو تحرير القلعة من فكر الشمولية والإقصاء، لنكون جميعا مواطنين وأحزاب ودولة ومؤسسات المجتمع المدني.. شركاء في الوطن، ومتساوون في المواطنة، وأن لا يكون الوطن مرتهنا، ولا تكون المواطنة درجات، ولذلك نسعى من خلال مشوار حافل بالنضال، على أن نكون بلغة المفكر الفلسطيني منير شفيق؛ الحصوة التي تسند الجرة، لقد كنا سندا للساحة الإسلامية والوطنية، لم تكن تستهوينا المغانم التنظيمية الذاتية، كان الأهم عندنا، هو زرع الأفكار المبدعة و تجديد المشاريع المفيدة، وتأصيل مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والدولة المدنية، والمجتمع المدني وتحرير المرأة،..إلخ، وأن نضع الحقائق على الأرض، وليجني غيرنا لا يهم، وكان ذلك بتوجيه وتربية من أخينا وقائد مسيرتنا الأستاذ محمد المرواني- فك الله أسره- ولكننا لا نخفي حقيقة، لقد كنا نتألم عندما كنا نرى أن هذه المفاهيم والمواقف والقضايا التي كنا نثيرها، كان يتم توظيفها من طرف البعض بشكل يغلب عليه طابع التكتيك والمحافظة والجمود والإقصاء، مما كان يساهم في تعطيل وتشوه هذه المفاهيم والقضايا، وهذا ما دفعنا إلى التفكير في إطار سياسي اصطلحنا على تسميته بحزب الأمة كنا نهدف من خلاله إعادة تحرير هذه المفاهيم من كل أشكال الإعاقة والتبني المنقوص وسوء التطبيق، والتأكيد على إيماننا القوي بالعمل من خلال المؤسسات واحترام المساطر والقوانين، والتشبث بالثوابت الوطنية، وأكدنا أن هوية الحزب السياسية هي هوية سياسية مدنية، وطنية مغربية، تجديدية نهضوية، ديمقراطية حقوقية، وتحررية إنسانية، وأن بوصلتنا الإستراتيجية تسير في اتجاه المطالبة بمزيد من الإصلاحات، تحصين المكتسبات، حماية الوحدة الوطنية، والدفاع عن السيادة الوطنية، ولكن حصل ما حصل، ووجهنا بمنطق الإقصاء السياسي، ليتطور الأمر اليوم إلى منطق الإبادة السياسية.إن تهمة الإرهاب والعنف التي تحاول أجهزة الداخلية إلصاقها بأميننا العام، هي جزء من سيناريو سريالي لن تجد من يصدقها، وقد واجهها الرأي العام واستهجنها قبل أن نواجهها نحن، لسبب لأنها ضد منطق الأشياء، بحيث لا يمكن أن نتهم قيادة سياسية معروفة بمواقفها المنددة بالإرهاب، وبسلوكها المتزن، بدون أن ينكشف الزيف والكذب والخداع.إن أمين عام حزب الأمة- فك الله أسره- له رؤية واضحة في هذه الظاهرة الشاذة- ظاهرة الإرهاب- فالإرهاب في تصوره يجيده الأقوياء، الذين يحكمون العالم، ويؤمنون بحق القوة والغطرسة، وليس بقوة الحق والعدالة، ويفتقرون للقيم والأخلاق، وأما الضعفاء فلا يجيدون سوى المقاومة المدنية السلمية، إلا من كان ضعيفا متنطعا وساذجا، ضعيف الفكر والوعي، وفقيرا في المراس والتجربة، فإنه يؤخذ على حين غرة، بعدما يكو ن قد جنى على نفسه وعلى قومه، وفي هذا الصدد كان-حفظه الله- لا يمل من الاستشهاد بقولة ابن خلدون الذهبية في مقدمته، حتى حفظناها عن ظهر قلب، والتي يقول فيها: إن خروج غير القادر يغري بقتله و يوهن من عزائم سائر المنكرين ، وكان يؤكد لنا أثناء لقاءاتنا به، وبلادنا آنذاك تعيش في أسر سنوات الجمر والرصاص، ولنا إخوة كانوا ما يزالون في المعتقل، أن الصبر والمقاومة المدنية، بالعمل بالامتناع أو العمل بالفعل السلمي الاحتجاجي، هو تكليفنا الشرعي، وأنه ينبغي أن نقول الحق، ولا نفعل باطلا، وأما العمل المسلح باصطلاح ذلك العصر، كله شذوذ وعبث، ولا يصلح إلا في حالة واحدة ووحيدة، هي حالة الاحتلال المباشر، أما في معالجة الأوضاع الداخلية؛ أوضاع الاستبداد والاستغلال والقهر، وأوضاع التباري والمنافسة والتدافع مع الخصوم السياسيين، فمعالجتها مختلفة، قوامها وركنها هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر، والنقد والنقد الذاتي، ونهج كل الأساليب الحضارية السلمية في النضال، باعتبار أن حضارية المعركة هي حضارية أساليبها، وقد اعتبر أن الإرهاب مدانا أولا وعاشرا، لأنه مشروع مدمر وأعمي لا بصيرة له، لا يدري من أين يبدأ ولا كيف ينتهي، وكانت له مقاربة في مواجهته، بتبني المقاربة الشمولية، الكفيلة بتجفيف منابعه المتعفنة، وفي هذا الصدد وعلى إثر الحدث الإجرامي الذي وقع بمدينة الدارالبيضاء يوم الأحد 21 صفر 1428 الموافق ل 11 مارس 2007، أصدر حزب الأمة بيانا للرأي العام، تضمن ما يلي الإدانة الشديدة لهذا العمل الإجرامي الذي يعتبر عملا غير مقبول، ولا يمكن السكوت عليه كما لا يجوز تبريره بأي شكل من الأشكال.. التأكيد على ضرورة تنويع الأساليب وطرق معالجة هذه الظاهرة بتبني مقاربة شاملة وعدم الاكتفاء بالمقاربة الأمنية لوحدها.. الرفض لأي استغلال لهذا الحدث سواء فيما يخص المس بالحقوق والحريات أو فيما يخص التوظيف السياسي الضيق.ولا يعقل في زمن المراجعات التي بدأ يقوم بها، حتى بعض أقطاب الفكر الجهادي الذين غاب عنهم العقل والحكمة حينها، وارتبط وجدانهم وعواطفهم بلهيب هذا الفكر وحرائقه، أن يتورط فيه اليوم أعقل العقلاء، فيبدؤون من حيث بدأ أولئك، فيعيدون دورة التاريخ إلى الوراء، ليجنوا ثمرته المرة، حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، أيمكن أن نقتنع ولو افتراضا بهذه المفارقة، أن يجن العقلاء ويعقل المجانين؟.. لو كان الإرهاب فيه ذرة من خير، لكنا مارسناه في سنوات خلت، ظلمنا فيها واعتقل إخواننا، وكانت بعض الدهنيات الاجتماعية والسياسية حتى، آنذاك تسوغه، ويجد سندا إقليميا ودوليا، ولكن أبدا، ما كان يمكن لحركة عشقت المعرفة والعلم والنضال الجماهيري السلمي وارتبطت به، في حلقات الجامعة والإعلام والعمل الثقافي الجمعوي، وانفتحت على الفكر الوطني والإنساني، وعرفت أن العنف والإرهاب هما شر مطلق، إلا أن تكون النقيض الطبيعي للعنف والإرهاب، وتعرف كذلك بأن الدولة القطرية الحديثة، هي جهاز يحتكر وسائل العنف والإكراه، ولا يمكن مقاومة صبغتها الاستبدادية والقمعية، بنفس الوسائل والأداة، لأنها تكون بذلك تخدم معادلتها القمعية، وتلعب في ميدانها الذي تجيد اللعب فيه.. ولا يمكن متابعة الأحزاب السياسية أو الحركات الدعوية بسبب أقوال أو تصريحات أفراد لا علاقة لها بهم، أو كانت هناك علاقة ما ثم انقطعت منذ عقود، أو بسبب اعترافات أقروا بها من أجل خلط الأوراق، بإيحاء من جهات استخبارية محلية أو دولية.. فقليلا من الحياء يا من تحاولون ترويج الرواية الرسمية الأحادية وتغتالون الحقيقة.
لقد عمل الأستاذ محمد المرواني على تأصيل مفاهيم النضال المدني المؤسستي، ومفاهيم الديمقراطية السياسية التي تقوم حسب رؤيته على أساس ثلاثة أعمدة : تعاقد على إطار مرجعي أعلى ( دستور مثلا ) ونفاذ حكم الأغلبية واحترام حقوق الأقليات، وتأصيل مفاهيم العلاقة مع الأخر المخالف في إطار العمل المشترك في المتفق عليه، والحوار في المختلف فيه، ونبذ كل قيم التعصب والتكفير البدعي، أو التخوين السياسي، وأكد أن هذه العلاقة تحكمها ضوابط العلم والعدل والتعارف والمخالطة، وتتنوع باختلاف الأطراف والفرقاء، من تبني أشكال التدافع بالتي هي أحسن، إلى أشكال التحالف والتعاون، إلى أشكال الاندماج والتوحد.. وتم التأكيد في كل وثائقنا الداخلية والخارجية على ضرورة خلق علاقة إيجابية بالمخالف السياسي، على مبادئ احترام مشروعية الاختلاف، اعتماد منهجية التدبير الديمقراطي، ومركزية الحوار.وقد تضمنت أدبياتنا العقدية والمذهبية والمنهجية؛ والتي تضمنتها رسالتنا المعنونة ب رسالة البصيرة الجزء الأول، بيانا لمن يريد أن ينفتح على رؤيتنا، من الدارسين والسياسيين والإعلاميين، ولقد رسخت قناعتنا، وكما كانت راسخة دائما، واستقرت على الجود، بتبنينا للمذهبية السنية المالكية الجامعة، وكان الدليل هو منار السبيل، الذي قاد ويقود تصورنا وسلوكنا، وما كان لقادتنا الذين يؤصلون لمفهوم الدولة المدنية، أن يتنكبوا طريقها، ويبحثوا عنها في أسفار الفقه السياسي للمدرسة الشيعية القائمة على أساس مفهوم الدولة الدينية، من خلال مفاهيم الوصية والإمام المعصوم أو ولاية الفقيه، ويتركوا فقه الشورى والاختيار الذي رسخته الأدبيات الفقهية السنية الراشدة، التي تجعل من قضايا الفقه السياسي قضايا اجتهادية مخولة للنظر العقلي، واعتبار المقاصد والمصالح الشرعية ومراعاة أحكام الضرورة.. وما كان لنا أن نتبنى نظرية التقية السياسية ونحن نؤصل لمبدأ المقاومة المدنية، ونريد أن نؤسس حزبا يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول. إن تأسيس حركة دعوية أو سياسية تريد أن تكون شاهدة على عصرها، تربطها بمجتمعها روابط متينة، وتمثل امتدادا نوعيا لتاريخه الإصلاحي، وتستميت للدفاع عن استقلاليتها، حتى لا تكون رجعا لصدى الآخرين، وأداة لأجندة أجنبية، لا يمكن أن تسمح لمؤسساتها بأن يلجها من ينتحلون مبادئ التقية السياسية والمذهبية الشيعية أو غيرها، لأن هؤلاء لن يكون ولاؤهم إلا منقوصا، ولن يكون أداؤهم إلا مدمرا،.. إن الأستاذ محمد المرواني – حفظه الله من كل مكروه- يقول في كتابه السلطة في الفكر السياسي الاسلامي ص 20 بلسان عربي مبين:إن مذهب النص والتوصية غير معتبر لارتكازه لتأويل نصوص القرآن واعتماده أحاديث الآحاد في موضوع هام كالإمامة أو الخلافة الذي يحتاج للتواتر .. في حين أن مذهب الاختيار والاتفاق يجد مستنده الشرعي في إجماع الصحابة وفي مواقف علي بن أبي طالب من الخلفاء الذين سبقوه رضوان الله عليهم أجمعين.. إذ الأصل عند أهل السنة هو الاتباع ..ولذلك هناك من يصنفهم بأهل النظرية الاتباعية
وهذا لا يعني أننا ننظر إلى الأخر المخالف مذهبيا نظرة اقصائية أوعدمية، فمنهجنا النظري ومقاربتنا السياسية ومسلكيتنا في الممارسة لا تدفع في علاقتنا بالمخالف عموما إلى العداء، ولا تتبني النهج التناحري، ولا تعمل على الارتفاع بالتناقضات الثانوية إلى تناقضات جوهرية.