تكلم اللغويون وعلماء الحديث عن
"التصحيف"، فاعتبروه تغييرا لحروف الكلمة أو لمواضع نقطها بالتقديم
والتأخير، فتصبح كلمة (صالح) مثلا (طالح)، أو كلمة (بيت) مثلا (نبت)...وهكذا.
وقد أشار الشاعر أبونواس إلى
"التصحيف" لما سخر من رجل اسمه "أبان" فقال:
صحفتك أمك إذ سمتك في المهد (أبانا) قد علمنا ما أرادت، لم ترد إلا (أتانا)
والأتان أنثى الحمار.
ويهمنا الكلام عن التصحيف في الحديث، إذ يذكر
علماؤه أن التصحيف قد يكون في الإسناد، وقد يكون في المتن. وقد يكون في اللفظ، وقد
يكون في المعنى.
فمن أمثلة التصحيف في الإسناد ذكر ابن معين
رحمه الله العوام بن مراجم (بالراء والجيم) باسم العوام بن مزاحم (بالزاي والحاء).
ومن أمثلة التصحيف في المتن ما رواه أحمد
رحمه الله من طريق وكيع عن سفيان عن جابر بن عمرو بن يحيى عن معاوية قال: لعن رسول
الله صلى الله عليه وسلم الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر (1). فقد صحف وكيع كلمة
"الخطب" إلى "الحَطَب" (بالحاء المهملة). ومن الطرائف التي
ذكرها ابن الصلاح رحمه الله هنا أن أحد المحدثين لما ذكر نفس الحديث مصحفا كذلك في
مسجد، قال بعض الملاحين: "ياقوم، فكيف نعمل والحياة ماسة؟"، أي إلى
الحطب.
وقد روى مسلم رحمه الله، عن زيد بن ثابت رضي
الله عنه قال: "احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير،
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها..." (2) . وقد صحف ابن لهيعة
كلمة "احتجر" (بالراء) إلى كلمة "احتجم" (بالميم).
ومن أغرب التصحيف ما حدث لأحد شيوخ الأئمة
الستة، وهو أبوموسى محمد بن المثنى العَنَزي، من قبيلة عَنَزَة. ففي الحديث
"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى عَنَزَة" (3)، وهي الحربة
القصيرة، كانت تُغرز في الأرض بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى في
الفضاء، يتخذها صلى الله عليه وسلم سترة له. والحديث قال عنه أبوموسى العنزي:
"نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم
إلينا"، قال هذا ظنا منه أن العنزة هي القبيلة التي ينتمي إليها، وأن النبي
صلى الله عليه وسلم ولى وجهه شطرها في صلاته.
وقد تعجب السيوطي رحمه الله في
"التدريب" مما ذكره الحاكم عن أعرابي أنه زعم أنه صلى الله عليه وسلم
صلى إلى شاة، صحفها عنْزة –بسكون النون- ثم رواه بالمعنى على وهمه" (4). وهذا
التصحيف في المعنى هو نوع من الخطإ في الفهم.
والأمثلة في هذا كثيرة، حسبنا من القلادة ما
أحاط بالعنق.
ولخطورة التصحيف كان يقال: "لاتحملوا العلم عن
صحفي، ولاتأخذوا القرآن عن مصحفي".
مناسبة هذا الكلام ماتفوه به أحد المسؤولين
هذه الأيام حول الاقتطاع من أجرة المضربين وأنه مذكور في القرآن في قوله تعالى:
(والسماء رفعها ووضع الميزان) (الرحمن: 05)، مما علق عليه الكثيرون ساخرين.
ولايمكن ترك الأمر يمر دون الإشارة إلى البون
الشاسع بين تصحيف العلماء المذكورين أعلاه وتصحيف المسؤول: فالأولون علماء حافظون
ينفون عن الشرع تحريف الغالين وتأويل المبطلين، وجل من لايخطيء، والمسؤول ليس من
العلماء قطعا، ولذلك يقال له في هذا المجال: "أعط القوس باريها".
كما لايمكن إغفال الإشارة إلى إحسان الظن
بالرجل عند ذكره للآية، وإلا فهو التوظيف السياسي الانتهازي الذي لايرعى لكتاب
الله حرمة، وفيه من التلاعب به مافيه. لقد سألت مرة على صفحتي في الفايسبوك منكرا
على المسؤول كلامه: "...وأين نجد مهرجان موازين في كتاب الله؟"، فأجابني
صديق –أعرف غيرته على دين الله حق المعرفة- بقوله على منهج المسؤول: "في قوله
تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها
وكفى بنا حاسبين)!
إن مانخشاه أن يظهر لدينا بالمغرب –كما حدث
مرة في مصر- من يصيح في الشارع أو يكتب على صفحات الجرائد، سواء من العلمانيين أو
الإسلاميين (5)، أن من لم يصوت على حزب كذا فهو آثم!
وماأخشاه أيضا أن يستغل البعض –ممن يضمر
عداوة للدين وأهله- كلام المسؤول، فيكر بالثناء على ماركس ويثقله حمدا على
"عبارته الإبليسية": (الدين أفيون الشعب)، وهي العبارة التي وجدت
مصاديقها في المسيحية المحرفة لما قالت للمؤمن بها: "من صفعك على خدك الأيمن
فأدر له الأيسر"، ووجدت تكذيبها في الإسلام في نصوص كثيرة منها ما رواه
الحاكم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"سيد
الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"(6).
ولعل مانجده الآن على بعض
صفحات الفايسبوك من سخرية مستترة –قد لايقصدها أصحابها- بسنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم في عبارة "الذئاب الملتحية" (7) يبرر تلك الخشية. وإني لأسأل
الله تعالى أن يوفقنا لوزن تصرفات المسؤولين بميزان الدين، لامحاكمة الدين لتلك
التصرفات.
___________
1-المسند 4/98.
2-كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب
صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، حديث 781. ومعنى "احتجر" أي
أقتطع موضعا حجره عن غيره، أو اقتطعه لهذه العبادة عن غيرها.
3-الحديث في البخاري في الصلاة، باب السترة
بمكة وغيرها، حديث 501، وفي مواضع أخرى.
4-تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، ص
2/465.
5-أقول هذا الكلام متذكرا بضعة أسطر كتبها
مرة كاتب معروف، وفي جريدة لليسار، يقول فيها أن التصويت على الأحزاب التقدمية فرض
عين!!
6-أخرجه الحاكم (3/215) وقال:
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في الصحيحة 374.
7-أين هي اللحية عند
المقصودين من المسؤولين؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق