الأحد، 5 يونيو 2011

شيزوفرينيا صحفية؟ (२)


حينما تم اعتقال أفراد ماسمي بخلية بليرج، أحدث الاعتقال ضجة كبيرة داخل البلد وخارجه، نظرا لاشتهار المعتقلين، خاصة السياسيين الستة، بمواقفهم ضد الإرهاب، وسمعتهم الحسنة في الأوساط السياسية، علمانية كانت أم إسلامية. لذلك اهتمت المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية بهذه القضية، وتابعت أطوار المحاكمة الغريبة لأعضائها. بل إن جريدة "الصباح" المغربية ذكرت على صفحتها الأولى آنذاك أن "بلجيكا تصف المعلومات المغربية في ملف بليرج بالرديئة" (1)، وأن نوابا بلجيكيين من لجنة العدل بالبرلمان البلجيكي "يتهمون الأجهزة الأمنية المغربية بالكذب" (2).
ومن ضمن المنظمات الحقوقية التي اهتمت بهذه القضية "اللجنة العربية لحقوق الإنسان" –ومقرها باريس- والتي أصدر رئيسها السيد هيثم مناع، المراقب الدولي في قضية بليرج، تقريرا كان مما جاء فيه(3):
-"للأسف، قام عدد من الصحفيين بالترويج لمؤامرة كبيرة على المملكة المغربية. وساهم عزل المسئول الرئيسي في القضية عبد القادر بلعيرج في زيادة الشائعات والقيل والقال. فاتهم البعض إيران بمحاولة زعزعة الأوضاع في المغرب. وبعضهم تحدث عن دور لحزب الله. بل ولم يمتنع البعض عن ذكر دور لمنظمة القاعدة. لقد سمح بعض الإعلاميين لانفسهم بكل الفنطازيات الممكنة: بحيث اكتشف خيطا سريا يمتد من جماعة "أبو نضال"، إلى الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، ثم حركة التشيع عبر قناة المنار. أخيرا وليس آخرا، لم تنشر الصحف التي روجت لكل ذلك لمن طالب بحق الرد الدفاع عن نفسه. بل وتم استغلال الفراغات القانونية في الصحف الصادرة على الشبكة العنكبوتية للترويج لاتهامات كبيرة للسياسيين المعتقلين في هذه القضية".
-"كانت الشهادات من حولنا، بما فيها أقوال مسئولين حكوميين، تتلخص بالحديث عن أشخاص يتمتعون بسمعة عالية وأخلاق حميدة ونشاط مدني وسياسي وثقافي متميز".
-"وجهت انتقادات لظروف التوقيف والاعتقال وأخذ التصريحات تحت الإكراه، كما هو حال أكثر من معتقل تعرض للقمع والقهر والمعاملة غير الإنسانية أو اللائقة. خاصة وأن اعتقال البعض كان لتقاطع طارئ مع المتهم الرئيسي (مثل الذي جلب دواء للسيد بلعيرج فدعاه للغداء ولم يره بعدها)".
-"من المؤسف أن النقاش المعمق في مفهوم الطابع الشخصي والفردي للاعتقال الإداري، والاحتفاظ بالمتهمين في السجن، وعلاقته بخصوصية خطورة الشخص، وغياب خطورة الفعل، كان يتطلب من وكيل الحق العام ردا قانونيا وجيها عن أسباب الاحتفاظ بكل معتقل. إلا أن رده كان خارج المنطق القانوني، وضمن منطق التعليمات المسبقة. كذلك رفض طلب رفع العقوبات المالية عن أقارب معتقلين، وترك مسألة وضع السجناء للمؤسسة العقابية"....
التقرير الذي جاء فيه مثل هذا الكلام لم يعجب من انساق وراء الرواية الرسمية ودافع عنها، ومنهم صحفي من جريدة "الصباح" رمز لاسمه بحرفي الخاء والعين (4). هذا الصحفي كتب مقالا ينتقد فيه السيد هيثم مناع عنوانه: " مراقب دولي في ملف بليرج يلقن دروسا للصحافة والقضاء" (5). ومن خلال المقال يظهر غضب الصحفي مما جاء في التقرير.
لندعه غاضبا إلى مقال آخر، ولنأت إلى ماكتبه الشخص الذي تناولنا، في الحلقة السابقة، محاولته إثبات الرواية الرسمية المدينة لأفراد خلية بليرج المزعومة.
بعد مدة من مقاله الأول، كتب آخر جعل كلمة "مؤامرة" عنوانا له. وهو مقال يسير في نفس الخط الذي سار فيه مقال (خ.ع) المذكور أعلاه، مع صراحة أكثر وطعن أشد.
يبدأ الصحفي مقاله هكذا:
"يمعن بعض الأجانب، المتسترين خلف يافطة الجمعيات الحقوقية، في تصيد بعض الهفوات لتوجيه ضربات تحت الحزام، والإجهاز على كل المكتسبات التي حققتها بلادنا، على قلتها، والنيل من المؤسسات دون أن يرف لهم جفن الاعتراف ببعض الإنجازات، أو على الأقل اتخاذ موقف محايد، سيما في بعض القضايا الحساسة مثل ملفات الإرهاب" (6).
منذ البداية يحدد الصحفي موقفه من خلال كلماته المنتقاة بعناية :
فأولا، يستعمل الصحفي صيغة الفعل المضارع في موضع مر وانقضى، ولهذا دلالة كما سيأتي.
وثانيا، يرى أن هناك "تصيدا" من بعض الحقوقيين الأجانب للهفوات، أي أن قصد أولئك الحقوقيين هو الهفوة لاغيرها، وما يتبع ذلك من إغماض للعين عن غيرها. والغير هنا هو " المكتسبات التي حققتها بلادنا، على قلتها" و"المؤسسات" و" بعض الإنجازات".
هناك إذن، لدى الحقوقيين الأجانب، "تعمد" غير بريء، حسب مفهوم كلام الصحفي.
غير أن أولئك الحقوقيين لايعمدون إلى "تصيد" الهفوة فقط، بل "يمعنون"، حسب الصحفي، في ذلك "التصيد"، ويجدّون فيه ويستفرغون وسعهم وجهدهم -حسب تعبير الأصوليين- في طلب الهفوات، حتى يرووا فضولهم غير البريء منها!!(7).
لكن هل هؤلاء الأجانب حقوقيون حقا وصدقا؟
يرى الصحفي أنهم فقط "متسترون خلف يافطة الجمعيات الحقوقية "، وماداموا "متسترين" فهم يضمرون أهدافا أخرى غير الدفاع عن حقوق الإنسان، لعل من بينها، حسب الصحفي، إغماض العين عن المكتسبات والإنجازات التي ذكرها.
وهل كل الأجانب الذين يشتغلون على ملفات حقوق الإنسان " متسترون خلف يافطة الجمعيات الحقوقية"؟ يجيب أنهم " بعض الأجانب". أما البعض الآخر، حسبما يفهم من كلامه، فهم حقوقيون حقيقيون!
و"للمتسترين" صفات وأفعال، كما للحقيقيين أيضا صفاتهم وأفعالهم.
بمنطوق الكلام، "المتسترون" "يجهزون" على كل المكتسبات التي حققتها بلادنا، و"الإجهاز" قتل، والقتل جريمة. والحقيقيون، بمفهوم الكلام، يشيدون بتلك المكتسبات.
و"المتسترون" أيضا ينالون –بمنطوق الكلام أيضا- من المؤسسات، أي "قضاء البلاد وصحافته" والوزراء ووزارة العدل كما ذكر في مقاله. و"النيل" هنا هو "الإجهاز" مرة أخرى، أو هو، حسب تعبيره في مكان آخر، "توجيه معاول الهدم" إلى تلك المؤسسات. والحقيقيون، بالمفهوم، هم الذين يشيدون بتلك المؤسسات: يذكرون أن في البلد قضاء عادلا ومستقلا دونه عدل الفاروق، وصحافة جادة ومستقلة لاتحلم صحافة أي دولة في إدراك جديتها واستقلالها، ووزراء أو حكومة تسوس البلد بالفعل بقوة وأمانة!!
و"المتسترون" كذلك غير محايدين في مواقفهم من قضايا حساسة مثل ملفات الإرهاب، ولعله هنا مربط فرس صاحب المقال، والحقيقيون محايدون في تلك الملفات.
وإذا علمنا أن السيد هيثم مناع –وهو "متستر" حسبما يفهم من المقال- شكك في الرواية الرسمية المتعلقة بأفراد خلية بليرج المزعومة، فإن الحقوقيين الحقيقيين ينبغي، كي يكونوا كذلك فعلا، أن يتبنوا تلك الرواية!
هجوم كاسح للصحفي منذ البداية، و"خير الدفاع الهجوم" كما يقال!
فإذا كان هذا هو مدخل المقال، فماذا سيأتي بعده؟
يتابع الصحفي كلامه فيقول: "ينساق بعض المغاربة وراء أطروحات الجمعيات الدولية، ولاتهمهم صورة المغرب في الخارج..." (8).
لنذكر مرة أخرى استعمال الفعل المضارع "ينساق"، مع أن "الانسياق" المزعوم حدث في ماضي الزمن الذي كُتِب فيه المقال. فبعض المغاربة، في نظر الصحفي، "تسوقهم" الجمعيات الحقوقية الدولية "فينساقون وراء" أطروحاتها، وليس في "الانسياق" تفكير. فهي القائدة وهم مجرد تابع ذليل!
وإذا علمنا أن الفعل المضارع يدل على الحال والتجدد والإستقبال، فمعنى ذلك أن هؤلاء "المنساقين" سيستمر "انسياقهم"، بل سيصبح "الانسياق" حالة لهم لاينفكون عنها!
وليت الذين "ينساقون" يفعلون ذلك بمراعاة مصالح البلد! إنهم –حسب الصحفي- "ينساقون" دون مبالاة بـِ" صورة المغرب في الخارج..."! بمعنى آخر هم يساهمون في "تشويه" تلك الصورة وتلطيخ سمعة البلد! وكأن تلك الجمعيات الحقوقية منظمات سذّج ٍ يجهلون ما يجري في المغرب ويسهل خداعهم!
إننا نضع الأصبع هنا –مرة أخرى- على ثابت من ثوابت الذهنية السلطوية المذكورة أعلاه، وبعض الذهنيات الصحفية لها تبع، وهي ثابت: "إذا كنت مظلوما ورفعت صوتك بظلامتك، فأنت تشوه صورة المغرب في الخارج"! وفي هذا إيحاء بأن الظالم يزين صورة بلده في الخارج!! وبذلك تسقط كل إنجازات الأديان وما أنتجه الفكر الإنساني في مواجهة الظلم والظلمة. ولن يفلح قوم رأوا أن "الظلم مرتعه وخيم"، بل الفلاح كله لمن رأى أن "الظلم مرتعه هنيء مريء"!!
إن الله سبحانه وتعالى يقول: (لايحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم) (النساء:). ولقد رأى الإمام البغوي رحمه الله في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لايحب " أن يعلن أحد بالسوء كائنا من القول (إلا من ظلم)، أي إلا جهر من ظلِم فإنه غير مسخوط عنده تعالى، وذلك بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء" (9).
وإن الامتناع عن أداء حقوق الناس، ولو كان الحق دينا بسيطا يستطيع المدين أداءه، يحل للدائن رفع صوته بالمطالبة بحقه. أخرج أبوداود عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته" (10).
هذا في دين بسيط، فما بالنا بالحق في الحرية، وفي الحياة، وفي العيش الكريم...؟
إن ذكرنا للآية والحديث هنا راجع إلى سبب بسيط هو أن هذا الصحفي أورد، في مقاله الأول "المصداقية"، شطرا من حديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" (11)، ونعى على الأحزاب اليسارية أنها تفهم هذا الحديث بطريقة "سطحية وقاصرة". وإني لأعتقد أن إيراد الحديث من أمثال هذا الرجل لايعني أنه يحترمه، وإلا فإن احترام الحديث هو العمل بمضمونه، من نصرة للمظلوم واحتجاج ضد الظالم، لاالدفاع عن رواية تكذب على معتقلين مظلومين!! إذ لو كان مثل هذا الصحفي مقتنعا بآية أو حديث لما كتب ما كتب.
ويستمر الرجل في "غيه" الصحفي، فيورد مثالا لعله المقصود من كل جعجعته التي لم نر لها طحينا، هو مثال "قضية بليرج". يقول: "آخر النماذج على هذا التحامل المجاني للأجانب قضية بليرج، إذ اصطف بعض الحقوقيين المغاربة للدفاع عن المعتقلين، سيما قادة أحزاب البديل الحضاري والحركة من أجل الأمة. وهذا من حقهم ويندرج في إطار الدفاع الطبيعي عن متهم مازال بريئا إلا أن تثبت إدانته..."(12).
في مقاله الأول "المصداقية" يستكثر ويرفض هذا الصحفي وقوف الأحزاب اليسارية إلى جانب معتقلين مظلومين، ويعتبر ذلك الموقف "صبا للزيت على النار"! لكنه هنا يرى أن ذلك الموقف " من حقهم ويندرج في إطار الدفاع الطبيعي عن متهم مازال بريئا...".
ذر للرماد في العيون! وكلام صيغ في ظلام التحريض والوشاية المجانية سرعان ما أتى عليه نور الحق في "الدفاع الطبيعي"! كأن الرجل لاإيمان له بالبراءة الأصلية للمتهم إلا إيمان اللحظة، وبعد ذلك ليكن موقف آخر نقيض وبهتان آخر جديد!
وتأخذ الرجل "الحمية" على قضاء البلاد وصحافته والوزراء...فيقول: "إن التقرير الأخير لهيثم مناع لم يقف عند حدود المحاكمة، وأصر على توجيه معاول الهدم إلى قضاء البلاد وصحافته، كما صفى حساباته مع الوزراء وانتقص من قيمة وزارة العدل، واكتشفنا أن ملف بليرج لم يكن إلا واجهة اختفى خلفها مناع ومنظماته الدولية لتصفية حسابات مع المغرب بطريقة غير مفهومة" (13).
هناك إذن، لدى هيثم مناع، إصرار لكن على الهدم. ولئن كان من حسنة لهذا الهدم –في نظر الصحفي- فهي أنه ساعده على "اكتشاف" "خطير"، هو أن " ملف بليرج لم يكن إلا واجهة"!
لم يكتشف الرجل، من خلال ملف بليرج وتداعياته، أن هناك محاولات للعودة بالمغرب إلى سنوات الظلم والظلام المعروفة بسنوات الرصاص، محاولات اجترحها "مهندسو إعاقة الديمقراطية"، كما سماهم أستاذنا محمد المرواني!
ولم يكتشف، من خلال الملف وما أحاط به من أحداث، فداحة الظلم الذي مس مواطنين مغاربة!
ولم يكتشف الضريبة الفادحة التي ينوء بثقلها كلكل البلد تخلفا جراء التبعية العمياء "للمخططات البوشية" –و"الأوبامية" كذلك- المسماة كذبا "بالحرب على الإرهاب"!!...
وإنما "اكتشف" أن " ملف بليرج لم يكن إلا واجهة لتصفية حسابات مع المغرب..."!! ولم يعن له أن يتساءل عمن تسبب في "صنع" هذا الملف ليتخذه مناع ومنظماته الدولية –حسب الصحفي- واجهة لتصفية حساباته مع المغرب!
فياله من "اكتشاف" يكتب لهذا الصحفي بمداد الفخر والاعتزاز!
هكذا إذن هم بعض صحافيينا: يشتمون "المجرم"، ويمدحون من دفعه إلى "الإجرام"! لا، بل ينعتون صنيع الدافع بالسياسة الرشيدة والعمل الحكيم! وانظروا إن شئتم إلى من فشل في حل مشكل انفصالية تعاطف معها من تعاطف من الأجانب بسبب ذلك الفشل، ثم مر الفاشل دون محاسبة، بل كوفيء رأسا لمجلس أو هيأة! في حين أُشبِعت الانفصالية شتما وذما!
ويسوق الصحفي روايته لحضور المراقب القضائي هيثم مناع إلى المغرب فيقول: "كانت البداية حين حل بين ظهرانينا شخص يدعي أنه مراقب قضائي، وأنه عضو اللجنة العربية لحقوق الإنسان والمرصد الفرنسي لحقوق الإنسان، وأصدر تقريرا قبل انتهاء محاكمة بليرج كاشفا عن تحيز واضح. فكل كلمات التقرير توحي أن هناك حكما مسبقا على الصحافة ووزارة العدل والقضاء، غير أن المثير أن البلد الذي يتهمه هذا المراقب بكل هذه الصفات فتح له ذراعيه، حيث عقد عدة لقاءات مع المحامين المكلفين بالملف، واجتمع بقيادات حزبية وأقارب المعتقلين وتنسيقية الدفاع عنهم. كما اجتمع مع رئيس المحكمة والنيابة العامة الذين رحبوا بوجوده. وماذا كانت النتيجة؟" (14).
إن الشخص الذي حل بالمغرب –حسب الصحفي- " يدعي أنه مراقب قضائي، وأنه عضو اللجنة العربية لحقوق الإنسان والمرصد الفرنسي لحقوق الإنسان"! وللقاريء أن يفهم ما وراء كلمة "يدعي" هذه: دعي؟ كذاب؟ منتحل صفة؟...أو ما شابه!
فلئن كان هناك فعلا "ادعاء" من هيثم مناع بالعضوية في اللجنة العربية لحقوق الإنسان والمرصد الفرنسي لحقوق الإنسان، فأين هو دور مصالحنا الخارجية في فضح هذا الادعاء؟ وأين هو "الدور الحيوي للأجهزة الأمنية" كما ذكر مرة أحد وقحاء الاستئصال؟ (15).
هذا "الكذاب" و"المنتحل"...أصدر تقريرا فيه "تحيز واضح" للمعتقلين في قضية بليرج!
وبلدنا –والمقصود حكومتنا- فتح لهيثم مناع ذراعيه. كيف؟
يقول الصحفي: " عقد عدة لقاءات مع المحامين المكلفين بالملف، واجتمع بقيادات حزبية وأقارب المعتقلين وتنسيقية الدفاع عنهم. كما اجتمع مع رئيس المحكمة والنيابة العامة الذين رحبوا بوجوده. وماذا كانت النتيجة؟"
إزاء هذا الكلام، يمكن طرح السؤالين التاليين:
-مالذي كان على المسؤولين أن يفعلوه إن لم يفتح البلد ذراعيه لناشط حقوقي وليس "دعيا" كما ادعى الصحفي؟ هل كان المنتظر طرده وإبعاده؟
-وما الذي ينتظر من ناشط حقوقي: ذكر الحقيقة حول التعسف والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، أم شهادة الزور لقاء فتح الذراعين؟
إن هناك من يعتبر دعم إجراءات التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان "منة" من المسؤولين على الناشطين الحقوقيين. هذه "المنة" ينبغي، في نظر صاحب هذه الفكرة، أن يقابلها إغماض العين من طرف الحقوقيين على تلك الانتهاكات! ولعل هذا ثابت آخر من ثوابت الذهنية السلطوية وما يتبعها من ذهنيات في التعامل مع الحقوق الشرعية لأي إنسان!
لأجل ذلك لايروق لأصحاب هذه الذهنية أن يُصدِر أحد الناشطين الحقوقيين تقريرا يفضح الانتهاكات. ولأجل ذلك أيضا صرخ الصحفي قائلا: "ماذا كانت النتيجة؟ أياما قليلة بعد انتهاء الجلسة الأولى لمحاكمة بليرج أصدر المدعو (كذا)هيثم تقريرا متحاملا على مؤسسات البلاد..."(16). ثم وجه كلامه للحقوقيين المغاربة فقال: "كلمة أخيرة فقط إلى بعض الحقوقيين المغاربة: ما أنبل الحكمة التي تقول: ما حك جلدك مثل ظفرك" (17). لكن "خلفية" المقال هي الأخذ ُ بالرواية الرسمية وإدانة أفراد ما سمي بخلية بليرج، بالإضافة إلى ثوابت الذهنية السلطوية المبثوثة فيه. وبمعنى آخر: كان الأجدر بالمقال أن يختمه صاحبه بعبارة: " ما حك جلدك مثل ظفر أصحاب الرواية الرسمية"!
(يتبع)
___________
1-مقال بنفس العنوان للصحفية الفاضلة نادية البوكيلي، جريدة "الصباح"، عدد 2641، الإثنين َ 6 أكتوبر 2008.
2-نفسه.
3-هذا الكلام من "مراقبة قضائية أمام المحكمة الابتدائية في سلا (المغرب)، تقرير عن الجلسة الأولى للمحكمة 16/10/2008"، إنجاز الدكتور هيثم مناع، منشور على موقع : "صدى الدفاع عن الحقوق والحريات"، على الرابط: http://www.sadasolidarity.net/sada/reportes/maroc.htm
4-هل هو خالد العطاوي؟ قد يكون، خاصة وأنه كتب هو الآخر ضد أفراد الخلية المزعومة كما سيأتي.
5-جريدة "الصباح" عدد 2660، الثلاثاء 28 أكتوبر 2008.
6-خالد الحري، مقال "مؤامرة"، جريدة "الصباح"، عدد 2665، الإثنين 3 نونبر 2008.
7-جاء في "لسان العرب"، مادة "معن": (أمعنَتِ الأرض ومُعِنَتْ إذا رَوِيَتْ).
8-مقال الحري المذكور.
9-البغوي رحمه الله، روح المعاني، ص3/177.
10-أخرجه في الأقضية، باب في الحبس في الدين وغيره ، حديث 3628.
11-هذه العبارة جاهلية جرت على أخلاق الحمية الجاهلية، وأول من قالها جندب بن العنبر بن عمرو التميمي، لما أسرته امرأة من تميم، فمر به وهو مقيد سعد بن زيد مناة –وكان جندب قد عيره بالجبن- فاستغاثه، لكن سعدا قال له:"إن الجبان لايغيث". فقال له جندب:
ياأيها المرء الكريم المشكوم انصر أخاك ظالما أو مظلوم
وذلك في قصة ذكرها الميداني في "مجمع الأمثال والحكم" (تحت رقم 4202).
أما تتمة الحديث ففيها تصحيح رسول الله صلى الله عليه وسلم للعبارة الجاهلية، وهو الحديث الذي أخرجه البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انصر أخاك ظالما أو مظلوما". فقال رجل: يارسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم،فإن ذلك نصره" (كتاب الإكراه، باب بدون ترجمة، حديث 6952). ولاأدري وجه اقتصار الصحفي على العبارة الجاهلية فقط!
12و13و14- مقال "مؤامرة" المذكور.
15-انظر مقالنا حول ذلك الاستئصالي الوقح، المعنون بـِ "الحرباء" في مدونة "الالتزام".
16و17-مقال "مؤامرة" للصحفي المذكور.

الخميس، 19 مايو 2011

R A S M A L A T..سميح شقير .. يا حيف ..الى درعا

"شيزوفرينيا" صحفية؟(الحلقة 1)


يقول : الشيخ عبد الرازق بن إبراهيم بن حسن البيطار الدمشقي الميداني في كتابه " حلية البشر " عن الطاغية إبراهيم باشا بن محمد علي أنه :"غشوم ظالم، وظلوم غاشم، خليفة الحجاج في أفعاله، وناهج منهجه في أقواله وأحواله، محتو على الفساد، منطو على الإنكاد، مجبول على الغلظة والقساوة، مجعول من الفظاظة معدوم من اللطافة والطلاوة، ممتلىء منه البذا، متضلع من الأذى، لم يخلق الله تعالى في قلبه شيئاً من الرحمة فينتزع، ولم يودع الله لسانه لفظاً من الخير فيستمع، سفاك لدماء المسلمين، نباذ لطاعة أمير المؤمنين" (1) .
هذا الطاغية دخل مرة المسجد الأموي، وكان أحد علماء الشام، الشيخ سعيد الحلبي، يلقي درسا فيه، وقد مد رجليه . ومر الطاغية من جانب الشيخ ، لكن الشيخ لم يبدل جلسته، وظل مادا رجليه. غضب إبراهيم باشا وخرج من المسجد ، وقد أضمر في نفسه شراً به . وصادف ذلك حقدا على الشيخ الحلبي في نفوس مجموعة من المنافقين الذين أخذوا يحرضون الطاغية على الفتك به، فأمر بإحضاره مكبلا في السلاسل . لكن الطاغية سرعان ما غير رأيه، فهو غير مستعد لأية مشاكل قد تجلبها له الإساءة للشيخ. وفكر في طريقة أخرى يسقط بها هيبة عالم الشام لدى المسلمين ويكسب بها ولاءه في نفس الوقت، فأرسل إليه مع وزيره مبلغا كبيرا من المال، على أن يسلمه له الوزير على مرأى ومسمع من تلامذته ومريديه .
نفذ الوزير الأمر، وفي المسجد قال للشيخ بصوت مسموع : "هذه ألف ليرة ذهبية بعثها إليك مولانا الباشا لتستعين بها على أمرك".
لم يكن رد الشيخ متوقعا بالطريقة التي تم بها، إذ قال للوزير بصوت هاديء: "يا بني، قل لسيدك: إن الذي يمد رجله، لا يمد يده".
تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ مجموعة من المقالات "التحريضية" التي كتبها بعض "وشاة الصحافة الجدد" ضد الإسلاميين عامة، وأفراد ماسمي بخلية بليرج خاصة. فالإسلاميون في العالم الإسلامي كسبوا –في مناطق كثيرة- تعاطفا جماهيريا واضحا، لكن بعض العلمانيين –وخاصة الاستئصاليين منهم- أخذوا يحرضون السلطة على الفتك بهم، وبوسائل منها الجانب الإعلامي.
إن هؤلاء "الوشاة الجدد" المندسين في الصحافة لايعدون أولئك المحرضين على عالم الشام، متناسين أن الإسلاميين الذين "مدوا أرجلهم" في مختلف ساحات النضال الشريف، "لا يمدون أيديهم" للشعب بما يتهمهم به زورا مرتزقة الصحافة، سواء تضمن "صك الاتهام" تهمة إرهاب أوغيرها...
إن المثال الآتي يوضح ماسبق.
اعتقل ستة سياسيين –في إطار ماسمي بـِ " خلية بليرج"- لهم مواقف معروفة ضد الإرهاب. ولقد أدانت فعاليات سياسية وحقوقية هذا الاعتقال، ورفضت التسليم بالرواية الرسمية المتعلقة بالخلية المزعومة، بل شككت فيها على الرغم من التحذير الرسمي من أي تشكيك يمسها.
يذكر نموذجنا الصحفي هذا الأمر فيقول:"سارع حلفاء حزب البديل الحضاري وحزب الأمة إلى إعلان براءة قادة الحزبين من تهمة الإرهاب" (2).
كان من الممكن لهذا الصحفي أن يصيغ عبارته هكذا: "أعلن حلفاء حزب البديل الحضاري وحزب الأمة براءة قادة الحزبين من تهمة الإرهاب". لكنه فضل تصديره بكلمة "سارع" التي تعني "بادر"، سواء كانت المبادرة إلى الخير أو إلى الشر. في "لسان العرب": "تسرع بالأمر: بادر به. والمتسرع: المبادر إلى الشر، وتسرع إلى الشر. والمسرع: السريع إلى خير أو شر. وسارع على الأمر: كأسرع، وسارع إلى كذا وتسرع إليه بمعنى" (3).
غير أن استعمال الرجل للكلمة هو بالمعنى السلبي الذي يعادل التسرع في الحكم دون روية ولا تفكير، بدليل مايأتي بعد في كلامه.
فلم يكن إذن لحلفاء الحزبين أن يعلنوا براءة قادتهما مما اتهموا به. بمعنى آخر: كان على أولئك الحلفاء أن يعلنوا إدانتهم للقادة، أو على الأقل السكوت. وإذا علمنا أن هناك رواية رسمية تدين القادة المذكورين، فإن المطلوب من الحلفاء يصبح عدم التشكيك في تلك الرواية، وهو مطلب الوزير الفاشل (4)، وزير الداخلية السابق، ومطلب وزير الإعلام والناطق الرسمي للحكومة.
إذن منذ بداية المقال يوحي صاحبه بإدانة قادة الحزبين، ومعهم بقية أفراد الخلية المزعومة.
ويتابع صاحب المقال كلامه قائلا:
"كثفت آلة الأحزاب الحليفة إنتاج خطاب تشكيكي في التهم الموجهة إلى الموقوفين، في الوقت الذي اقتصرت فيه السلطات على بث أخبار الاعتقالات عبر قصاصات وكالة المغرب العربي للأنباء، دون كشف حيثيات التنظيم الإرهابي، حفاظا على سرية التحقيق" (5).
لنلاحظ أولا إسناد كلمة "آلة" للأحزاب الحليفة :
ماهي هذه "الآلة"؟
المقصود إعلام تلك الأحزاب، بدليل أنه يعطي تلك "الآلة" دور إنتاج " خطاب تشكيكي في التهم الموجهة إلى الموقوفين". غير أن صاحب المقال قد يكون استعمل هذه الكلمة لغرض قد تفصح عنه كلمات وعبارات أخرى استعملها في مقاله، مثل "التنظيم الإرهابي" و"العتاد الحربي" كما سيأتي.
وإذا كان الوزير الفاشل والناطق الرسمي قد حذرا من التشكيك في الرواية الرسمية، فإن الرجل –بمنطق "الوشاة الجدد"- يذكر أن خطاب حلفاء الحزبين "خطاب تشكيكي"، في الوقت الذي يعتبر فيه خلية بليرج المزعومة هي من نوع "التنظيم الإرهابي"!
لقد أصدر الرجل الحكم: "التنظيم إرهابي"! ثم أدى "الوشاية" فقال: "يشككون في الرواية الرسمية"!
وعلى الرغم من أن خطاب الحلفاء "تشكيكي"، وأن "التنظيم إرهابي"، فإن السلطات "اقتصرت" على بث أخبار الاعتقالات لاغير !
فهل بالفعل، إلى حدود يوم صدور المقال، وهو يوم 21 فبراير، "اقتصرت" السلطات على بث أخبار الاعتقالات فقط؟
لنعد إلى شريط الأحداث كما نشرته الجرائد الوطنية، ومنها جريدة "الصباح" نفسها (6):
"يوم الإثنين 18 فبراير 2008، حدث مايلي:
*بعد الزوال:
- ذيوع أخبار حول صدور قرارات بمنع المرواني والمعتصم والركالة من مغادرة التراب الوطني.
- الإعلان عن توقيف ضابط الأمن هشام كريواني بتهمة إفشاء السر المهني والدخول على نظام معالجة المعلومات على خلفية القيام بتنقيط كل من المعتصم- والذي تأكد أنه ممنوع من مغادرة التراب الوطني- والمرواني الذي تعذر على الضابط معرفة حالته، وذلك بناءا على طلب الصحفية حنان بكور من جريدة(المساء) آنذاك.
- إصدار الإدارة العامة للأمن الوطني منشورا يتهم الضابط المذكور بنشر معلومات من شأنها أن تمكن متهمين مفترضين من الهروب من العدالة أو تدمير دلائل تساعد المحققين في أبحاثهم من أجل الحقيقة.
*الخامسة بعد الزوال:
-إعلان مصالح الأمن المغربية عن تفكيك(شبكة إرهابية) كانت، حسب تلك المصالح، تعتزم القيام بأعمال إرهابية بواسطة الأسلحة النارية والتفجيرات واغتيال شخصيات مغربية وازنة. ويتزعم تلك الشبكة- حسب مصالح الأمن- عبدالقادر بليرج، أحد المهاجرين ببلجيكا.
- وضع 23 من أفراد الشبكة المذكورة رهن الاعتقال الاحتياطي. كما اعتقل أيضا كل من مصطفى المعتصم بمحطة القطار بالرباط حيث كان يتهيأ صحبة زوجته لتوديع ابنتهما المتوجهة إلى فاس قصد الدراسة، ومحمد المرواني أثناء عودته إلى منزله بنفس المدينة.
* السادسة بعد الزوال:
اعتقال محمد أمين الركالة من بيته بمدينة فاس. وكان الركالة قد تم استدعاؤه من طرف باشا المدينة، ثم عاد إلى بيته مصحوبا برجال أمن بزي مدني، والذين قاموا بتفتيش المنزل مدة تزيد على ساعة. وقد انتهت العملية بحجز حاسوب السيد الركالة وأشياء أخرى.
*في وقت متأخر من المساء:
اجتماع القيادات الأمنية في مقر وزارة الداخلية بالرباط للتداول في ملف الاعتقالات التي مست قيادات إسلامية. وقد ضم الاجتماع:
- ياسين المنصوري، مدير المخابرات العسكرية.
- عبداللطيف الحموشي، مدير المخابرات المدنية.
- الشرقي اضريس، المدير العام للأمن الوطني.
- وزير الداخلية شكيب بنموسى.
*يوم الثلاثاء 19 فبراير 2008، حدث مايلي:
*صباحا:
- اعتقال عبدالحفيظ السريتي، بعد أن أوصل ابنته إلى مدرستها، وقيام ستة رجال أمن بزي مدني بتفتيش منزله.
*مساءا:
- كشف وزارة الداخلية عن أسماء 32 شخصا ضمن "شبكة إرهابية"- حسب الوزارة- ويتزعمها عبدالقادر بليرج، ومن بين المتهمين المعتقلون الستة.
- تأكيد وزير الاتصال- خالد الناصري- أن"المسألة ليست بسيطة"، ودعوته الجميع- بما فيهم وسائل الإعلام- إلى معالجة الموضوع"بكل رصانة ودقة ومهنية".
*يوم الأربعاء 20 فبراير 2008، حدث مايلي:
* صباحا:
- نشر وكالة المغرب العربي للأنباء بلاغا لوزارة الداخلية يفيد (تفكيك خلية إرهابية خطيرة كانت تستعد لتنفيذ أعمال إرهابية بالتراب الوطني).
- إصدار عباس الفاسي، الوزير الأول، مرسوما وزاريا يقضي بحل حزب البديل الحضاري، مستندا في ذلك إلى الفصل 57(7) من قانون الأحزاب[ اعتبارا لثبوت العلاقة بين هذه الشبكة والحزب وتوفر قرائن تفيد تورط قادة الحزب الرئيسيين فيها] حسب القرار.
-بيان لوزارة الداخلية يعلن "حجز ترسانة أسلحة وذخيرة" كانت بحوزة بعض المعتقلين في الدار البيضاء والناضور، واتهام بعضهم بالتورط في عمليات سطو على مؤسسة مالية باللوكسمبورغ. كما أن البيان أكد على أن الأشخاص المتورطين "لهم روابط مؤكدة مع الشبيبة الإسلامية والحركة الثورية الإسلامية المغربية والحركة من أجل الأمة.
كما كانت هناك محاولات لتنظيم دورات تدريبية في مراكز حزب الله في لبنان عام 2002. كما استعرض الوزير نشأة الشبكة منذ 1980، وتطورها الزمني إلى سنة 1992، حيث "انتخب خلالها محمد المرواني أميرا للشبكة".
وأضاف الوزير أن هذه الشبكة "اتخذت وجهتين في العمل:
-وجهة سياسية أسفرت عن تأسيس حزب البديل الحضاري وجمعية الحركة من أجل الأمة.
-أما الوجهة السرية فاعتمدت العمل المسلح وتنظيم عمليات سطو لضمان التمويل".
وقد حضر إلى جانب بنموسى في ندوته الصحفية كل من:
- الجنرال حسني بنسليمان قائد الدرك الملكي.
- الشرقي اضرس، المدير العام للأمن الوطني.
- محيي الدين امزازي، الوالي المدير العام للشؤون الداخلية بوزارة الداخلية.
* لقاء وزير الداخلية شكيب بنموسى بنشطاء حقوقيين وأكاديميين وفاعلين جمعويين وإعلاميين. وكان من الحاضرين: أمينة بوعياش رئيسة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ومحمد السكتاوي رئيس منظمة العفو الدولية(فرع المغرب)، وأحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ، ونعيم كمال عضو الهاكا، الأكاديمي محمد الطوزي، سعيد لكحل اليساري أحد خصوم الحركة الإسلامية من الاستئصاليين، الأكاديمي محمد ظريف، جمال براوي الصحفي وأحد الاستئصاليين أيضا، عبدالمنعم دلمي (بصفته رئيسا لفيدرالية الناشرين) ورئيس تحرير جريدة "الصباح"، رجل الأعمال عبدالعالي بنعمور... وغيرهم.
وقد أقيمت جلسة غداء خاصة أثيرت خلالها الرواية الرسمية لتفكيك شبكة بليرج وكذلك تسرع الوزير الأول في حل حزب البديل الحضاري...
وخلال اللقاء حذر وزير الاتصال من [تبعات التشكيك] في الرواية الرسمية، وأكد على وجود خطر يهدد المغرب، مما يتطلب من الجميع- في نظره- التصدي له.
* إغلاق مقر حزب البديل الحضاري بالدار البيضاء من طرف السلطات العمومية وتشميعه بمقتضى قرار الوزير الأول".
فهل بعد هذا يقال أن السلطات " اقتصرت على بث أخبار الاعتقالات عبر قصاصات وكالة المغرب العربي للأنباء، دون كشف حيثيات التنظيم الإرهابي، حفاظا على سرية التحقيق"؟
ولنتذكر أن كل هذا فعلته السلطات المغربية، وذكرته وسائل إعلام كثيرة منها جريدة "الصباح"، حتى قبل أن تبدأ محاكمة أفراد الخلية المزعومة، والتي بدأت يوم يوم الخميس 16 أكتوبر 2008 أي ثمانية أشهر بعد اعتقالهم حسب التصريحات الرسمية.
ثم يقول الرجل:
"خلال كل الأحداث الإرهابية التي شهدها المغرب، شكل الخطاب التشكيكي حجر الزاوية في الدفاع عن المتهمين" (8). ولم يذكر صاحب المقال لماذا نجد دائما هذا "الخطاب التشكيكي" في رواية السلطة.
فلماذا توضع "الرواية الرسمية"موضع الشك؟ هل المشككون- ومن ضمنهم سياسيون ورجال قانون وغيرهم- عديمو الفهم في "أحسن الأحوال"، أو متآمرون في "أسوئها"؟
أليس من حقنا أن نشك، خاصة مع تزامن الاعتقالات التي مست الإسلاميين، مع ما سمي بـِ "الحرب على الإرهاب"، تلك الحرب الأمريكية "البوشية" على الإسلام والمسلمين، سواء في أفغانستان أو العراق، ومن قبل ذلك على الحبيبة فلسطين؟
إن الذي يشك في شعار "الحرب على الإرهاب" كما تمارسه أمريكا على أرض المسلمين، ويردد مع الشاعر أحمد مطر:
أنا ضد أمريكا إلى أن تنقضي هذي الحياة ويوضع الميزان
هي جذر دوح الموبقات وكل ما في الأرض من شر هو الأغصان
من غيرها زرع الطغاة بأرضنا وبمن سواها أثمر الطغيان؟
حبكت فصول المسرحية حبكة يعيا بها المتمرس الفنان
هذا يكر وذا يفر وذا بهـــــ ـــــذا يستجير ويبدأ الغليان
حتى إذا انقشع الدخان مضى لنا جرح وحل محله سرطان
وإذا ذئاب الغرب راعية لنا، وإذا جميع رعاتنا خرفان
هي فتنة عصفت بكيدك كله فانفذ بجلدك أيها الشيطان
ماذا لديك؟ غواية؟ صنها، فقـد أغوى الغواية نفسها السلطان
قرنان؟ ويلك عندنا عشرون شيـ ـــطانا وفوق قرونهم تيجان
يا أيها الشيطان: إنك لم تزل غرا ولــيس لمثلك الميدان
أنبيك أنا أمة تبا ع وتشترى ونصيبها الحرمان

أقول: إن الذي يشك في ذلك الشعار الأمريكي، هو نفسه الذي يشك في "الرواية الرسمية" حول اعتقال إسلاميين شرفاء. ومن حق أي واحد أن يشك، بعدما ظهر للعيان كذب "الرواية الرسمية" لوزارة الداخلية في مصرَ الفرعونِ الصغير حسني مبارك، حول تفجير كنيسة من كنائس المواطنين الأقباط، لما تم إلصاق الجريمة بإسلاميين من فلسطين الغالية. بل الغريب أنه ظهر –بعد الثورة الشبابية- أن للوزارة المذكورة علاقة بالجريمة!!
أجل، من حق أي واحد أن يشك، خاصة وأنه لدينا مثال بارز يدعو للشك، مثال تفجيرات 16 ماي الآثمة، والتي لم تكشف التحقيقات فيها إلى الآن الفاعل الحقيقي.
إن "الخطاب التشكيكي" في "الرواية الرسمية" سيبقى موجودا، طالما أن المواطن يرى ويسمع كذب مسؤولين في قضايا عدة. تكفي الإشارة إلى تصريح للناطق الرسمي السابق للحكومة، نبيل بنعبدالله، فقد سئل:" ألم تتعارض قناعاتكم المبدئية والسياسية والحزبية مع آرائكم الحكومية حتى حينما كنتم تؤكدون في مناسبات عديدة أن المغرب لايعرف الاختطافات، مع العلم أن العديد من الجمعيات الحقوقية الوطنية والدولية كانت تدرك جيدا أن عشرات المغاربة قد اختطفوا وعذبوا في معتقل تمارة؟" فكان جوابه:
"حتى إذا افترضنا أن ماتقولونه صحيح، فهل تعتقد أن هناك ناطقا رسميا سويا في العالم في أمريكا أو في إسبانيا أو في فرنسا...يمكنه أن يقول في ندوة صحفية بحضور عشرات الصحفيين إنكم على صواب وأن بلادنا فعلا تعرف العديد من الاختطافات والتعذيب وخرق حقوق الإنسان، وأن الأجهزة الأمنية فعلا تتجاوز حدود صلاحياتها، وأنها هي التي تتسبب في هذه الانتهاكات..." (9).
وعلى افتراض أن شك المواطن غير مقبول، فمن المسؤول عن ذلك؟
لن نذهب للإجابة بعيدا. فأحد صحافيي جريدة "الصباح" نفسها، والتي يرأس تحريرها خالد الحري، يقول: "المواطن معذور،حتى ولو كان تشكيكه خاطئا في ظل التطور الحقوقي الذي عرفته المملكة، وكذا التقدم العلمي في مجال الأبحاث ونهاية عهد توزيع الاتهامات حسب المزاج، وعذره مستمد من تراكمات سلبية سابقة قدم فيها مسؤولون معلومات تبين أنها غير صحيحة فيما بعد (قضية النجاة نموذجا)، وهو في حاجة إلى تراكمات إيجابية حتى يتسنى له إزالة آخر ذرة شك في مخيلته" (10).
أما صحفينا من فئة "الواشين الجدد"، فيتقمص دور المحلل الموضوعي فيقول: "...الموضوعية تفرض مسافة أمان أمام توالي الأحداث، وإلى حد الآن لم تتضح طبيعة التهم التي اعتمدتها الدولة في اعتقال المتهمين، باستثناء صور العتاد الحربي الذي كان يستهدف المغاربة" (11).
الصحفي يرى أنه، إلى حد كتابة ماكتب، " لم تتضح طبيعة التهم التي اعتمدتها الدولة في اعتقال المتهمين". وعليه، فالموضوعية " تفرض مسافة أمان أمام توالي الأحداث". غير أن صاحب هذا الكلام لم يأخذ " مسافة أمان"، حتى يكون موضوعيا، لما اعتبر "التنظيم إرهابيا"، وأن مابثته قناة مغربية –من صور لأسلحة- أنها " صور العتاد الحربي الذي كان يستهدف المغاربة"!!
"التهم" التي اعتمدتها الدولة غير واضحة إذن، لكنها واضحة لدى هذا الرجل: مجموعة إرهابية (أي عصابة مسلحة)، وعتاد حربي (أي حيازة أسلحة) "يستهدف المغاربة" (المس الخطير بالنظام العام كما في التهم) !!
لنتذكر أن هذا الكلام كان يوم الخميس 21 فبراير 2008، في حين لم يوجه قاضي التحقيق التهم للسياسيين الستة إلا يوم الجمعة 29 فبراير 2008، يوم عُرض المعتقلون الستة عليه بملحقة محكمة الاستيناف بسلا، ورفض اولئك المعتقلون الإدلاء بأي رد على أسئلة القاضي ما لم يتمكن دفاعهم من الاطلاع على محاضر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية… وآنذاك اكتفى القاضي بعرض التهم الموجهة إليهم، وبالتالي قرر متابعتهم واعتقالهم. أما التهم التي وجهها لهم فكانت كالتالي:
- متابعة المعتصم والمرواني بتهم "محاولة المس بسلامة الدولة الداخلية عن طريق ترأس عصابة مسلحة تهدف للإستيلاء على الأموال العمومية، ونهبها والمشاركة في ذلك عن طريق فرق مسلحة، والأمر بإعداد وارتكاب أعمال إرهابية في إطار مشروع يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام، وعقد اجتماعات عمومية بدون تصريح مسبق، وممارسة النشاط في جمعية غير مرخص لها". وهي التهم التي تصل عقوبتها، في حالة الإدانة، إلى الإعدام أو المؤبد.
- متابعة السريتي بتهم "محاولة المس بسلامة الدولة عن طريق تولي وظيفة عصابة مسلحة والاستيلاء على الأموال العامة ونهبها وتكوين عصابة إجرامية وتقديم المساعدة فيها، وعقد اجتماعات عمومية بدون تصريح مسبق، وممارسة النشاط في جمعية غير مرخص لها". وتصل عقوبتها من خمس سنوات إلى عشرين سنة.
- متابعة ماء العينين العبادلة بتهمة " محاولة المس بسلامة الدولة عن طريق تولي وظيفة عصابة مسلحة والاستيلاء على الأموال ونهبها".
- متابعة نجيبي بتهمة "تقديم المساعدة للمتهمين في العصابة وعدم التبليغ عن الجناية".
فهل هي مجرد "مصادفة" أن يسبق هذا "الصحفي" قاضي التحقيق في الكلام عن "تنظيم إرهابي"، أي عصابة مسلحة؟ أم تراه كان يمهد الأرضية لقبول التهم؟
وإذا عدنا إلى "العتاد الحربي" المذكور، فقد ظهر فيما بعد أن ذلك "العتاد" أصبح لاغيا بمقتضى قانون المسطرة الجنائية، لما تم عرضه خارج الشروط المذكورة في الفصل 59 من القانون المذكور! (12)، مما شكل فضيحة للقضاء الذي كان يبت في القضية آنذاك!!
وإمعانا في استغفال القراء، يذكر الرجل المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية، موهما أنه يستند إليها فيما كتب، فيقول: "لامعنى إطلاقا لحملة المشككين للدفاع عن براءة المتهمين حتى قبل محاكمتهم، أو على الأقل الاطلاع على محاضر الشرطة. ولامعنى أيضا لإدانتهم مسبقا عبر قصاصة وكالة المغرب العربي للأنباء..."(13).
أما المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية فيوردها كالتالي: "كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا، إلا أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب بقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية، ويفسر الشك لفائدة المتهم" (14).
لقد أدان هذا الصحفي المتهمين لما اعتبرهم أفرادا في "تنظيم إرهابي"، ولم يحترم نص المادة التي ذكرها، بل عاب على حلفاء حزبي البديل الحضاري والأمة أن يعلنوا براءة قادة الحزبين.
لكن لماذا قال هذا الصحفي كل هذا الكلام، وتغاضى عن الإشارة إلى "الإدانة المسبقة" الصادرة عن الوزير الفاشل والناطق الرسمي ضد أفراد ماسمي بـِ "خلية بليرج"؟
إن الجواب في قوله أنه "يجب الاعتراف بأن الدولة لم ترتكب إلى حد الآن أي خطإ قانوني" (15)، وأنه يجب "الاعتراف بتطور الدولة في احترام القانون" !!(16).
لعل هذا هو الهدف من المقال كله، في وقت حذر فيه المسؤولان السابقان من مغبة التشكيك في الرواية الرسمية!
ولايكتفي الرجل بماسبق، بل يؤكد على ثابت من ثوابت الذهنية السلطوية، ثم ذهنية الإعلام الذي يدور في فلكها، وهو أن [اتهام الدولة بخرق القانون واختطاف مواطنين عملية تروم "صب الزيت على النار"(17)].
إنه ثابت من ثوابت سلطوية أخرى لعل من أهمها أن:
-التشكيك في الرواية الرسمية إشادة بالإرهاب!
-وأن المطالبة باحترام حق المواطن في التعبير، أو ذكر ظلامة علنا في وسائل الإعلام وغيرها، كل هذا استقواء بجهات خارجية، أو تشويه لسمعة البلد وتنقيص منه!
وما يقابل هذه الثوابت أن مدعيها والمروجين لها هم وحدهم المواطنون الغيورون على الوطن، المحبون للسلام والمدينون للإرهاب! وعلى الدولة –في نظرهم- "استئصال" من يرونه، وبمعاييرهم المختلة، "إرهابيا"، كي تستمر عملية نهب خيرات البلد أراضي وبقعا، وشيكات تحت وفوق الطاولة...!!
ويؤكد هذا الصحفي، في مقاله التالي بعنوان "مؤامرة"، على نفس العقلية في الموقف من أفراد الخلية المزعومة، وهو ماسنراه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
(يتبع).
_________________
1-حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، تصنيف: عبد الرزاق البيطار، ص 10/11، تحقيق : محمد بهجة البيطار،مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق،دار صادر – بيروت. ط2/ 1413هـ-1993م. 2-خالد الحري، افتتاحية جريدة "الصباح" بعنوان: "المصداقية" ، الصباح، عدد 2447 بتاريخ الخميس 21 فبراير 2008.
3-لسان العرب لابن منظور الإفريقي، مادة "سرع".
4-فشل مثلا في التعامل مع قضية الانفصالية أمينتو حيدر فشلا ذريعا، كسبت من ورائه –للأسف- تعاطفا دوليا. والتعبير "وزير فاشل" سمعته من أستاذنا محمد المرواني حفظه الله في ندوة صحفية حول المعتقلين غير المفرج عنهم إلى الآن.
5- مقال الحري السابق.
6-ترتيب هذه الأحداث مأخوذ مما نشرناه في مدونة "الالتزام" تحت عنوان : "كرونولوجيا اعتقال السياسيين الستة فيما سمي بخلية بليرج"، وذلك على الرابط:
hassanla.maktoobblog.com
7-المادة 57 هي كالتالي: "يحل بموجب مرسوم معلل كل حزب سياسي يحرض على قيام مظاهرات مسلحة في الشارع، أو يكتسي من حيث الشكل والنظام العسكري أو الشبيه به صيغة مجموعات قتال أو فرق مسلحة خصوصية، أو يهدف إلى الاستيلاء على مقاليد الحكم بالقوة أو يهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بالنظام الملكي أو بوحدة التراب الوطني للمملكة".
8-مقال الحري السابق.
9-من حوار مع نبيل بنعبدالله، الناطق الرسمي السابق للحكومة ، وهو الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية (الحزب الشيوعي سابقا)، وهو نفس الحزب الذي ينتمي إليه الناطق الرسمي الحالي الوزير خالد الناصري . وقد علقت جريدة "المساء" المغربية على كلام نبيل بنعبدالله، في صفحة "نتا بركم وانا نفهم" بما يلي: "هل يعني هذا أن مايقوله خلف نبيل بنعبدالله ورفيقه في الحزب، الناصري، هذه الأيام، يجب أخذه على محمل آخر غير محمل الجد...؟"(جريدة "المساء"، عدد 484، الأربعاء 09/04/2008).
10-الصديق بوكزول، مقال:"مشككون..."، جريدة الصباح، عدد 3447، الخميس 12/05/2011.
11-مقال "المصداقية" السابق.
12-أذَكّر بأن الفصل 59 من قانون المسطرة الجنائية ينص على مايلي: "تحصى الأشياء والوثائق المحجوزة فورا وتلف أو توضع في غلاف أو وعاء أو كيس، ويختم عليها ضابط الشرطة القضائية. وإذا استحال ذلك، فإن ضابط الشرطة القضائية يختم عليها بطابعه "(المسطرة الجنائية، تقديم امحمد الأزهر وزميله، سلسلة التشريع المغربي، مكتبة الرشاد، سطات. ط 2/2004، ص 60). وقد تم عرض الأسلحة التي قيل أنها ضبطت لدى بعض أفراد الخلية المزعومة بدون أي شرط من هذه الشروط.
13و14و15و16و17-مقال الحري السابق.

