الأربعاء، 27 مايو 2009

(الإرهابي)

كثيرة هي الأحداث التي تمر بالإنسان قد لا يلقي إليها بالا، لكنها يمكن أن تبين المدى الذي وصل، أو الدرك الذي انحط إليه الوعي لدى البعض.

لقد مرت فترة السبعينات من القرن الماضي كان الناس يصدقون فيها كل ما يسمعونه من أخبار في المذياع أو على شاشة التلفزيون، على أنها حق لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومع هذا التصديق الأعمى لتلك الأخبار، وقعت مآسي وسقط أبرياء بالجملة. ولما سمع العالم بفظائع سجن "تازمامارت" الرهيب مثلا –وكان بعض الساسة وجزء كبير من الإعلام ينكرون وجوده- علمنا أن هناك من يستطيب، مثل الوحش، التلذذ بضحاياه تتلوى بين يديه من الألم إ وأن هناك من يرى، كالهمج، آهات المقهورين وأنات المعذبين ألحانا عذبة وراقية إإ

لقد كان ذلك النوع من الإعلام يتستر على جرائم همجية، أو يبررها إن ظهر جزء بسيط من فظاعاتها.

والآن، وبعد مرور أزيد من ثلاثين سنة، لا زالت العقلية هي العقلية، ولا زال التخلف الإعلامي هو نفسه.

إن الصفحات الآتية تؤكد، في بعض جوانبها، ما ذكر أعلاه.

ولقد حرص ذوو الضمائر الميتة من الإعلاميين، تجاوبا مع السلطة السياسية في البلد، على تلميع صورة أنذال وتشويهمواقف مجموعة من أحرار هذا البلد. فكلما أعلنت السلطة عن اكتشاف "خلية إرهابية" ، إلا وتحرك جوق ذلك النموذج من الإعلاميين يعزف نفس السمفونية بقيادة المايسترو السلطوي، محاولين تسويق صورة نمطية –ذات مواصفات محددة- للإسلامي في هذا البلد، صورة "الإرهابي" المستعد للتفجير والتدمير إإ

وحدث لدى البعض، على قلته، الاقتناع التام بوجود هذه الصورة النمطية، وأصبح يتسرع في إطلاق نعت "الإرهابي" على من اختلف معه في أمر من الأمور، ولو كان ذلك الاختلاف اختلافا في ثمن خضر أو فواكه إ ولذلك قد يستوي في إطلاق ذلك النعت الطفل النزق، والسائق الجاهل، والتلميذ الغر، ورجل السلطة الصغير…دون أن ننسى المثقف الذي يتكلم في كل شيء و "ينظر" –من التنظير- لأي شيء، حتى الفسق والفجور واللواط…باسم "الحداثة" أو "البحث العلمي" أو غيرها من العبارات المظلومة إإ

ولئن كان الصبي والسائق والتلميذ وصغير رجال السلطة…قد ينطلقون منطلقا "مصلحيا ظرفيا" ، فالخطورة في عمل المثقف أنه يحاول "التقعيد العلمي" لتلك الصورة النمطية، لدرجة أنه مستعد لتجريد الإسلامي المغربي من مواطنته، تكريسا لتلك الصورة النمطية. لقد قال مرة من يعتبر عالم اجتماع (ربما جماع بالمعنى المبتذل) عن مواطنه الإسلامي، وهو في غمرة انفعاله أو حماسه الرخيص ضد جزء من أبناء هذا الوطن، أن [هناك تعارضا واضحا بين المواطنة والأصولية، أي حينما يكون الإنسان مواطنا يتمتع بكل حقوقه لا يشعر بالحاجة لأن يتحول إلى إصولي. لابد إذن من تحقيق هاته الشرؤط الاجتماعية لخلق المواطن](عبدالصمد الدبالمي، من حوار معه في جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد6102 بتارخ الثلاثاء 20 محرم 1421/25 أبريل 2000)

إن عقلية مثل هذه لا تخرج عن عقلية ذلك الصبي النزق والسائق الجاهل والتلميذ الغر…عقلية الرجل التافه الذي يتكلم في الأمور العظيمة -كما في الحديث الذي أخرجه ابن ماجة رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[سيأتي على الناس سنوات خداعاتيصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطقفيها الرويبضة ]. قيل : وما الرويبضة؟ قال :[الرجل التافه في أمر العامة ]( صحيح،الصحيحة 1887 . وصحيح ابن ماجة . رقم الحديث )3261.

وإن الصفحات الآتية تذكر نماذج لتلك العقلية في التعامل مع ما يبثه إعلام الجرائد الصفراء من نعوت ضد بعض من أبناء الأمة. وهي عقلية ليست هي السائدة والحمد لله. تكفي الإشارة إلى تعامل المغاربة عموما مع الرواية الرسمية المتعلقة بالسياسيين الستة فيما سمي بخلية بلعيرج، وهي الرواية التي لا أحد أصبح الآن يشكك فيها فقط، بل يلحقها الآن التكذيب كما ذكر ذلك الكاتب عبدالعالي حامي الدين في أحد مقالاته القيمة.

ويلزم التأكيد على أن ما ذكر في تلك الصفحات حدث فعلا، لكن أسماء الأشخاص أبدلت بأخرى دفعا لما يمكن أن يتسبب فيه ذكر الأسماء الحقيقية من إحراج لمن يهمه الأمر. وستنشر هذه الصفحات في هذه المدونة على حلقات ، والله الموفق للخير.


(الإرهابي) (1)
البرد قارس هذا الصباح من دجنبر، كما هو الحال في هذا الشهر بمدينة الرشيدية.
كان اليوم يوم عطلة. الناس يتداولون فيما بينهم خبر عملية الدار البيضاء الإرهابية، لما حاول شاب يرتدي حزاما ناسفا تفجير نفسه في مقهى للأنترنيت.
ارتديت جبتي الصوفية، ووضعت محفظتي على كتفي قاصدا إحدى المقاهي بالمدينة، حيث أنزوي في أحد أركانها لكتابة تقاريري التربوية حول الدروس التي حضرتها أو الندوات التي أنجزتها.
قبل أن أصل المقهى، وجدت نفسي أمشي في الشارع الرئيسي للمدينة، الذي يمتليء عادة بسكانها المعروفين بطيبوبتهم، يذرعونه جيئة وذهابا.
قدتني قدماي إلى قنطرة نهر زيز الذي يجري ماؤه هذه الأيام الباردة، بعد أن تهاطلت الأمطار بغزارة في بلدنا هذه السنة، مما أحوج القيمين على السد إلى النقص من حقينته.
راقني مشهد المياه الجارية، فنزلت إليها من جهة المسجد المطل على النهر. تحت القنطرة، وعلى الجانب الأيمن من النهر، يمتد في الأرض أخدود عميق مثل سرداب بدايته أمام قدمي، ونهايته في الأعماق المظلمة. مررت تحت القنطرة ورفعت رأسي أنظر إلى بنائها الخرساني المنصوب بيني وبين السماء. أصوات المارين فوقها تسمع بوضوح: كلام بالأمازيغية بين امرأتين، ونقاش بالعربية حول حالة مريض يرقد في مستشفى مولاي علي الشريف الموجود على بعد أمتار قليلة، وضحكات أطفال ساخرين من واحد منهم، أزيز سيارات الأجرة الكثيرة: الكبيرة منها والصغيرة...
خرجت من تحت القنطرة كي أتابع سيري إلى جانب النهر. رآني أحد أولئك الأطفال من فوق فصاح، وهو يجري هاربا، بعد أن تفطن –ربما- إلى جبتي ولحيتي:
" اهربوا، إرهابي سيفجر القنطرة إإ "



(الإرهابي) (2).
" بوعزة" شاب حديث الإقامة بالحي.
اعتاد، عند كل أذان، إغلاق دكانه حيث يبيع الملابس المستعملة، ثم التوجه إلى بيت الله لأداء الصلاة المكتوبة.
وهو، مع ذلك، لا يحمل أية "علامة" من "علامات التطرف" ، سوى لحية لا تكاد تراها لخفتها.
عاش "بوعزة" مهاجرا مدة في إيطاليا. لكنه كره هناك الحياة التي لا تقيم للأخلاق والقيم وزنا، ورفض الزواج من إيطالية. لذلك جمع بعض المال، وعاد إلى بلده، فتزوج من بنت البلد، وأقام مشروعا بسيطا لبيع الملابس البالية، خاصة وأنه يعرف أن بلده يمر بأزمة اقتصادية تحاول الحكومة أن تحجب استفحالها بالغربال ؛ وأبناء البلد، والحالة هذه، سيقبلون لا محالة على ذلك النوع من الملابس. ومن ثمة، اعتقد "بوعزة" أن مشروعة سيدر عليه الربح الوفير، بإذن الله.
يوجد دكان الشاب "بوعزة" في شارع من شوارع الحي. وعلى الجهة المقابلة له من الشارع مقهى يرتادها قليل من أبناء الحي، وكثير من مدخني "الشيشة" لا نعرف من أين يأتون؛ ف "الشيشة" "غزت" بعض مقاهينا، مثلما فعلت المخدرات بمؤسساتنا التعليمية دون رقيب ولا حسيب إ ولذلك فحديث الناس في الحي حول ثالوث: "الشيشة" والمخدرات و "الإرهاب" لا يكاد يتوقف إلا ليبدأ من جديد، يغذيه لديهم أمران: الخوف على فلذات أكبادهم من الانحراف، ثم الخبر عن اكتشاف ماذكر أنه " خلية بلعيرج الإرهابية".
بعد منتصف شهر فبراير من هذه السنة (2008)، ظل دكان الشاب "بوعزة" مغلقا أياما. وغاب صاحبه عن الحي، فلم نعد نراه لا في الدكان، ولا في بيت الله.
غاب الشاب "بوعزة" ، ولما ظهر، كان حليق الذقن إ
ما الذي حدث للرجل؟
سألته مرة: "هل حدث لك مكروه لا قدر الله؟ "
أجاب: "لا، أبدا، والحمد لله ".
ثم غاب مرة أخرى، لكنه هذه المرة طال غيابه إ
مرت مدة لم يظهر فيها ل "بوعزة" أي أثر. فاجأني صديقي مرة، وأنا أهم بالجلوس معه في المقهى:
-هل تعلم ما حدث بموريطانيا أمس؟
-وما الذي حدث؟
-انقلاب عسكري (1).أتعرف المسؤول عنه؟
قلت: لا إ
فقال مازحا:
-إنها "شبكة بلعيرج" إإ ثم أردف:
-وعلى ذكر هذه "الشبكة" ، أتدري ما حدث للشاب "بوعزة" ؟
قلت:
-لا، سوى أنه قام بحلق لحيته، وهذا أمر طبيعي لاستئصالييه قاعدتهم الذهبية: "كل إسلامي متهم حتى تثبت إدانته" ، كما لهم أختها: "كل ملتح متهم حتى يسكب الماء على لحيته" إ
ابتسم صديقي وقال:
-اسمع إذن: [فتح الشاب بوعزة دكانه كالعادة ذات صباح من شهر فبراير من هذه السنة (2008). جاءت زوجته لزيارته. ولما مرت أمام المقهى المقابل للدكان، قال لها أحد ثلاثة كانوا جالسين فيها كلاما ساقطا؛ فقهقه الآخران معه. استشاط " بوعزة" غضبا وصاح في وجوههم. فما كان من الثلاثة إلا أن أخذوا بتلابيبه، ووضعوا الأصفاد في يديه، ثم ألقوا به –بعد أن أشبعوه ضربا- في سيارة كانت رابضة هناك. وفي مقر الشرطة، سأل المسؤول الأمني الثلاثة:
-ما مشكلة هذا الرجل؟
أجاب أحدهم:
-إنه مشتبه في انتمائه " لشبكة بلعيرج الإرهابية" سيدي إإ
بعد يومين أو ثلاثة من الاستنطاق، أطلق سراح "بوعزة" ، بعد أن تم التأكد من "حسن سيرته " وأنه " مواطن صالح" إإ
تخلى الشاب "بوعزة" عن تجارته، وجمع بعض متاعه، ثم رحل عائدا إلى إيطاليا إ].
***********************
ف :
[ وا خجلتا مما نقدمه إذا
حان الحساب وجاء يوم ميعاد
من المصائب فى زمانك أن ترى
بلدا كثير مناهل الرواد
والخير مدرارا عليه وربه
جوعان الرعاية صاد] إإ (2).
*هامش:
1-المقصود الانقلاب الذي قام به الجنرال محمد ولد عبدالعزيز يوم 06 غشت 2008، ضد رئيس منتخب هو سيدي محمد ولد الشيخ.
2-من قصيدة للشاعر إبراهيم ناجي.