وكما هو الشأن في مقاربتنا في التعاطي مع المخالفين مذهبا الشيعة وغيرهم، نؤكد نفس الحكم مع من نختلف معهم اجتهادا ومنهجا، فكل المقاربات التي تنزع نحو الارتباط المرضي بالماضي، وتجعله مصدرا وحيدا للعلم والمعرفة والتلقي والنظر، فتوسع من دوائر التقليد، وتضيق من مساحات العقل والاجتهاد والعصر، وترتبط بقراءات ظاهرية وسطحية للنصوص الدينية، وتقصي فقه المقاصد والمصالح الشرعية، ولا تنهج النهج الوسطي، وتتبنى كل أشكال الغلو والتطرف في القول والعمل، بتبديع وتكفير المخالف إطلاقا، واعتماد نظرة حدية تقصي الآخر، وتدعي احتكار الحقيقة والصلاح، وتنهج في نظرية عملها أسلوبا عنيفا وإكراهيا، ولا تجد الحكمة الإنسانية لديها أي اعتبار، لا يمكن أن تجد في مساحة عقولنا مكانا، ولا بين جنبات قلوبنا حبا وودا، ولا بين صفوفنا تعاطفا وتعاونا. إن برنامجنا السياسي صريح في لغته، واضح في بيانه، وعلى أساسه نقبل المحاججة والنقد السياسي والصحفي، يؤكد بأن''حزب الأمة حزب سياسي وطني مغربي، يعتمد المرجعية الإسلامية ويلتزم باختيارات الأمة. وهو حزب اجتماعي، نهضوي تجديدي، ديمقراطي، ومنفتح على أسئلة العصر وقضاياه وتحدياته، وبذلك فهو: - بمقتضى وطنيته ومغربيته، يستحضر الخصائص الحضارية والتاريخية والجغرافية والتراثية للمغرب، ويتمسك بكل حبة رمل من ترابه ويرفض التفريط فيها، ويحرص على معالجة إشكالياته المختلفة في إطار الوحدة الحضارية والوطنية، لا يتنكر لتاريخ المغرب المشرق، ويعتبر أن التاريخ يبنى أيضا بالتراكم. والحزب، بهذا المقتضى، يسعى ليكون امتدادا للجوانب المشرقة والإيجابية في هذا التاريخووثائقنا السياسية توضح الحاجات السياسية،التي تعاقدنا للنهوض بها في هذا الوطن، الذي ينبغي أن يسعنا جميعا، وتتمثل فيما هو معلن في:حاجات التأطير السياسي ..حاجات التجديد السياسي.. حاجات إعادة الاعتبار للوظيفة الاقتراحية للحزب.. حاجات المصداقية السياسية المتمثلة في تطابق الأقوال والأفعال ونبذ المنطق الذرائعي .. حاجات بناء علاقة تواصلية وتعاقدية ونقدية بين الحزب وأعضائه من جهة، وبين الحزب وعموم المواطنين.. حاجات الحرص على الوحدة الوطنية والبحث في الأرضيات المشتركة والعمل على احتواء مختلف الاختراقات.. وحاجات مناهضة الهيمنة السياسية والاقتصادية العالمية ومحاولات استهداف الهوية الحضارية والسيادة الوطنية ووحدة الأمة.ولم ينسينا حديث الحاجات والمقاصد، أن نبين ونوضح وسائلنا في العمل باعتمادالواقعية أي فهم واعتبار الواقع كما هو..المبدئية أي صون المبادئ..المرونة أي المواءمة بين مقتضيات الواقع ومقتضيات المبادئ..ترسيخ ثقافة الأمل في الإصلاح والإيجابية في السلوك وتثمين كل جهد إصلاحي مهما كان بسيطا لاتحقرن من المعروف شيئا والابتعاد عن خطاب التيئيس وشعارنا : أن نشعل شمعة خير من أن نستمر في لعن الظلام..رفض التبسيطية والعدمية ومنطق الثنائيات المتخاصمة في النظر السياسي لأنها اختصار لتعقيدات الواقع واختزال لتناقضاته..اعتماد المقاربة التركيبية في تحديد السياسات والابتعاد عن المزايدة السياسية..اعتماد المنهجية التوافقية أو المنهجية الديمقراطية بحسب طبيعة القضايا المطروحة.. الاشتغال من خلال الشرعية الدستورية والقانونية..التأكيد على الإصلاح بأيدي مغربية ووطنية على اعتبار أن الإصلاح لا يمكن أن يكون وصفة خارجية جاهزة..ربط الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بالإصلاح الدستوري والسياسي وبالتجديد الديني..التأكيد على البعد الثقافي باعتبار الثقافة بنية أساسية في البنيات التحتية للتغيير والإصلاح..التأكيد على البعد الاجتماعي في أهداف الحزب ووسائل عمله وإتباع سياسة القرب وحسن الإصغاء وتحسس آمال وآلام الشعب وترجمتها إلى سياسات وبرامج عملية في توجه الحزب، أي تجسيد مفهوم حزب المجتمع ومبدأ حزب من الناس وإليهم يحمل همومهم وآلامهم ويعمل في حدود الممكن والمستطاع على حلها فضلا عن طرحها ويقدم كشف حساب دوري عن إنجازاته وإخفاقاته في ذلك..الوضوح الفكري والسياسي والاستراتيجي ونبذ الازدواجية في الخطاب والسلوك ووحدة القرار الحزبي أي حزب يقول ما يفعل ويفعل ما يقول..الاستقلالية بما هي رفض لأن يكون الحزب جزءا في مشروع الآخرين سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.. التواصل والحوار مع الغير ونهج سياسة النوافذ المفتوحة.. التعاون على الخير ( وتعاونوا على البر والتقوى ) المائدة / 3.. تبني إستراتيجية التدافع المدني السلمي ونبذ العنف..المرحلية والتدرج وتحقيق التراكم في الإنجاز.. الإيجابية أي أن الحزب لا يجد نفسه في الأطروحات العدمية، ويرى أن بلادنا بحاجة إلى خطاب سياسي جديد يعيد قراءة الواقع تثمينا لإيجابياته ودفعا لسلبياته، خطاب يقوم على بعث الأمل في الإصلاح والتغيير بدل نشر ثقافة اليأس والإحباط..الانفتاح على قضايا العصر وأسئلته وتياراته الفكرية والسياسية..الانفتاح على جميع الفاعلين في العملية السياسية بهدف دعم مشروع الإصلاح الديمقراطي..تبني التصورات التنموية لمختلف الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين التي نتفق معها والتي تخدم المصالح الحيوية لشعبنا وبلادنا بعيدا عن أي توظيف سياسي ضيق..عدم استعداء المخالف والتركيز على ما يوحد لا على ما يفرق ومواصلة الحوار في المختلف فيه.. التنافس البرنامجي ونبذ التنابز والعنف اللفظي..السعي إلى توحيد الجهود لما فيه المصلحة والخير والفلاح لشعبنا وبلادنا وأمتنا والتحالف مع القوى السياسية لتحقيق أهداف مشتركة ( تضامنية، حقوقية، سياسية..........)..الاتحاد مع القوى السياسية على قاعدة ضابطين : - ضابط مبدئي يتمثل في احترام مكونات الهوية الحضارية المغربية، التزام الخيار الديمقراطي، التمسك بالوحدة الوطنية والذوذ عنها، رفض التطبيع مع الصهيونية والعنصرية.- وضابط برنامجي أي الاتفاق على برنامج سياسي مشترك ( مرحلي أو استراتيجي ).المساهمة في الدبلوماسية الشعبية دفاعا عن المصالح الحيوية لبلادنا وأمتنا.فهل يوجد في قولنا وبياننا وأعمالنا ما يجعلنا نعيش الإقصاء السياسي من قبل، ونعيش المحرقة السياسية من بعد باعتقال أميننا العام، والذرائع في كل مرة يتم فبركتها، وحتى وهي واهية ويتشكك فيها كل الشرفاء في هذا الوطن، فالسلطة الوصية تتشبث بها، ومهما يكن ستبقى مفاهيمنا وأدبياتنا المذكورة أعلاه حاضرة في قلوبنا وعقولنا، نحميها بسواعدنا، وسنبقى النقيض الطبيعي والموضوعي للعنف والإرهاب، سواء كان عنفا من الدولة أو من بعض المجموعات المتطرفة، وحتى لو تبنى الجميع خيارات العنف، سنبقى نحن مرابطون في ميادين النضال المدني السلمي والحضاري، لأننا أصحاب مشروع لا يلتقي في جزئية من جزئياته بمشروع الإرهاب.. فسمونا ما شئتم، فالثريا تبقى ثريا، تحيى في النور ، وسيبقى نور الثريا منيرا يضيء طريقنا.