السبت، 16 أبريل 2011

كلمات وعبارات الثورة الشبابية العربية


[كُتِب هذا المقال قبل أن يتم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الخمسة فيما سمي بـ"خلية بليرج"، وقد أطلق سراحهم والحمد لله يومه الخميس 14/04/2011، وإنا لنسأل الله تعالى أن يعجل بإطلاق سراح باقي المعتقلين الإسلاميين وغيرهم من مختلف المشارب، وأن يعجل سبحانه وتعالى أيضا بمحاكمة من كان السبب في اعتقال كل مظلوم، إنه سميع مجيب].

__________

من الحقائق اللغوية المعروفة أن اللغة تتطور، حيث تندثر كلمات وتبرز أخرى، وتتغير دلالات ثالثة في اتجاه توسيع تلك الدلالات أو تضييقها. وقد تكون الدلالة الحادثة من التوسيع أو التضييق إيجابية، وقد تكون غير ذلك. فمثلا كانت دلالات كلمات الصلاة والصوم والحج مقتصرة على الدعاء والإمساك والقصد، فتوسعت إلى الشعائر التعبدية التي نعرفها. وكانت كلمة "البأس" تطلق على "الحرب" فقط، فتوسعت دلالتها وأصبحت تشمل كل شدة. وكانت كلمة "العصابة" تطلق على "الجماعة"، أي جماعة، وقد تكون "جماعة من المؤمنين"، وبهذا المعنى جاءت في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لاتُعبَد في الأرض" (1). لكن كلمة "العصابة" أصبح لها الآن مفهوم سلبي مرتبط بالإجرام.

وقد تسهم المنعطفات الكبرى في تاريخ الأمة، كالثورات مثلا، في إبراز دلالات كثير من الكلمات –بعد أن تكون نُسِيتْ- أو تغييرِها. ولعل الجميع يعرف الانتشار الإعلامي الواسع لكلمة "العلوج"، والتي كان يطلقها السيد محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام في نظام صدام حسين على جنود الغزاة من الأمريكيين وغيرهم، إبان حرب الخليج الثانية ضد العراق. وقد كانت تلك الكلمة لاتكاد تُعرَف عند غير اللغويين أو المثقفين بصفة عامة (2).

ومن أهم الكلمات والعبارات التي برزت على سطح الأحداث في الوطن العربي، وطن الثورات الشعبية حاليا، الكلمات والعبارات التالية:

I-كلمتا "الثورة و"الثوار":

من معاني هذه الكلمة في اللغة "الهيج" و"الوثب". واستعملت في الانتفاض من الشعب على الحاكم الظالم، سواء كان ذلك الانتفاض سلميا أو مسلحا. ولذلك فالانقلابات العسكرية التي عرفتها بعض الدول العربية في خمسينات القرن الماضي وبعدها، مثل مصر وسوريا والعراق، أطلق عليها اسم الثورة. وقبل هذه الثورات تكلم كثيرون عن ثورات منحرفة مرت في التاريخ الإسلامي، مثل ثورات الزنج والقرامطة وبابك الخرمي…، ومجدوها لأجل "تبيئة" أفكار ومعتقدات -من خارج الإسلام- في التاريخ الإسلامي. كما أن الشيعة تكلموا كثيرا عن ثورة الحسين، رضي الله عنه وأرضاه، وأعطوها أبعادا قد لاتكون دارت في خلد ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، انطلاقا من ذهنية تقديس التاريخ لديهم، خاصة تاريخ بعض آل البيت رضي الله عنهم أجمعين.

ولقد رفض البعض كلمة "الثورة" لما ينضح به مفهومها –في نظره- من عنف وقتل ودمار…كما ظهر ذلك مثلا من خلال الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ( 1789–1799 )، والثورة البلشفية في القرن العشرين. وذهب البعض إلى استبدال كلمة "الثورة" بكلمات أو عبارات غيرها، مثل: "التغيير الجذري" أو "الإصلاح" أو "القومة"…وربما بسبب هذا العنف الذي لازم الكثير من الثورات التصقت بكلمة " الثورة" كلماتٌ وعباراتٌ مثل :"الثورة المضادة" و"العنف الثوري" المبرر و"الثورة تأكل أبناءها"…بل يرى فريدريك إنجلز –أحد منظري الماركسية- أن "العنف هو مولد التاريخ"!

غير أن الثورات التي تحدث الآن في الوطن العربي هي –باستثناء الثورة في ليبيا- ثورات سلمية يقودها شباب الأمة، على الرغم من محاولات متعددة لجر أولئك الشباب الثائر إلى متاهات العنف.

وقد بدأت الثورة في تونس الحبيبة، ولم تفلح الحدود في إيقاف مدها إلى مصر واليمن وليبيا وسوريا وغيرها، مع أن الثوار الشباب لم يرفعوا شعار "تصدير الثورة" الذي رفعته ثورة الخميني في إيران. ولم تفلح الثورة الخمينية في ذلك التصدير، على الرغم من تحول الثورة إلى دولة. ولذلك الفشل في التصدير أسباب متعددة قد يكون تلبس الثورة بالطائفية الشيعية من أهم تلك الأسباب.

II-كلمة "ارحل" ومقابلها الفرنسي: "Dégage":

لعل هذه الكلمة تبين بوضوح أن الثوار "طيبون" و"متسامحون". فهم لم يرفعوا –في بداية الثورة- مطلب "الاقتصاص من الحاكم" أو "محاكمته". وعلى الرغم من تسليط الحاكم مختلف أنواع الإرهاب والقتل والقمع على الثوار، فإنهم لم يستبدلوا مطلبهم برحيل الحاكم إلى غيره، حتى أن بعض ثوار مصر أقاموا –هم المعروفين بروحهم المرحة- "دقة زار" في ميدان التحرير رددوا فيها لازمة "ارحل…ارحل…". لكن مطلب الرحيل هذا قد يتغير، وتصبح كلمة "ارحل" غير محببة لدى الجماهير الثائرة، فيستبدلونها بكلمة "المحاكمة" أو "القصاص" من الطاغية وأزلامه، خاصة إذا استمر الطاغية –على الرغم من رفض شعبه الثائر له- على الكرسي كما يحدث الآن في ليبيا واليمن مثلا.

III-عبارة: "الشعب يريد…" ومابعدها:

هذه العبارة هي من أكثر العبارات ترددا –شعارا أساسا- على ألسنة الثوار. فهي:

*عند الثوار في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا: "الشعب يريد إسقاط النظام".

*وعند المتظاهرين في الأردن: "الشعب يريد إصلاح النظام".

* وعند المتظاهرين في المغرب (مجموعة 20 فبراير): "الشعب يريد إسقاط الفساد".

فهل السبب في اختلاف مضامين هذا الشعار يرجع إلى اختلاف طبيعة الانظمة فيما بينها، من حيث التذبذب بين الإفراط في استعمال العنف وبين "الاعتدال" فيه، ومن حيث التدرج بين إطلاق الوعود بالإصلاح وبين تخوين الثوار وتهديدهم بتطهير البلد منهم "زنكة زنكة" مثلا؟ أم السبب في اختلاف طبائع الشعوب العربية في كل بلد؟ أم أن هناك سببا آخر؟

لعل الأمر يحتاج إلى دراسة.

IV-كلمة "البلطجية":

أصل كلمة "بلطجي" تركي، وتتكون من شطرين: "بلطة" وهي أداة قطع وذبح، ثم "جي" وتعني "من يحمل البلطة".

فكلمة "البلطجية" كلمة عامية لدى أهل مصر، ويشار بها إلى معاملة صادرة عن طرف عنيف يفرض بالعنف والقوة رأيه على غيره، أو يرهبه قصد فرض إتاوات عليه (3). وقد يدخل في أعمال "البلطجة" قطع الطريق على الناس وتكوين عصابة لسلب أموالهم وحقوقهم. وهذه الأعمال تلتقي مع جريمة "الحرابة" في شرع الله سبحانه، والتي يقول عنها سبحانه: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْارْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْارْضِ، ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (سورة المائدة: 35-36).

وفي جريمة "الحرابة" آراء عند علماء المذاهب. يرى الإمام مالك رحمه الله مثلا أن المحارِب "من حمل على الناس في مصر أو في برية، وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولادخل ولا عداوة" (4). ويدخل ابن حبيب، من علماء المالكية، عمل الحاكم الظالم في جريمة "الحرابة". فقد قال رحمه الله "في والي بلد بعث على بعض أهله، فيغير عليهم وينهب أموالهم ظلما، عن حكمه مثل حكم ماتقدم في المغيرين" (5).

وعادة مايكون "البلطجية" مجرمين سابقين أو بائعي مخدرات أو مرتزقة على العموم، يقومون بما سبق ذكره، أي فرض الرأي بالعنف أو إرهاب الناس لأخذ أموالهم. ويتم استغلال جوانب الضعف لدى هؤلاء "البلطجية"، خاصة وهم من ذوي السوابق الإجرامية كما سبق، إذ يتم الضغط عليهم للقيام بأعمال "البلطجة"، أو اعتقالهم وتعذيبهم. وقد يمنون بأموال وشقق أو غير ذلك، كما حدث في مصر أخيرا.

وقد اشتهر توظيف "البلطجية" في مواجهة متظاهري الثورة الشبابية الحالية، حيث تم توظيفهم في جميع الدول العربية التي عرفت مظاهرات إلى الآن. لكن الكلمة انطلقت بداية من مصر في "ثورة 25 يناير" ضد نظام حسني مبارك.

غير أن ظهور "البلطجية" مؤذن بانتصار الثوار، إذ لما ظهرت "البلطجية" في مصر، سقط النظام بعد ذلك الظهور بقليل.

وقد لاتسلم السجون من تسخير لهذا النوع من المجرمين ضد المعتقلين السياسيين، حيث اشتكى مرارا بعض المعتقلين السياسيين، في بعض الدول العربية، من تسخير المسؤولين عن السجن لسجناء الحق العام من المجرمين وغيرهم للاعتداء عليهم. بل قد يلجأ بعض المرشحين الفاسدين إلى تسخير عصابات تفرض التصويت عليهم وتمنعه على منافسيهم بالتهديد والعنف. وقد يكون المرشح الذي سانده "البلطجية" ممن لايخدم مصالح أولئك "البلطجية" أنفسهم ، بله مصالح البلد. ولذلك اعتبرهم البعض "أدوات عنف بلا عقل".

هذا على مستوى الأفراد والجماعات.

أما على مستوى الدول، فقد تكلم البعض عن وجود ماسماه "الدولة البلطجية"، إلى جانب ماهو معروف من "دولة مارقة" و"دولة فاشلة"، وتلك "الدولة البلطجية" هي نمط خاص من الدول "صنعته السياسات والنظم العربية" (6)، وهي الدولة "التي تنظم في مستوى السلطة ومؤسساتها حثالة المجتمع السفلي من قطاع طرق ومجرمين وتجار مخدرات وقوادين ومبيضي أموال ناشطين ومحتملين، وكذلك من نجحت في تحويلهم إلى مجرمين من هذه الطرز، وأدخلتهم إلى أجهزتها ومنظماتها الإيديولوجية والسياسية، المتخصصة في قهر المجتمع والسيطرة عليه، أو وضعتهم في حالة كمون لاستخدامهم عند الحاجة، ضد الشعب طبعا، الذي تقوم مهامها كأجهزة على وضع نفسها في مواجهته، رغم أنها تحمل ألقابا وتسميات رسمية، فهي أجهزة شرطة وأمن في تونس ومصر، وكتائب أمنية في ليبيا، وقوات مكافحة إرهاب وشغب في اليمن، وقوات حفظ نظام في الأردن والبحرين…إلخ"(7). ولعل المفكر السوري صاحب هذا الكلام يلتقي هنا مع ابن حبيب رحمه الله في اعتباره الحاكم الظالم "محاربا" بتعبير العالم المالكي، أو "بلطجيا" بتعبير ميشيل كيلو.

ولعل من حسنات الثورة الشبابية العربية القائمة –وما أكثرها!- أنها فضحت الطبيعة "البلطجية" للدول العربية: "باشتداد مقاومة المجتمعات العربية، وبداية تمردها على الأمر القائم، افتضح الأمر وبان أن دول العرب القائمة ليست في معظمها غير أغلفة خارجية رسمية لسلطة بلطجية مافياوية، بدأ الشعب يسقطها في كل مكان: بدءا بتونس، مرورا بمصر، وصولا إلى اليمن وليبيا وبقية البلدان، بينما هو يشق طريقه نحو زمن جديد تبين أن هذا النمط من الدولة كان أعظم عقبة في طريقه" (8).

V-الجمعة:

أصبح يوم الجمعة يوما يحسب له طغاة العرب ألف حساب. ومما يتندر به البعض دلالة على هذه الحقيقة أن الحكام العرب اجتمعوا في مؤتمر لتدارس سبل حذف يوم الجمعة من أيام الأسبوع!

وقد اقترن هذا اليوم لدى المسلمين بالإقبال على الله سبحانه، إنصاتا للخطبة وأداء للصلاة. وعلى الخطيب القصد في الخطبة وعدم الإطالة. والقصد "سنة الخطبة لئلا يطول على الناس، ولما في تطويلها من التصنع بالكلام والتشدق في الخطاب" (9). قال أبو وائل: خطبنا عمار، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: ياأبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنّةٌ (10) من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرا" (11).

وفي خطبة الجمعة يتناول الخطيب بعض قضايا الأمة، ومن النماذج النبوية لذلك التناول ماجاء فيما أخرجه البخاري رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، وكان آخر مجلس جلسه متعطفا ملحفة على منكبيه، قد عصب رأسه بعصابة دسمة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إلي. فثابوا إليه. ثم قال: "أما بعد، فإن هذا الحي من الأنصار يقلون ويكثر الناس، فمن ولي شيئا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فاستطاع أن يضر فيه أحدا أو ينفع فيه أحدا فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم" (12).

ومن النماذج أيضا ما أخرجه عن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يارسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه –وما نرى في السماء قزعة- فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال…(الحديث)(13).

وبركات يوم الجمعة على المسلمين كثيرة. ومما جاء فيه مارواه مسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هُدينا إلى الجمعة وأضل الله عنها من كان قبلنا" (14). والمقصود بـِ "من كان قبلنا": اليهود والنصارى، كما في رواية أخرى، عن ربعي بن خراش وحذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد… "(15).

فأي مزية لهذا اليوم حتى يهدينا الله سبحانه وتعالى إليه؟

قبل الإجابة أشير إلى حقيقة منهجية، وهي أن التاريخ والواقع قد يسهمان في زيادة توضيح معاني بعض النصوص الشرعية. فقديما قال بعض العلماء أن الحكمة من جعله يوما للمسلمين "وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه" (16).

لكن ثورة الأمة الآن، في عصرنا هذا، زادت الأمر توضيحا، حينما عُرِفت الجمعة فيها بأنها "جمعة التحرير"، و"جمعة الغضب"، و"جمعة الرحيل" –أي رحيل الطاغية- و"جمعة الحسم"، و"جمعة المحاكمة والتطهير"…وحينما عادت خطبة الجمعة إلى أصلها، يتناول فيها الخطيب قضايا الأمة كما كان الأمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح يحضر الخطبة حتى غير المسلم –وفي ميدان مرتبط بالحرية والتحرير- كما هو الحال في أرض الكنانة العزيزة.

أما أعداد الحاضرين فهي غفيرة، وتصبح مليونية في حالات "الغضب" و"التحرير"…كما سبق.فالجمعة إذن توفر فرصة كبيرة لتجمع الناس والانطلاق في المظاهرات. هذا التجمع يحث عليه الدين ويرجو المؤمنون فضله: عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول –على أعواد منبره- : "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين" (17).

صدقت ياسيدي يارسول الله، يامن تريد لنا، بتحذيرك لنا من ترك الجمعة، بركات كثيرة نلمس بعضها في هذه الثورة المباركة!

هل تعرفون الآن، ياسادة، لماذا يلجأ الطغاة إلى منع المصلين من الصلاة خارج المساجد –إذا امتلأت- يوم الجمعة، كما هو الحال مرة في الجزائر، والآن في تونس الحبيبة؟

إنه الرعب من الثورة، كما هو شأن طغاة الحكم! (18).

إن ما يحدث اليوم في يوم الجمعة في الثورة الشبابية المباركة يعني:

1-أنه لايمكن إبعاد السياسة عن الدين، بمعنى أن السياسة جزء من الدين، ومحاولة الفصل بينهما مساهمة في إفشال الثورة الشبابية. فالتحرك بالدين لإصلاح السياسة أمر مركوز في نفسية الإنسان المسلم، ومايقوم به أدعياء اللائكية الرثة من إبعاد للمتدينين عن المجال السياسي يواجَه إما بمقاومة داخلية من أبناء الشعب، يوم تُفرض تلك اللائكية بالحديد والنار كما يفعل عادة أصحابها، وإما بالثورة الشبابية انطلاقا من الجُمَع يوم تُقلَع أنياب تلك اللائكية.

2-أن المسلمين، في الملمات والمصائب، لايجدون لبناء المقاومة وتثبيتها سوى الدين. وعبثا يحاول السارقون لشباب الأمة من تدينهم إبعاد الدين عن المعركة، فإنهم لن يحققوا لهذه الأمة سوى المزيد من الارتهان لدوائر الاستكبار العالمي ومركزِه أمريكا! وشهادة التاريخ ناطقة.

إن لجوء الأمة إلى دينها في الملمات رجوع إلى الفطرة، والفطرة الإسلام. ولذلك جاء في الحديث: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى" (19).

VI-عبارة "زنكة زنكة":

أي "زنقة، زنقة".

انتشرت هذه العبارة انطلاقا من خطاب للقذافي، ذلك الخطاب الدموي الشهير الذي توعد فيه أبناء شعبه بأن يتبعهم بكتائبه ومرتزقته لقتلهم "شبر شبر، بيت بيت، دار دار، زنكة زنكة، فرد فرد…" حسبما قال.

هذه الكلمة، وإن كانت تشتم منها رائحة الدم والقتل والإرهاب في خطاب القذافي المسعور، فهي بالنسبة لعامة الشعب العربي كلمة للضحك والسخرية. ولذلك وظف كثيرون كلمته تلك، بل كل العبارة الدموية في خطابه، في أغاني هزلية. ولعل من أحسن ما أُنتِج على الطريقة المغربية، إقحام العبارة، بصوت القذافي، في رقصة لـِ"عْبيداتْ الرّما"، يظهر فيها القذافي "مايسترو" للمجموعة، كما يظهر ابنه المغرور راقصا مرة بعد أخرى.

إن توظيف هذه الكلمة في مجال السخرية ليس إلا احتقارا من الشعب العربي للمجرم المسعور الذي يقذف شعبه بأسلحة الدمار، لايستثني رضيعا ولا امرأة ولا شيخا ولاشجرة ولا بناءً…لسان حاله: "إما أنا أو الدمار"! أو قول فرعون: "ماعلمت لكم من اله غيري" (القصص:38)! لكن الله سبحانه لمثل هذا الطاغية بالمرصاد، "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" (الشعراء:227).

وفي الختام نتساءل: ما الذي تحقق من وراء الثورة الشبابية؟

لقد تحقق الكثير، وأذكر أهمه بإيجاز:

1-افتضح أمر من يسعى إلى تمزيق وحدة الأمة بالطائفية البغيضة، فلم يتواجه العرب والأكراد ولا السنيون والنصيريون في سوريا، ولا اقتتل السنيون والحوثيون في اليمن، ولا كاد المسيحيون للمسلمين ولا المسلمون للمسيحيين في مصر، ولا تطاحن العرب والأمازيغ في ليبيا…بل أصبح الكل يدا واحدة ضد الطغاة في بلدهم وديارهم.

2-سقطت "الإسلاموفوبيا"، وتأكد للجميع ألا خوف من الإسلام والإسلاميين على الشعب، وأن فزاعة "التطرف الإسلامي" التي كان يلوّح بها الطغاة ليست إلا سرابا، فلا الإسلاميون متطرفون ولا التطرف من شيمهم. وكم كان مؤثرا، في المغرب مثلا، أن يهرع مجموعة من شباب 20 فبراير بمختلف توجهاتهم إلى سجن سلا لاستقبال السياسيين الخمسة المتهمين بالانتماء لما سمي بخلية بليرج، لما شاعت –ولم تتأكد- أنباء عن قرب إطلاق سراحهم. أكان هذا الاستعداد لاستقبال هؤلاء السياسيين ممكنا لو تأكد لدى الشباب أن الإسلاميين "مخيفون" كما يروج عنهم "مهندسو الإعاقة الديمقراطية"، حسب تعبير أستاذنا المعتقل ظلما محمد المرواني؟

3-سقط لدى أبناء الأمة الخوف من غول "السلطة البلطجية"، وسقط معه الخوف من الاشتغال بالسياسة لدى الشباب العربي، وأصبح الأصل في المسؤولين، في دول عربية كثيرة، أنهم مجرمون حتى يظهر العكس.

4-سقط حزب الحاكم في كل بلد قامت فيه الثورة، كالحزب الوطني في مصر، والحزب الدستوري الديمقراطي في تونس…وأصبح الكثيرون من مسؤولي الحزب يقادون كالخراف إلى المحاكم والسجون. كما آذنَت أحزاب حاكمة أخرى بالسقوط، مثل حزب المؤتمر الحاكم في اليمن، وحزب البعث في سوريا. وبدأت أصابع الاتهام تتوجه نحو أحزاب ثالثة بالإدانة، كالحزبين الكرديين في كردستان العراق، والحزب الذي حاول أن يكون وحيدا بالمغرب (20). بل وجدنا من يتهم مؤسس ذلك الحزب صراحة بدوره في اعتقال الإسلاميين، خاصة معتقلي ما سمي بخلية بليرج وما ينعت بالسلفية الجهادية، بالظلم والجور! وإنا لنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعجل باليوم الذي يحاكم فيه كل ظالم على مااقترفت يداه. وهيهات أن تذهب أنات المظلومين وآهات نسائهم وأبنائهم سدى، فإن دعوة المظلوم مستجابة "ليس بينها وبين الله حجاب" (21)، كما قال الصادق المصدوق عليه وعلى آله وصحابته أزكى الصلاة والسلام، وإن غدا لناظره قريب.

____________

1-أخرجه مسلم في الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث 1763.

2-قال ابن منظور في "اللسان"(مادة "علج"): "العلج: الكافر، ويقال للرجل القوي الضخم من الكفار: علْج…والعلج: حمار الوحش لاستعلاج خلقه وغلظه؛ ويقال للعير الوحشي إذا سمن وقَوِيَ: علج…" .

3-مع إطلالة الثورة الشبابية المجيدة في سوريا الحبيبة، بدأت كلمة أخرى لها نفس المعنى تبرز، وهي كلمة "الشبيحة". وكما كان ظهور "البلطجية" في مصر إيذانا بسقوط نظام مبارك، فكذلك سيكون ظهور "كلاب" بشار –"الشبيحة"- في سوريا إيذانا بسقوطه بإذن الله تعالى، و(يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).

4-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي رحمه الله، ص 6/115.

5-الشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي للشيخ أحمد الدردير، ص 4/309-310.

6-مقال ميشيل كيلو: (دولة "بلطجية" تضم حثالة المجتمع!)، جريدة "المساء" المغربية، عدد 1413، بتاريخ 08/04/2011.

7-نفسه.

8-نفسه.

9-إكمال المعلم للقاضي عياض رحمه الله، ص 3/272. ومن مصائبنا اليوم أن بعض خطباء الجمعة يغفلون عن هذه السنة، ويأخذون في خطبة طويلة مملة يتكلمون فيها عن كل شئ إلا عن قضايا الأمة، ويرتكبون أخطاء لغوية ينأى عنها الطالب المبتدئ!

10-أي علامة، فالمعنى أن هذا مما يعرف به فقه الرجل.

11-أخرجه مسلم في الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، حديث 870.

12-أخرجه في الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد، حديث 927.

13-أخرجه البخاري أيضا في الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، حديث 933.

14-كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، حديث 23.

15-نفسه بنفس الكتاب ونفس الباب، حديث 22.

16-فتح الباري لابن حجر رحمه الله، ص 2/453.

17-أخرجه مسلم في الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة، حديث 865.

18-نشير، والشيء بالشيء يذكر، إلى أن وزير التعليم التونسي الطيب البكوش قد امتنع من تخصيص قاعة للصلاة في المؤسسات التربوية بدعوى الحاجة إلى قاعات للدراسة! ولست أدري ما الذي سيقوله لو طلب منه تخصيص قاعة للرقص، وإن كنت أكاد أجزم بأنه سيستجيب انسجاما مع "الحداثة"!

19-أخرجه أبوداود في الصلاة، باب وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، حديث 1319.

20-من بين الشعارات التي ترددها مجموعة "20 فبراير" في المغرب، شعار:"زنكة زنكة دار دار، والهمة هو الخَطَر". والمقصود مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة بالمغرب، فؤاد عالي الهمة، الذي يلقبونه بـِ"صديق الملك"، وهو يحارب الإسلاميين بشراسة ليست فيها أي منافسة شريفة.

21-جزء من حديث أخرجه البخاري في المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، حديث 2448، عن معاذ.

الأحد، 3 أبريل 2011

"الحرباء"


قال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) (النساء: 144).
قال القرطبي رحمه الله: "المنافق في الدرك الاسفل وهي الهاوية، لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكنه من أذى المؤمنين" (1).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" (2).
وفي رواية لأبي داود رحمه الله، عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار" (3).
أورد ابن حجر رحمه الله –حين شرحه لحديث البخاري- قول القرطبي رحمه الله: "إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق، إذ هو متملق بالباطل وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس" (4).
وعن ذي الوجهين قال الإمام الشافعي رحمه الله:
ولاخير في ود امريء متلـــــون إذا الريح مالت مال حيث تميل
وللشاعر الصوفي صالح عبدالقدوس أبيات في هذا المعنى، ومنها:
لاخير في ود امريء متملـــــــق حلو اللسان وقلبه يتلهـــــــــب
يلقاك يحلف أنه بك واثـــــــــــق وإذا توارى منك فهو العقــرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلـب
مناسبة هذا الكلام نموذج لكُتّاب كتاباتهم "حربائية"، يميلون مع ريح السلطة حيث مالت، في تلون غريب قد لاتفي كلمة "الحرباء" وما يُنسَب إليها بالغرض. لسان حالهم قول الشاعر الرافضي مخاطبا المعز الفاطمي:
ماشئت، لاماشاءت الأقــــــــدار فاحكم، فأنت الواحد القهـــــــار
وقول القائل:
سريع إلى ابن العم يلطم خـــده وليس إلى داعي الندى بسريـــع
لقد برزت في منطقتنا العربية- والمغرب منها- ظواهر وأمراض تعجز الكلمات التي تطلق عليها، في بعض الأحيان، عن وصفها. ولعل أبرز مثال على ذلك حالة السفاح الليبي القذافي، الذي وصفه البعض بالأحمق، مع أن كلمة "الحمق" وما في معناها لايمكن أن تبين فظاعة مايقوله ويفعله هذا السفاح. وهذا يعني أنه على المجامع اللغوية العربية أن تقوم بنحت وصف أو اصطلاح آخر يدل على مرض الرجل!(5) .
نفس الشيء يمكن قوله عن أحد الاستئصاليين الوقحين، ممن يتلونون في مواقفهم تلونا لايمكن القول عنه أنه "حربائي". فقد فاق الاستئصالي الوقح المذكور الحرباء في تلونها الطبيعي بتلونه "الارتزاقي" أو "الاستئصالي". وبالمثال، كما يقال، يتضح المقال.
فقد نظمت جريدة "العمل الديمقراطي"، وهي جريدة كانت تصدرها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، قبل أن تصبح المنظمة أحد مكونات اليسار الاشتراكي الموحد، ومنذ سنوات خلت، ندوةً عنوانها "المجال الديني بالمغرب: تنظيمه، آليات اشتغاله وآفاق تجديده". وقد ساهم في الندوة المعتقلان حاليا فيما يسمى بقضية خلية بليرج، الأخوان محمد أمين الركالة ومصطفى المعتصم، عن جمعية "البديل الحضاري" التي أصبحت حزب البديل الحضاري فيما بعد. كما ساهم شخصان محسوبان على اليسار، لكن يسارهما –في نظري- من نوع "اليسار الأمريكي"، أحدهما سامر أبوالقاسم من قيادات حزب الأصالة والمعاصرة حاليا، وهو حزب فؤاد عالي الهمة الذي يقال أن اعتقال الركالة والمرواني والمعتصم ومن معهم كان "نزوة" من "نزواته" (6).
"المتياسر الأمريكي" الثاني الذي شارك في الندوة هو سعيد لكحل الذي ينصب هذا المقال حول "حربائيته". ولقد كان مما صرح به لكحل في الندوة المذكورة حول "المجال الديني" أن عبدالسلام ياسين يدعي المهدوية من خلال كتاباته، وهذا أغضب الأخ الركالة الذي رد عليه، غير أن لكحل تدارك الأمر بالتأكيد –فيما يشبه الاعتذار- على أنه يعتبر تيار البديل الحضاري تيارا مستنيرا داخل الحركة الإسلامية.
بعد اختلاق ماسمي ب"خلية بليرج" واعتقال أفراد الخلية المزعومة، وعلى رأسهم السياسيون الستة(7)، ابتداء من 18 فبراير 2008، تحركت الآلة الإعلامية للسلطة محذرة من أي "تشكيك في الرواية الرسمية" التي تتهم أفراد الخلية المزعومة بـِ"المس بسلامة أمن الدولة الداخلي، وتكوين عصابة إجرامية لإعداد وارتكاب أعمال إرهابية، في إطار مشروع جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام، بواسطة التخويف والترهيب والعنف والقتل العمد ومحاولة القتل بواسطة أسلحة نارية مع سبق الإصرار والترصد، ونقل وحيازة أسلحة نارية وذخيرة بغرض استعمالها في تنفيذ مخططات إرهابية، وتزييف وتزوير وثائق رسمية، وانتحال هوية وتقديم وجمع أموال وممتلكات وقيم منقولة بنية استغلالها في تنفيذ مشاريع إرهابية، وتعدد السرقات وتبيض الأموال"!!
كما تحركت أيضا أقلام "مغول الصحافة" تنعت المعتقلين، خاصة السياسيين الستة، بنعوت شتى، من خلال مقالات ذات عناوين، في بعض الجرائد، مثيرة ومُدينة، مثل "إرهابيو خمس نجوم" لمصطفى الزارعي (8)، ومثل "خفافيش الرعب" لـِ"صحفي" يُدعى محمد البودالي (9)، و"إسلاميون...بسلاح بن غوريون" لعلال محمد الفجري (10)، و"ويل للمشككين"، أي في الرواية الرسمية، لخالد العطاوي(11)، وغير ذلك من المقالات التي قد نعود إليها فيما يأتي بإذن الله تعالى.
غير أن المدعو سعيد لكحل –ويقدَّم للقراء على أنه "باحث في الجماعات الإسلامية"!!- استبعد في البداية أن يكون لدى القيادات السياسية الست المعتقلين فكر انقلابي واتصالات مع القاعدة. فقد صرح لجريدة "الصباح" "أن هذه القيادات أعلنت غير ما مرة أنها أحدثت القطيعة مع الفكر المتشبع بالعنف ومع الخيار الانقلابي تجاه الأنظمة. وأضاف أن القيادات المذكورة قررت عن طواعية أن تعمل في إطار المؤسسات الدستورية القائمة، واختارت النضال الديمقراطي والتصالح مع التيارات السياسية المختلفة"(12). بل إن الرجل أكد "أن القناعات الفكرية والسياسية لهذه القيادات لاتمت بأية صلة إلى الفكر الجهادي. واستبعد أيضا إمكانية تخفي هذه القيادات وراء مبدإ (التقية)" (13). ولذلك فاعتقال السياسيين الستة شكل –حسب هذا "الباحث"- "عنصر مفاجأة بالنسبة إلى المتتبعين لشأن الحركات الإسلامية وللشأن السياسي بصفة عامة" (14).
هذه التصريحات لا أدري متى أخذت من صاحبها، غير أنها نشرت في جريدة "الصباح"، يوم 21 فبراير 2008. وفي نفس اليوم حضر "الباحث"، مع بعض المفكرين والإعلاميين والحقوقيين، لقاءا مع وزير الداخلية آنذاك شكيب بنموسى، ووزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة خالد الناصري، وهو اللقاء الذي يقول عنه "الباحث" نفسه:
"كان اللقاء يوم الخميس 21/02/2008 بمقر وزارة الداخلية الذي حضره، بالإضافة إلى وزارة الداخلية وبعض مساعديه ووزير الاتصال، ثلة من المفكرين والإعلاميين والحقوقيين (15). واللقاء لم يأخذ الطابع الرسمي (16)، وكان بعيدا عن أي بروتوكول. كان لقاءا مفتوحا تشاوريا (17)، ولم يصدر عن أي مسؤول في الداخلية ما يُفهَم منه أي نوع من التوجيه، بل بالعكس، قدم الحاضرون وجهات نظرهم واقتراحاتهم (18) وانتقاداتهم لوزارة الداخلية ووزارة الاتصال. ولهذا فاللقاء كان تواصليا بالأساس تخلله غذاء ومناقشة، مما ينفي عنه كل صفة رسمية. ولا أخفيك أن السادة وزير الداخلية والوالي المدير العام للشؤون الداخلية ووزير الاتصال تلقوا بارتياح الأفكار والمقترحات والانتقادات. وتعد مثل هذه اللقاءات ضرورية لتبادل الآراء، على اعتبار أن خطر الإرهاب لايتهدد وزارة الداخلية وحدها، بل يتهدد الوطن برمته" (19).
بعد هذا اللقاء الذي " تخلله غذاء ومناقشة"، صرح "الباحث" بما يلي:
"نحن أمام شبكة إرهابية (20) عالية الدقة في التخطيط والتخفي لدرجة أنها أفلحت في أن تظل في منأى عن الرصد الأمني طيلة عقد ونصف، الأمر الذي يستدعي مزيدا من اليقظة ووضع كل الفاعلين والمواطنين أمام مسؤولياتهم" (21).
ثم حذر من خطر الإسلاميين فقال:
"نحن إذن أمام خطر ماحق (يقصد الإسلاميين) يأتي على كل القيم النبيلة التي تميز بيئتنا الاجتماعية وطبيعة العلاقات التي تربط بين الناس والقائمة على التسامح والتضامن والتعايش" (22).
ولايفوته أن يقدم الدروس:
"إن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة، ومتى افتقر بعض العاملين به لروح المواطنة، تحول إلى أداة هدم وتدمير لاتقل خطورة عن الأحزمة الناسفة، بل أشد خطورة" (23).
كم هو جميل أن يتكلم رجل عن "القيم النبيلة" و"مسؤولية الإعلام" و"روح المواطنة"! لكن كم هو قبيح ألا يتمثل الرجل نفسُه تلك القيم النبيلة، وألا يعتبر الإعلام مسؤولية، وأن يفتقر إلى روح المواطنة! خاصة حينما ينساق مع "الرواية الرسمية" فيرمي بالإرهاب من وصفه منذ بضعة أيام أنه أحدث " القطيعة مع الفكر المتشبع بالعنف ومع الخيار الانقلابي تجاه الأنظمة"، وذلك لما قال: "نحن أمام حقيقة صادمة هي انخراط أطر من النخبة الفكرية والسياسية ضمن الشبكة الإرهابية..."!!(24)، ولما أكد، حينما أجاب عن سؤال حول التباين والحذر في التعاطي مع الحدث، وأرجع ذلك إلى سببين، أحدهما: "يكمن في طبيعة المخطط الإرهابي والعناصر المنخرطة فيه، إذ لم يتوقع أحد أن يكون ضمن المعتقلين قادة في أحزاب سياسية لهم علاقات طبيعية مع الطيف السياسي" (25).
ثم ينتقد "الباحث" أصحاب موقف التشكيك في كل ما يصدر عن الدولة، خاصة في مثل هذه القضية، ثم يقول: "كان الأولى التركيز على خطورة الإرهاب واحترام القضاء" (26).
وتابع الرجل مسيرته في "تأكيد" اتهامات السلطة للمعتقلين مفتخرا:
"لنا أن نفخر بفاعلية الأمن المغربي الذي فكك كل هذه الخلايا وضبط كل هذه الترسانة من الأسلحة والمتفجرات دون أن يترك فرصة للإرهابيين لاستعمالها..."(27).
وقد علق رشيد نيني على هذا الكلام بقوله:
"جلسة واحدة مع وزير الداخلية تركت كل هذا المفعول. قبل أسبوعين قلت كلاما آخر على الجريدة...لكل مقام مقال"(28).
وفي جريدة "المغربية" ليومي 08و09 مارس كتب "الباحث":
"جاءت مناسبة اكتشاف وتفكيك خلية بلعيرج الإرهابية لتعيد التأكيد على الدور الحيوي لهذه الأجهزة الأمنية ومستوى جاهزيتها للتعامل مع مختلف المخططات الإرهابية. ويحق لنا كمواطنين أن نفخر بهذا الإنجاز الفعال والمهم، الذي لم تستطعه المخابرات وكل الأجهزة الأمنية البلجيكية، ومعها الأوربية، التي كانت وما زالت ضحية الاختراق من طرف التنظيمات الإرهابية، كما هو ثابت مع خلية بلعيرج، التي ظلت عناصرها مدسوسة كمخبرين يتقاضون تعويضات عن خدمات بسيطة..."(29).
ولما صدرت الأحكام الجائرة ضد أفراد الخلية المزعومة، صرح "الباحث" لقناة الجزيرة القطرية، في نشرة "الحصاد المغاربي" ليوم 17/07/2010، أنه "في الواقع، يقول مثل فرنسي:(الحقيقة تجرح لكنها لاتقتل)، وهذا ينطبق على حالة هؤلاء المعتقلين. طبعا، كثير من المغاربة لم يصدقوا في البداية أن يتورط هؤلاء المسؤولين السياسيين (كذا) ضمن هذه الخلية، ولكن ماقدمته الأجهزة الأمنية وماقدمته المحكمة من معطيات دليل كاف تعتمد عليه وتستند إليه المحكمة سواء في المرحلة الابتدائية أو في مرحلة الاستيناف لتوجيه الإدانة لهؤلاء المعتقلين "(30)، وتابع أنه لايعتقد "أن القضية سياسية لأن الدولة ليس لها ربح وفائدة من وراء هذا الملف، من وراء توجيه تهم باطلة إلى عناصر هذه الخلية، بالإضافة أيضا إلى أن ما ضبطته الأجهزة الأمنية من أسلحة ونوعية هذه الأسلحة والمخططات ينفي التهم عن الدولة وعن تسييس هذا الملف وتسييس هذه القضية. فالقضية هي قضية قضائية وليست سياسية "(31).
إذن، انتهى "شيخ مسيلمة" إلى التأكيد على أن أفراد الخلية المزعومة –ومنهم السياسيون الستة- إرهابيون ، وأن مااتهموا به ثابت في حقهم، وأن القضاء الذي أصدر في حقهم أحكاما جائرة قد أنصفهم!! بعدما استبعد من قبل أن يكون السياسيون الستة –على الأقل- إرهابيين.
فهل وقف الرجل هنا؟ لنتابع:
انتشرت هذا الشهر (مارس 2011) شائعات قوية تفيد قرب خروج السياسيين الخمسة الذين لازالوا معتقلين. وقامت أسرهم والمتعاطفون معهم بالاعتصام أمام بوابة سجن سلا في انتظار خروجهم. وكان لافتا للنظر حضور ممثلين عن شباب 20 فبراير لاستقبالهم. لكن لم يخرج أحد من أولئك المعتقلين!!
وعلى الفور بدأ بعض ممن كتبوا سابقا استجابة لاتهامات السلطة، يتراجعون لما سمعوا بالشائعات عما اقترفته أيديهم من مقالات "إجرامية" في حق أولئك المعتقلين وأسرهم. ومن هؤلاء "شيخ مسيلمة" هذا.
فبعد أن كان المعتقلون الستة –والذين أصبحوا خمسة كما سبق- إرهابيين ونالوا جزاءهم من قضاء عادل في نظره، أصبح هذا "الباحث" الآن يرى أن "هؤلاء المعتقلين، وخاصة قياديي البديل الحضاري وحزب الأمة يحظون بتقدير الطبقة السياسية، ليس فقط لما يعرف عن أشخاصهم من اتزان ونضج، بل وأساسا الأدبيات السياسية والفكرية التي ترجمت القناعات والمبادئ التي على أساسها شكلوا هيآتهم السياسية والقطاعات الموازية لها"(32).
بل يقدم شهادة لصالح حزبي البديل الحضاري والأمة –الممنوعين من حقهما في التنظيم السياسي- فيقول: "ليس من شك في أن الأدبيات الصادرة عن هذين التنظيمين ــ البديل الحضاري وحزب الأمة ــ تؤكد انفتاحهما على قيم العصر وثقافة حقوق الإنسان، رغم المرجعية الدينية التي يصدران عنها، الأمر الذي يضعهما على طرفي نقيض مع عقائد التطرف الديني وثقافة الكراهية" (33). ومصيبة هذا الرجل انه ينسى أنه قال مرة أن قضية المعتقلين الستة " قضية قضائية وليست سياسية " كما سبق، فيقول الآن، في صفاقة قل نظيرها، أن المظلمة التي لحقتهم إنما لحقتهم جراء اعتقال "هو في جوهره سياسي"(34)!!
وهنا يلزمني توضيح أمر أساسي هو: أن بعض أبناء حركة معينة قد يقدمون أقوال خصومها الشاهدة لها لإظهار قيمة ما تطرحه، وكأنهم يقولون: "انظروا، حتى الخصوم شهدوا لنا، والحق ما شهدت به الأعداء!".
غير أن غرض هذا المقال ليس هو هذا. فأقوال هذا الرجل لاتزن في نظري جناح بعوضة، وهي من صنف اللغو الذي لاطائل وراءه للأمة: هشاشة في التحليل، سوء نية في الخصم، منهج قائم على الوشاية والكذب والبهتان...والاهتمام بمقالاته إنما يرجع –بالنسبة لي على الأقل-إلى العمل على استخلاص بعض "قواعد المسلكية الاستئصالية" في التعامل مع الحركة الإسلامية. فهو يعتبر، كما ذكرت مرة، مع استئصالي آخر هو "جمال هاشم"، مايمكن أن نسميه "استئصاليا بالأصالة" لا بالتبعية. ولذلك فهو يفيد في معرفة:
-سمات الخطاب العلماني الحقود.
-قواعد المسلكية الاستئصالية في شكلها الوقح.
-خطاب الوشاية والتملق والنذالة الفكرية، وخدمة السلطة دون تكليف ولاطلب رسميين...
بالإضافة إلى أمور أخرى في المجال التربوي سيأتي ذكرها.
فلئن كان من حسنة لمقالات هذا الرجل، فهو هذا. وإلا فإن شهادته للمعتقلين الخمسة أو الستة أو غيرهم عديمة القيمة لسقوط "عدالة" صاحبها وتذبذب أقواله كما سبق.
وعودة إلى مقاله الذي نحن بصدده، كي نشير إلى أنه ذكر أن القضاء يمكن أن يقع في أخطاء، في نظره، بعدما كان يشيد بعدله وإنصافه. ولذلك رجا أن يكون هناك "مخرج مشرف ...لتصحيح الأخطاء التي يقع فيها القضاء، مثلما حصل في عدد كثير من الملفات التي طال أصحابها ظلم كبير، وكان جامع المعتصم آخرهم؛ أو للدولة نفسها تكفيرا عن الأخطاء التي ارتكبها القضاء" (35).
وبالفعل، فقد يقع القضاء –أي قضاء- في أخطاء: روى مالك‏ ‏في الموطإ عن ‏عروة ‏عن ‏زينب بنت أم سلمة ‏عن ‏أم سلمة ‏ ‏قالت: ‏ قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏"إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ‏ ‏ألحن ‏ ‏بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا،فإنما أقطع له قطعة من النار" (36).‏
فهل الحكم على أفراد ماسمي بخلية بليرج هي من هذا النوع من أخطاء القضاء؟
لاأرى ذلك، إذ القضاء لدينا غير مستقل، وشتان بين الأخطاء التي يشير إليها الحديث، وبين التبعية المؤدية حتما إلى الظلم!
غير أنه لاينتظر من "شيخ مسيلمة" أن يشير إلى تجرد القضاء في بلدنا عن الاستقلال، خاصة وأنه كان من المباركين للأحكام التي صدرت ضد السياسيين الستة والإخوة الذين معهم. ولذلك فهو يكتفي بذكر "الأخطاء" و"كل القضايا التي تسيء إلى سمعة المغرب وتنخر مقدراته، وفي مقدمتها الفساد بكل مستوياته وتلاوينه"(37). مع أنه ساهم هو الآخر، بمقالاته التي تسبح بحمد المسؤولين وتدين الأبرياء من أبناء الحركة الإسلامية، في هذا الفساد! أولا يشمل الفساد مباركة الظلم والاعتقال التعسفي وتلفيق التهم الباطلة...؟!
أما كلام الرجل حول أن "الجهود التي يبذلها المغرب في سبيل تحديث منظومته التشريعية والمؤسساتية تكسبه احترام الدول وتقديرها للتجربة المغربية الرائدة على مستوى العالم العربي، خاصة فيما يتعلق بتجربة الإنصاف والمصالحة التي جسدت شجاعة الدولة وجرأة النظام في الإقرار بأخطاء الماضي وطي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان..." (38). أقول: إن كلامه هذا هو كلام يتكرر في مقالات كثيرة له. ولاقيمة لهذا الكلام، خاصة وأن الواقع في البلد يكذبه، وخاصة أيضا أنه صادر عمن فقد "عدالته"، بالمعنى الاصطلاحي للكلمة في علم الحديث.
وقبل أن نختم، نحب أن نقول:
هذا الرجل درّس، وربما لازال يدرّس، مادة الفلسفة في التعليم الثانوي ببلدنا. فهو يمارس مهنة تربوية في تخصص يحث على استعمال العقل والتأمل، وعلى الحرية الفكرية وعقلية الحوار والسؤال والمناقشة...ومما هو محبذُ التطبيقِ في بلدنا –في مجال التربية والتعليم- "التربية على القيم" وعلى "المواطنة" وترسيخ الكفايات...ولعل تصرفات هذا المدرس "الحربائية" تمدنا بمواضيع للتفكير والبحث من قبيل:
-"الحربائية" والتربية.
-التربية على القيم ودور المدرس "الحربائي" في محاربتها.
-العلاقة بين المقاربة بالكفايات و"حربائية" المدرس: تكامل أم تناقض؟
-مواصفات المدرس "الحربائي"....
وإني لأقترح على الإخوة الطلبة الأساتذة –في مختلف مراكز التكوين- أن تكون مثل هذه المواضيع مجالا لبحوث تخرجهم، دون أن ينسوا بالطبع أن يضيفوا لعنوان البحث، بين قوسين، (شيخ مسيلمة نموذجا)!
ختاما نقول:
إن الاستئصال يقود إلى "العمالة الفكرية"، وإن تلك "العمالة" تقود إلى الفضيحة، ولايزال الرجل يتبنى الاستئصال ويتحراه حتى يُكتَبَ عند أبناء الشعب مفضوحا!
اعتذار ورجاء:
عذرا، سيدتي الحرباء، يامن خلقك الله سبحانه وتعالى أصلا حرباء، فإن مجامع اللغة العربية لم تمدني بعد بوصف آخر ينطبق على "شيخ مسيلمة" سوى اسمك. وإني لأرجو من أي قاريء توصل إلى كلمة يمكن بها وصف مثل هذه الحالة "الحربائية" لـِ"شيخ مسيلمة" أن يمدني به، ولأثقلنه حمدا وشكرا!
_______________
1-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ص 5/320.
2-أخرجه البخاري في الأدب، باب ما قيل في ذي الوجهين، حديث 6058.
3-أخرجه في الأدب، باب في ذي الوجهين، حديث 4873، وصححه الألباني في الصحيحة 889.
4-فتح الباري لابن حجر رحمه الله، ص 10/582.
5-في مقال ساخر اقترحت كلمة "القُذْف" (بضم القاف) بدل (الحُمق)، و(الأقذف) بدل (الأحمق)، لأن للسفاح مرضا خاصا به ! لذلك أرى، والله أعلم، أنه من الأفضل اشتقاق اسم مرضه من اسمه هو نفسه. والغريب أن أعراض هذا المرض بدأت تظهر أخيرا على الرئيس السوري، في تعامله مع أحرار سوريا.
6-ذكر الصحفي رشيد نيني في عموده اليومي "شوف تشوف"، في حلقة بعنوان: "الكلمة للشعب"، عن المعتقلين السياسيين الستة مايلي: "يعرف الجميع أن محاكمتهم وسجنهم وحل حزبهم كان مجرد نزوة من نزوات الهمة بسبب رفض بعض هؤلاء منحه حزبهم لكي يفعل به ما يريده".جريدة "المساء" المغربية، عدد 1391، الإثنين 14/03/2011.
7-هم، للتذكير: أستاذنا محمد المرواني، والإخوة: د. العبادلة ماء العينين، ود. محمد الأمين الركالة، وذ. مصطفى المعتصم، والصحفي عبدالحفيظ السريتي، وذ. حميد نجيبي الذي أكمل المدة المحكوم عليه بها.
8-جريدة "الصباح"، عدد 2450 بتاريخ الإثنين 25 فبراير 2008.
9-نفس الجريدة ونفس العدد.
10-جريدة "الأحداث المغربية"، عدد 3305 بتاريخ الإثنين 25 فبراير 2008.
11- جريدة "الصباح"، عدد 2460 بتاريخ الجمعة 07/03/ 2008.
12- جريدة "الصباح"، عدد 2447 بتاريخ الخميس21 فبراير 2008.
13و14-نفسه.
15-صاحب هذا الكلام، وهو مدرس لمادة الفلسفة في التعليم الثانوي، يحشر نفسه ضمن " المفكرين والإعلاميين والحقوقيين". والجميع يعرف أنه ليس إعلاميا ولاحقوقيا. فهل يعني هذا أنه "مفكر"؟
لعل الجواب نجده في مقال له ينتقد أحد الصحفيين، رشيد نيني، حيث قال: "لقد كتب صاحبنا في كل المواضيع التي تجعل منه مستأسدا، ليس لأنه صاحب صولة وجولة، ولكن لوجود مناخ ديمقراطي يسمح بالتنطع والاستئساد باسم حرية الصحافة وحقوق الإنسان. وهذا دأب كثير من المستأسدين الذين يبنون مواقع وهمية، وينحتون شخصيات هلامية وعنتريات كارتونية قد يخالها المتتبع أنها دليل شهامة يستنصر بها كل مظلوم أو مغبون..."(من مقال له في جريدة "الأحداث المغربية"، عدد 3314 بتاريخ الإثنين 05مارس 2008، تحت عنوان: "وإذا المستأسدون سئلوا لأي سبب جبنوا"). ونرى أن هذا الكلام ينطبق تمام الانطباق على صاحبه، "الباحث في الجماعات الإسلامية" نفسه.
16-أي طابع أخذ إذن: "أخوي"؟ إخباري أو "تواصلي" كما قال فيما بعد؟ وأي نوع من التواصل؟ فالتواصل "فيه وفيه"!
17-مسؤولو الداخلية "يتشاورون" مع سعيد لكحل! وفي قضية ما سمي ب"خلية بليرج"! شكرا شيخ مسيلمة، فالاعتراف سيد الأدلة!
18-ترى ما الذي اقترحه سعيد لكحل على مسؤولي الداخلية بخصوص الحركة الإسلامية أو "خلية بليرج"؟
19-من حوار مع سعيد لكحل أجرته جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، عدد 8808 بتاريخ فاتح مارس 2008. وقد أجرت الحوار الصحفية نجاة بطل، ونعتت هذا "العميل الفكري" بأنه "باحث في الجماعات الإسلامية وقضايا الإسلام السياسي"، وهي شهادة زور لصالح من يحب اللقاء بمسؤولي الداخلية و"تبادل الآراء" معهم حول الحركة الإسلامية !!
20-يقصد ما سمي ب"خلية بليرج".
21-الحوار في جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، عدد 8808 المذكور.
22و23و24و25و26-نفسه.
27-مقال: "وإذا المستأسدون سئلوا..." السابق ذكره.
28- جريدة "المساء" المغربية، عدد 455، الخميس06/03/2008، عمود "نتا بركم وأنا نفهم".
29-جريدة "المغربية"، عدد 6910، بتاريخ السبت والأحد 8و9 مارس 208، مقال:"لامنزلة وسطى بين الديمقراطية والإرهاب".
30و31-من تصريحه للقناة. وانظر حول تصريحاته مقالنا "وقاحة الاستئصال"، على الرابط:
hassanla.maktoobblog.com
32و33و34و35-مقاله: " العفو عن المعتقلين السياسيين تكريس للحكمة والتعقل" المنشور بجريدة الصباح، عدد 3406 بتاريخ الجمعة 25/03/2011.
36- أخرجه في الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطا.
37و38-المقال السابق بعنوان: " العفو عن المعتقلين السياسيين...".

الأحد، 20 مارس 2011

بيان مجموعة من الحمقى في التبرؤ من القذافي




قال الراوي:
على إثر البيان الذي صدر عن "الجمعية الإبليسية لشياطين الكون من الإنس والجن"، والذي تبرأ فيه "إبليس اللعين" مما يفعله القذافي ويقوله، فكر بعض المجانين والحمقى في البلاد العربية في إصدار بيان مثله، خاصة وأن هناك الكثير من الناس ممن ينعتون القذافي بالأحمق والمجنون والمخبول... ولذلك تطوع أحد المجانين، بعد أن أصبح عاقلا لفظاعة مارآه مرة في قناة تلفزيونية من قتل وذبح وتنكيل بالأبرياء من طرف السفاح القذافي (1)، لنشردعوة لمجانين العرب، وكانت الدعوة كالتالي:
[إلى كل المجانين في الدول العربية:
لايخفى عليكم مايتردد على ألسنة عقلاء العرب، بل العالم، خاصة عند الغضب، من سب وشتم ونقيصة لمن غضبوا منه. ولعل من أكثر الكلمات تداولا في الشتم كلمات: أحمق ومخبول ومجنون ومأفون وأخرق...وآخر مما يحز في النفس إطلاق صفة الأحمق على القذافي، الرجل الدموي في ليبيا!
لذلك أدعو الجميع إلى الاجتماع قصد التداول في الأمر.
والدعوة عامة].
وفي آخرالدعوة ملحوظتان هما:
1-إن المدعو (مجنون ليبيا) غير مرحب به في اللقاء.
2-سيتم الاجتماع في الولايات المتحدة، نظرا لأنها مركز "المجانين العقلاء" (2)، والتنقل والتغذية والمبيت مكفولة من منظمة مجنونيسيف.
وبالفعل اجتمع مجموعة من الحمقى من الدول العربية في المركز المذكور، وساعدتهم في ذلك منظمة "مجنونيسيف"، المنظمة العربية للمجانين، وهي تابعة لمنظمة "مجنونيسكو"، المنظمة العالمية للمجانين.
وبعد النقاش والتداول في الأمر من جميع وجوهه، وبحدة ملحوظة، أصدر المجانين والحمقى البيان التالي:
بيان إلى الرأي العام العاقل
اعتاد عقلاء الناس شتم غيرهم بألفاظ من قبيل الأحمق والمجنون، وتحملنا –نحن مجانين العالم العربي- هذه الإهانة مدة طويلة. لكن آلمنا أكثر وصف القذافي بمثل الألفاظ المتعلقة بنا، والتي هي من صميم هويتنا.
إننا، نحن مجانين العالم العربي، والمجتمعين في مركز "المجانين العقلاء"، وفي إطار منظمتنا العتيدة "مجنونيسيف"، نستنكر إطلاق ما يعتبر جزءا لايتجزأ من هويتنا على رجل تبرأ منه ومن تصرفاته وأقواله حتى "إبليس اللعين"، ونعلن للرأي العام العاقل مايلي:
1-أننا، نحن مجانين العالم عامة، والعالم العربي خاصة، نؤكد على أن لنا تاريخا، أكد على ذلك أحد كبار العقلاء من فرنسا (3). فأي تاريخ للقذافي سوى التاريخ الأسود في الذبح والقتل وسفك الدماء؟
إننا لانقبل أن يشوه تاريخنا النقي من طرف مثل هذا الرجل الدموي!
2-أننا في المنطقة العربية بنينا تراثا لايزال كثيرون يفتخرون به. فلقد اشتهر منا جدنا الأكبر "هبنّقة"، حتى قيل "أحمق من هَبَنَّقة" (4). واشتهر منا، في بعض الآراء، جحا. ومنا "خذنة" و"أبوغبشان" و"عجيل بن لجيم". وإلى الآن يقال، مثلما قيل عن هبنقة: "أحمق من جحا" و"أحمق من حذنة"، ومثله عن عجيل بن لجيم...
واشتهر منا شعراء حمقى أو أحبوا نيل شرف الانتماء إلينا فتحامقوا، مثل سعد القرقرة الجاهلي،وأبي العَبَر الهاشمي... ولم يرد في شعرهم ما يدعو إلى القتل وسفك الدماء كما يفعل القذافي، بل لم يصدر عنهم أي بيت يمجّد ذلك القتل، مثلما قيل أن القذافي كان يترنم كثيرا بالأبيات التالية:
جثتٌ...بأعداد الرمـــــــالِ
ذُبِحَت...ومن كهلٍ لناشيءْ
وجماجم الأشلاء...تهـــوي
إن نام موجٌ...ناح شاطيءْ (5)
بل إن أحد الشعراء العقلاء قال:
ملكنا فكان العفو منا سجيـــــة فلما ملكتم سال بالدم أبطـــــــــح
وحللتم قتل الأسارى وطالمــا غدونا عن الأسرى نعف ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننــــــا وكل إناء بالذي فيه ينضــــح (6)
لكن القذافي لايتذكر من هذه الأبيات سوى ما كان يترنم به، وهو كالتالي:
...... سال بالدم أبطـــــــــح غدونا عن الأسرى نقتل ونذبح
3-أن أبا القاسم بن حبيب النيسابوري، صاحب كتاب "عقلاء المجانين"، ذكر فيه كثيرا ممن اعتبرهم كذلك من الزهاد وغيرهم، ولم يذكر من ضمنهم القذافي. كما أن الإمام ابن الجوزي لم يذكر هو الآخر القذافي ضمن من ذكرهم وذكر حكاياتهم في كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين".
4-أن من شعراء العرب العقلاء أيضا من قال حول الحمق، مثلا:
لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها
فحماقتنا لادواء لها. لكن القذافي يؤمن بوجود دواء لحمقه المزعوم، والدليل على ذلك أنه يتخذ الممرضات من أوكرانيا لـِ"علاجه" و"دوائه"!!
5-أن القذافي يتبرأ من الحمق والحمقى. فقد بلغ الجميعَ أن القذافي لما قرر مرة الصعود إلى الشمس كما صعد غيره إلى القمر، ولما ذكر له أحدهم أنه سيحترق، رد عليه بالحرف: ياأحمق، سنصعد إليها ليلا.
فهاهو هنا يصف غيره بالحمق، مما يعني تبرؤه منه. إنه ليس منا ولا من جماعتنا ياهؤلاء! فلماذا تصرون على نعته بـِ"الأحمق"؟
6-أن من الألفاظ المرادفة لكلمة "الأحمق" أو القريبة منها: الأبله، والمائق، والمعضل، والمسلوس، والمأفون، والمأفوك، والألق، والهبنق، والخطل، والخرف، والأخرق، والأغفك، والألفت...وغير ذلك من الألفاظ الكثيرة، حتى قيل، كما يعلم عقلاؤكم: "لو لم يكن من فضيلة الأحمق إلا كثرة أسمائه لكفى". والقذافي لايعلم بوجود كثير من هذه الألفاظ بله أن يعرف معانيها. فكيف يجوز لشخص أن يجهل الكثير من أسماء نفسه، إن لم تكن غير منطبقة عليه؟ إن القذافي –لو كان أحمق كما تقولون ظلما لنا وشهادة زور علينا- لكان يعرف هذه الأسماء ومعانيها.
بل إن العالم لايعرف للقذافي سوى اسمين هما: عبدالسلام، اسمه الأول، ومعمر الذي اتخذه لنفسه(7)، وليس منها أي من أسمائنا السابقة.
7-أن من شعرائكم أيضا من تهكم من منطق الاستعمار، فقال:

يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّمُ !
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم !
وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا
وتثّبتوا فـي جهلكـم فالشـر أن تتعلمـوا
أما السياسة فاتركـوا أبـدًا وإلا تندمـوا
ان السياسة سرها لـو تعلمـون مُطَلسـم
واذا أفضتم في المباح من الحديث فجَمْجموا
والعدلَ لا تتوسمـوا والظلـمَ لا تتجهمـوا
من شاء منكم أن يعيش اليوم وهو مكـرّم
فليُمْسِ لا سمعٌ ولا بصـرٌ لديـه ولا فـم
لا يستحـق كرامـةً إلا الأصـمُّ الأبـكـم
ودعوا السعادة إنما هي في الحيـاة توهّـم
فالعيش وهو منعّمٌ كالعيـش وهـو مذمّـم
فارضَوا بحكم الدهر مهما كان فيـه تحكّـم
واذا ظُلمتم فاضحكوا طربًـا ولا تتظلمـوا
وإذا أهنتم فاشكروا وإذا لُطمتـم فابسمـوا
إن قيل هذا شهدُكـم مـرٌّ فقولـوا علقـم
أو قيـل إن نهاركـم ليـلٌ فقولـوا مظلـم
أو قيل إن ثِمادَكـم سيـلٌ فقولـوا مُفعَـم
أو قيل إن بلادكم يا قـوم سـوف تُقسَّـم
فتحمّـدوا وتشكّـروا وترنّحـوا وترنّمـوا!(8)
غير أن القذافي كان يؤمن بوجوب تطبيق مضامين هذه القصيدة بالحرف على الشعب، فكان يبلغ به الوجد والطرب مَداهما حينما يترنم بها. غير أنه كان يضيف إليها لازمة "زنكة زنكة" بعد كل بيتين، هكذا:
يـا قـومُ لا تتكلمـوا إن الكـلامَ محَـرّمُ !
ناموا ولا تستيقظـوا مـا فـاز إلا النـوّم!
زنكة زنكة
زنكة زنكة
وتأخروا عن كل ما يقضي بـأن تتقدمـوا
ودعوا التفهم جانبًا فالخيـرُ أن لا تفهمـوا
زنكة زنكة
زنكة زنكة
.....................
....................
وهكذا.
في حين نحن لاتطربنا مثل هذه القصائد، بل لنا "قصائدنا" الخاصة بنا، والتي نعرف حق المعرفة أنها لاتطرب غيرنا، بل ربما تثير شفقتهم علينا ويعتبرونها لغوا من الكلام.
وأخيرا، نقول لعقلاء العرب وغيرهم:
كفى ظلما لنا بإضفاء هويتنا على القذافي، فقد قلنا أنه لاهو منا ولانحن منه. ويكفينا أننا ظُلِمنا في التاريخ ظلمات شتى. وفي علمكم عزلنا عن المجتمع والزج بنا في السجون في فرنسا بمقتضى أول قرار للعزل سنة 1656، وثاني قرار سنة 1793. في حين نرى أن الذي ينبغي أن يُعزَل، من الحكم ومن المجتمع، هو القذافي لا نحن!
ونقترح، بالمناسبة، نحت كلمة أخرى يوصف بها القذافي ومن يظهر مستقبلا على شاكلته، هذه الكلمة قد تكون هي "الأقذف" وليس "الأحمق".
ودمتم على الحُمْق لا "القُذْف".
مجانين عرب من منظمة "مجنونيسيف".
قال الراوي:
أُرْسِلت نسخ من هذا البيان إلى مجموعة من الجرائد، لكنها تحاشت نشره، خاصة وأن من رؤساء تحريرها من يُشْتَبَهُ في إصابته بمرض "القُذف"(9)، عافانا الله وإياكم منه.
__________
هذه الهوامش من الراوي:
1-لاريب أن مافعله السفاح بالمدنيين من شيوخ ونساء وأطفال وغيرهم، حينما كانت كتائبه الدموية تطوف وتذبح في أي مدينة دخلتها " بيت بيت، دار دار، زنكة زنكة، فرد فرد"كما قال هو نفسه، من الأهوال التي يشيب لها الولدان، ويجن لها ذوو العقول الكبيرة، وربما قد "تضع كل ذات حمل حملها"، بل قد يصبح الأحمق الذي لايميز بين القرد والحمار عاقلا لهول الصدمة!
2-هي مركز "المجانين العقلاء" لأنه سبق لمجموعة ممن أشرفوا على الجنون أن حكموها، أمثال "هاري ترومان" الذي سمح بإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما ونكازاكي باليابان، وجورج بوش الأب والإبن السفاحيْن، ووزير الدفاع السابق في حكومة بوش الإبن، مجرم الحرب دونالد رامسفيلد وغيرهم...
3-ربما يقصد المجانين المفكر الفرنسي "ميشيل فوكو" لما كتب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي".
4- عـُرفَ هَبنـَّـقة بالحمق والغفلة، وقد ضُربَ به المثلُ فيهما (واسمه يزيد بن ثروان من قيس بن ثعلبة)، وبلغ من حمقه أنه كان يعلق في عنقه قلادة ً من عظام ٍ وودع ٍ وخزف، ويقول : أخشى أن أضيعَ من نفسي. وذاتَ ليلة ٍ حوَّلت أمه قلادته إلى عنق ِ أخيه، فلما أصبح ورآها قال : أخي ، أنتَ أنا ، فمن أنا ؟
ومن حماقته أن قوما ً من بني طفاوةَ وبني راسب ٍ اختصموا في رجل ٍ كلٌ منهما يدَّعي أنه منهم ، فاحتكما إلى هبنقة ، فقال : حـُـكـْمـُـهُ أن يـُـلقـَـى في الماء ، فإن طفا فهو من بني طفاوة ، وإن رسب فهو من بني راسب. فقال الرَّجلُ : إن كان الحـُـكمُ هذا فقد زهدتُ من الطائفتين .
5-من قصيدة الشاعر ضياء الجبالي: "القتل في عصر الطواريء".
6-للشاعر ابن الصيفي المعروف ب"حيص بيص".
7-قيل أنه كان له، لما كان صغير السن، اسم ثالث هو "جحش"، وقد تغير هذا الإسم من تلقاء نفسه لما كبر القذافي. وبهذا الإسم الذي عوض لديه اسم "جحش" نعته مجموعة شباب الفايسبوك من قبل لما وزعوا منشورا في طرابلس كتبوا عليه "القذافي حمار". ولست أدري لماذا اعتقلهم بتهمة "إفشاء سر من أسرار الدولة"!!
8-قصيدة " الحرية في سياسة المستعمرين" الرائعة للشاعر العراقي معروف الرصافي.
9-"القُذْف" بضم القاف لافتحها. وهناك مرض آخر لم يتم التوصل إلى اسمه، لكن بعض أعراضه تشبه بعض أعراض مرض "القُذف". وقد قيل أن حاكم اليمن مصاب بهذا المرض الذي لم يُعرَف، خاصة وأن الحاكم المذكور بدأت تظهر عليه بعض الأعراض السابقة. فهل هي بداية إصابته بمرض "القُذف" المعدي، أم أن الأمر يتعلق بمرض آخر؟ المستقبل كفيل بتقديم الجواب، خاصة إذا تشبث الحاكم بالكرسي.

الجمعة، 18 مارس 2011

"ميراث المرأة وقضية المساواة" للدكتور صلاح الدين سلطان.


تقديم
نشر هذا المقال في جريدة"النبإ"- التي كانت تصدر بالمغرب- على حلقتين(في عدد23 بتاريخ شعبان 1420/ نونبر 1999 وعدد 24 بتاريخ رمضان 1420/ دجنبر 1999 )، وأعيد التذكير أن الجريدة كان يترأس تحريرها الأخ المعتقل عبدالحفيظ السريتي، فك الله أسره، وهو معتقل- في انتظار متابعة محاكمته التي بدأت يوم الخميس 16 أكتوبر 2008- مع مجموعة إخوة هم:
- ذ.محمد المرواني، أمين عام حزب الأمة المحظور.
- د. عبادالله ماء العينين، عضو حزب العدالة والتنمية، ومسؤول ملف الوحدة الترابية بالمغرب في حزب العدالة والتنمية.
- ذ.مصطفى المعتصم، الأمين العام لحزب البديل الحضاري المنحل بقرار من الوزير الأول عباس الفاسي.
- د. محمد أمين الركالة، الناطق الرسمي للحزب.
- ذ. حميد نجيبي، عضو الحزب الاشتراكي الموحد.
وللإشارة فإن الجريدة المذكورة كانت للحركة من أجل الأمة التي خرج من رحمها معظم مؤسسي حزب الأمة، وعلى رأسهم أخونا الأستاذ المرواني حفظه الله وباقي المعتقلين.
وإن إعادة نشر المقال هنا راجع إلى الهجمة التي يتعرض لها الآن حكم الله سبحانه في ميراث المرأة، من عضوة في رابطة نسوية ذات منحى يساري، لكنه"يسار أمريكي"، وبعض أشباه المثقفين "التتار" الذين يتحينون الفرص تلو الفرص للإنقضاض على الحركة الإسلامية بالمغرب المسلم، ولكن هيهات إإ وهيهات إإ وهيهات إإ..... إلى أن ينقطع النفس إ

عرض الكتاب:
لعل مما أسال مداد الكثير من المثقفين العلمانيين- والذين ابتليت بهم هذه الأمة- موضوع الإرث في الإسلام، وخصوصا نصيب المرأة مقارنا بنصيب الرجل، وهو ما تؤطره الآية الكريمة:(للذكر مثل حظ الانثيين)(النساء:11). فالعلمانيون يرون في هذه الآية ظلما للمرأة وإضرارا بها، وهم بالتالي يدعون إلى إلغاء حكمها في اتجاه إعطاء المرأة نصيبا كاملا لا نصفه فقط . ودعوتهم إلى ذلك تتم بطرق صريحة أحيانا، وبأساليب ملتوية أحيانا أخرى، حيث جاء في بلاغ صحفي لإحدى المنظمات النسوية- مثلا- دعوة صريحة إلى [إقرار مبدإ المساواة في الإرث](1). وجاء في [بيان لمجموعة من المثقفين العرب]قولهم:
[... عطفا على المساواة بين الجنسين في الشهادة والإرث، ندعو المشرع في البلاد العربية والإسلامية إلى إلغاء تعدد الزوجات](2).
على أن البعض لجأ إلى مقولة الاجتهاد كي يبطل حكم الآية، مثل حسن حنفي الذي قال:[كانت المرأة حتى وجودها عار... ولم يكن لها ميراث ولم يكن يعترف بها وليس لها شهادة. فجاء الإسلام واعترف بها ككائن حي لها نصف شهادة الرجل ولها نصف ميراثه. فبروح الإسلام أستطيع أن أطور هذه الأشياء وأدفعها أكثر وأجعل للمرأة إرادة كاملة وميراثا كاملا، إلا إن كنتم تريدون أن تقتلوا كل مجتهد](3).
وتفضل(خطتنا) (لإدماج المرأة في التنمية) استبطان تلك الدعوة بتركيزها على التربية على المساواة من خلال النوع، وهو ما يتضمن ضرورة تقسيم التركة بين المرأة والرجل بالتساوي.
والذي يلاحظ على هؤلاء أنهم:
1- تعاملوا مع حكم الآية الكريمة بمعزل عن بقية أحكام الإرث الأخرى أولا.
2- تعاملوا مع حكمها ثانيا بمعزل عن بقية أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة حكم وجوب نفقة المرأة على أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها، حينما تكون بنتا أو أختا أو أما أو زوجة، وغير ذلك من الأحكام الشرعية.
والكتاب الذي نقدمه هو القسم الأول من دراسة جادة حول الموضوع (4)، وهو عبارة عن استقراء للحالات الممكنة التي ترث فيها المرأة ومقارنتها بحالات نظيرها من الرجال، لمعرفة كم هي الحالات التي ترث فيها نصف نصيب الرجل، والحالات التي ترث فيها مثله، ثم تلك التي تفضله فيها.وهدف المصنف [أن تحظى هذه الدراسة برضا الباحثين عن الحقيقة، وأن ترد أصحاب عقول لبس عليها أن الإسلام ظلم المرأة في ميراثها، وأن توقف الدعاوى الهوجاء بالاجتهاد في حق المرأة في الميراث لتكون مثل الرجل دائما ](ص12/13).
أما السبب الدافع لتأليف الكتاب فيعود إلى ماذكره صاحبه في قوله:[إن حق المرأة في الميراث لم أقف فيه على دراسة علمية متأنية تعالجه معالجة موضوعية، فانتدبت نفسي تقربا إلى الله تعالى، وحمية على هذا الدين المتين، والتماسا للمعذرة بين يدي الله تعالى يوم الدين، لأن هذا من فروض الأعيان علينا نحن المتخصصين في الشريعة الإسلامية](ص10).
وقد قام المصنف، على مستوى المنهج، بوضع المرأة [مكان من يحاذيها من الرجال في قوة القرابة ودرجتها](ص10) كما سيأتي. فأوصلته نتيجة الاستقراء لحالات الإرث إلى تصنيفها في أربع مجموعات يذكرها كما يلي:
[1- هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.
2- هناك حالات أضعاف ما سبق ترث فيها المرأة مثل الرجل تماما.
3- هناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل .
4- هناك حالات ترث فيها المرأة ، ولا يرث نظيرها من الرجال ](ص10/11) (5).
يتألف القسم الأول من هذه الدراسة من مقدمة وفصل واحد. يستعرض المصنف في المقدمة سبب التصنيف ومنهج الدراسة والنتيجة التي توصل إليها بإيجاز كما مر، بالإضافة إلى ملخص لأبحاث القسم الثاني من الكتاب، وقد طبع هذا القسم الأخير مستقلا .
وقد أشار المصنف في المقدمة أيضا إلى أن موضوع المرأة من المحاور المركزية في الحرب التي يشنها العلمانيون على الإسلام، كما في قوله: [ومن هذا الزبد الرخيص استغلال موضوع المرأة ليكون مرتعا خصبا للهجوم على الإسلام، فيرون أن تشريعات الإسلام قد ظلمت المرأة ظلما بينا عندما جعلت القوامة للرجل دونها، وجعلت للرجل دونها حق تعدد الزوجات، وحبستها وراء الأسوار، ومنعتها من الولاية العامة، وأعطتها نصف الرجل في الميراث](ص8/9).
ويذكر المصنف من وسائل ذلك الاستغلال إقامة المؤتمرات مثلا، مثل مؤتمر السكان في مصر(1994)، ومؤتمر بكين(1995) قرة عين مناصري ما سمي ب"الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية" في بلدنا إ...
أما الفصل الذي عنونه ب (حق المرأة في الميراث في الشريعة الإسلامية ) فقد ضم أربعة مباحث:
- الأول: الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل.
- الثاني: حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل.
- الثالث: حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.
- الرابع: حالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل.
وقد مهد لهذه المباحث بمدخل زاد فيه منهج دراسته توضيحا. فهو حين يعقد المقرنة بين نصيب المرأة ونصيب الرجل، يستحضر طرق الترجيح بين العصبة، بحيث تعتمد تلك المقارنة على:
1- جهة القرابة، حيث يقارن مثلا بين الأم والأب لا بين الأب والبنت، وبين الإبن والبنت لا بين الإبن والأخت مثلا، وهكذا...
2- درجة القرابة، إذ يقارن بين الإبن والبنت لا بين الإبن وبنت الإبن مثلا، وهكذا...
3- قوة القرابة، فلا يقارن بين أخ شقيق وبين أخت لأب أو لأم مثلا، بل بين أخ شقيق وأخت شقيقة، وبين أخ لأب وأخت لأب، وهكذا...
*المبحث الأول: الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل:
بعد الاستقراء لجميع حالات الإرث، وجد المؤلف أن المرأة ترث نصف نصيب الرجل في أربع حالات هي:
1- بنت، ابن.
2- أب، أم.
3- أخ شقيق أو لأب، أخت شقيقة أو لأب.
4- حالة الزوج وحالة الزوجة، علما أنهما لا يمكن أن يجتمعا في فريضة واحدة، وهذا انطلاقا من قوله تعالى :(ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين. ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين )(النساء: 12).
*المبحث الثاني:حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل:
وهي أضعاف الحالات السابقة كما سبق القول. ولم يذكرها المصنف كلها، بل اكتفى بإعطاء مجموعة من الأمثلة، منها:
أ- حالة ميراث الأم مع الأب، مع وجود فرع ذكر أو أنثى منفردة أو متعددة، ومن ذلك مثلا ما هو مبين في الجداول التالية:(على يمين كل جدول نصيب الوارث)


في هذين المثالين ورثت الجدة مثل الأب، مع أنه أقرب منها للهالك.
ب- حالة اإخوة للأم، ذكورا وإناثا، في الكلالة، وفي هذه الحالة يرث الأخ للأم مثل الأخت للأم عند الانفراد(1/6)، وعند التعدد يشترك الأخ للأم مع الأخت للأم في (1/3) يقتسمانه بينهما بالتساوي.
ج- حالة المشتركة:
وهي الفريضة التي فيها زوج وأم أو جدة ومتعدد من الإخوة لأم وأخ شقيق أو أكثر. فإذا ما أخذنا- لتقسيم التركة- بظاهر النص، وذلك بإعطاء ذوي الفروض (وهم هنا كل الورثة ما عدا الأخ الشقيق) فروضهم أولا، فإنه لن يبقى للأخ الشقيق أي شيء، كما هو واضح في الجدول التالي، على الرغم من أنه أقرب للهالك مقارنة بالإخوة للأم:

وقد قضى عمر وزيد وعثمان رضي الله عنهم بتوريث الأخ الشقيق(أو الإخوة الأشقاء كما هو الحال هنا) بإشراكه مع الإخوة لأم في الثلث، فيصبح وارثا معهم كأنه فرد منهم، ويتساوى معهم في الأنصبة ذكورا وإناثا.
د- تساوي المرأة والرجل عند انفراد أحدهما بالتركة في حالتي الرد وتوريث ذوي الأرحام، وهو ما يوضحه الجدول التالي:(6)

ه- تساوي الأخت لأم مع الأخ الشقيق دون تشريك(أي في غير المشتركة) كما في الحالة التالية:

هنا لم يبق للأخ الشقيق سوى سهم واحد مثل الأخت لأم، مع أنه الأقرب للهالك منها.
و- يذكر المصنف حالات أخرى مثل تساوي الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق، وتساوي عدد الرجال مع عدد النساء في من لا يحجبون أبدا حجب إسقاط، وميراث ذوي الأرحام، وهي حالات لا نطيل في ذكرها، ويغني غيرها عنها في إظهار المقصود.
*المبحث الثالث:حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل:
توصل المصنف في هذا المبحث، وعن طريق الاستقراء، إلى [أن النساء يرثن أكثر بالفرض، وأن إرثهن بالفرض أحظى لهن من ميراثهن بالتعصيب في حالات كثيرة](ص32). وعند استعراضه للفروض والمقارنة بينها تبين له ما يلي:
1- أكبر الفروض في القرآن(2/3) لا يرثه أي رجل، بل نساء.
2- النصف لا يرثه من الرجال أحد سوى الزوج، وفي حالة قليلة الوقوع، وترثه أربع نساء.
3- الثلث ترثه الأم في حالة والأخوات لأم عند التعدد، ولا يرثه من الرجال سوى الإخوة لأم، وقد تكون معهم أخوات لأم.
4- السدس ترثه خمس نساء وثلاثة رجال.
5- الربع للزوج في حالة، وللزوجة في حالة.
6- الثمن لا ترثه إلا الزوجة.
ويأتي المصنف بأمثلة تبين أن فرض الثلثين أفضل للمرأة من التعصيب مع الرجل أحيانا، كما في المثالين التاليين:
* المثال الأول:

فنصيب البنتين هنا أكثر من نصيب الإبنين، وأفضل لهما من تعصيب إحداهما بأخيها، كما هو واضح من المقارنة بين نصيب كل بنت ونصيب كل ابن.
* المثال الثاني:

من الواضح أن 4 من 8 أفضل للأختين من 2 من 6 .
ويورد المصنف أيضا أمثلة تبين أن [فرض النصف أفاد الإناث عن التعصيب للرجل أحيانا](ص36)، وهكذا يفعل أيضا مع فرض الثلث وفرض السدس.
*المبحث الرابع: حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال:
من أمثلة ذلك:
*المثال الأول:

لم يبق لابن الإبن شيء، في حين ترث بنت الإبن.
*المثال الثاني:

هنا ترث الأخت للأب، في حين لا يرث الأخ للأب شيئا .
ويلجأ المصنف أيضا للكلام عن حالات للجدة، يتحقق فيها أيضا إرث المرأة وعدم إرث الرجل.
ولا ينبغي أن ننسى بعض الإشارات المهمة للمصنف وللذي قام بتقديم الكتاب(وهو المفكر الإسلامي محمد عمارة) حول إرث المرأة، منها مثلا ما ذكره هذا الأخير لمجموعة من النساء زرنه ليسألنه عن حقيقة الرؤية الإسلامية التي عليهن تقديمها لمؤتمر بكين- وقد كن يتهيأن للمشاركة فيه (7)- فقال لهن، من ضمن ما قاله، أن [التمايز في الميراث لاتحكمه الذكورة والأنوثة، وأنه محكوم بمعايير ثلاثة:
أولها: درجة القرابة بين الوارث، ذكرا أو أنثى، وبين الموروث المتوفى. فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث.
وثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال ... فالأجيال التي تستقبل الحياة عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين... فالبنت ترث أكثر من الأم، وكلتاهما أنثى، بل وترث أكثر من الأب. والإبن يرث أكثر من الأب، وكلاهما من الذكور.
وثالثها: العبء المالي الذي يوجب الشرع على الوارث القيام به حيال الآخرين.. وهذا هو المعيار الذي يثمر تفاوتا بين الذكر والأنثى... لأن الذكر الوارث هنا في حالة تساوي درجة القرابة والجيل، مكلف بإعالة زوجة أنثى، بينما الأنثى الوارثة إعالتها فريضة على الذكر المقترن بها. وحالات هذا التمييز محدودة جدا إذا ما قيست بعدد حالات المواريث](ص04).
ومن تلك الإشارات المهمة أيضا قول المصنف أنه ركز على العلاقة [بين الميراث والنفقة للبنت ثم للأم ثم للأخت ثم للزوجة، وهي الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل أحيانا، مع حالات أخرى تظهر أخيرا من مقررات الشريعة توازنا دقيقا بين حقي المرأة في الميراث والنفقة بشكل يجعلها إما تساوي الرجل أو هي أحظى منه مراعاة لضعفها عن مسايرة الرجل في التكسب والتربح. كما تظهر الدراسة أن المرأة تساوي الرجل في حق الميراث أو تأخذ أكثر منه عندما يقل ضمان كفالتها، ولا ترث نصفه إلا إذا تضاعفت أوجه كفالتها بشكل يجعلها في مأمن من العوز والحاجة](ص12).
وبعد:
إن ما سبق خطوة جادة لإخراس ألسنة حداد على دين الله، أصحابها لم يتنسموا- في معظمهم- ريح دراسة شرع الله سبحانه، ولفرط جهلهم له انقلبوا ضده قادحين ناقدين.
فليسألوا- قبل القدح والنقد- إن كانوا لا يعرفون، [فإنما شفاء العي السؤال](8). فهل سيفعلون؟ أم تراهم يستمرون في خطهم"الهجومي" ضد ثوابت الأمة، استجابة لإبالسة الغرب وعتاة الصهيونية؟

الهوامش:
1- من البلاغ الصحفي للمكتب التنفيذي لاتحاد العمل النسائي، جريدة 08 مارس، عدد 57 بتاريخ 07 مارس 1992.
2- بيان نشر بجريدة(الأحداث المغربية)، عدد 174 نتاريخ الجمعة 27 محرم 1420 موافق 14 ماي 1999. ومن الموقعين على البيان أستاذة تونسية في معهد أصول الدين بالجامعة الزيتونية- هي إقبال غربي- وكانت قد نشرت مقالا في مجلة (حقائق) التونسية (عدد 336، من 21 إلى 27 فبراير 1992) بعنوان:" تطبيق الشريعة اليوم حرام"، وتدعي فيه- كما جاء في البيان أيضا- قيام أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وفقهاء المذاهب الأربعة بنسخ أحكام في كتاب الله، علما بأن النسخ لايكون إلا بنص: قرآن أو سنة . وأعتقد أنه كان الأولى بالجامعية التونسية أن تلتفت إلى وضع حقوق الإنسان في بلدها، وما يمارس بشأنها من انتهاكات ضد مجاهدي حركة النهضة في سجون النظام التونسي إ
3- من حوار مع حسن حنفي أجرته مجلة( حقائق) التونسية، عدد 411، من 20 إلى 26 غشت 1993.
4- نشر دار نهضة مصر، ط1/فبراير 1999. ويجدر التنويه أيضا بكتاب قيم في هذا المجال هو كتاب (تأملات في علم الفرائض) للمغربي أحمد بن عثمان حاكمي، وهو- أي الكتاب- من مطبوعات الهلال، وجدة.ط1/1998. وعسى أن نتمكن من تقديم عرض له في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى .
5- مثل هذا الكلام كان قد ذكره العلامة مصطفى بنحمزة حفظه الله في محاضرة له- بمدينة (أحفير) الحدودية- حول مدونة الأحوال الشخصية إبان "الهيجة" التي كانت آنذاك قائمة تدعو لتغييرها. وقد تولى كبر تلك الدعوة اتحاد العمل النسائي.
6- في الجدول أمور حولها خلاف بين العلماء، مثل توريث ذوي الأرحام والورثة الذين يرد عليهم.
7- ليت الزعامات النسوية العلمانية في بلدنا يفعلن مثل ذلك للإستفادة من علماء الأمة، قبل التوجه إلى أي مؤتمر على شاكلة مؤتمر (بكين) إ
8- جزء من حديث أخرجه أبو داود بلفظين: مطول ومختصر، في الطهارة، باب في المجروح يتيمم، حديث 336. وأخرجه أيضا، بإسناد منقطع، ابن ماجة في الطهارة وسننها، باب في المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه إذا اغتسل، حديث 572.