( الإرهابي) (3)
فبراير 2008.
دق الجرس واصطف التلاميذ استعدادا للدخول إلى أقسامهم.
وقف التلميذ أحمد الغربي (1)، على غير عادته، في آخر الصف شارد الذهن: فالسيد موح الغربي، أبوه، ذو السمعة الطيبة في البلد، اعتقل أمس –حسب مسؤولين في الحكومة- ضمن أفراد "خلية إرهابية" قيل أن هدفها كان " اغتيال شخصيات سياسية حكومية، وأشخاص من الجالية اليهودية في البلد " إ
ليس هذا فحسب، بل يتهم ذلك الأب الطيب بتزعمه "للخلية " إإ
ولقد تألم أحمد كثيرا لما قرأ في إحدى الصحف أن مسؤولا في الحكومة حذر من مغبة التشكيك فيما ذكر عن أبيه وعن "الشبكة" إ وتذكر أحمد أن هذا المسؤول عرف عنه أنه "تقدمي" عاش دهرا يتكلم ب "الديالكتيك" ، لكن كما تكلم به "إدوارد برنشتاين" ، ويمارس "النضال الطبقي" ، لكن كما مارسه "كارل كاوتسكي" ... وفي نفس الوقت استغرب أحمد كيف أن "كاوتسكية" المسؤول "التقدمي" أو "فابيته" لا تمنع انتفاخ أوداجه واحمرار وجهه إذا تكلم عن قضية أبيه إإ
هل هو انتفاخ " ثوري" ضد "رجعية" السيد موح الغربي ؟
وهل الاحمرار "شيوعي" لإسقاط " تطرف أسود " للسيد موح؟
كيفما كان الأمر، فقد عاش المسؤول –في نظر أحمد- "تقدميا" (ألفا، لكنه لما نطق نطق خلفا ) إ
ثم تألم أحمد أكثر لما رأى على شاشتنا (وهي، بالمناسبة، تجيد قنص مثل هذه الفرص) مسؤولا آخر يذكر- وبعربية "مفرنسة" ينطق كلماتها بصعوبة، وتتأوه وتتلوى من الألم حين يلوي حروفها ليا- أن السيد موح أباه "قائد عسكري للشبكة، وأنه هو الذي يخطط لعملياتها الإرهابية " إ وما رأى أحمد من أبيه –ويجزم أن غيره لم ير منه أيضا- سوى دماثة الخلق والدعوة إلى الحوار ونبذ العنف...
لقد رأى أباه مشاركا في أي تظاهرة ضد الإرهاب، وفي أي وقفة احتجاج ضد الظلم. أو ليس هذا الأب نقابيا لا تلين له قناة، وسياسيا محنكا لا يرضخ لمساومة؟ فكيف يتزعم "شبكة إرهابية" ؟
هل هي تهمة "رخيصة" ضد رجل لا يقبل أن " يتمسكن حتى يتمكن"؟
وهل هو انتقام من مواطن لا يقبل أن "يتمخزن" حتى "يتعفن" ؟
لا، لا بد أن في الأمر خطأ ما إإ
هم أحمد أن يصيح: أبي ليس إرهابيا إإ أبي ليس إرهابيا إإ فإذا به يسمع صوت زميله "علي" يسأله، وهو يربت على كتفه:
-أحمد، هل لديك قرابة بالإرهابي موح الغربي الذي اعتقل أخيرا؟

هامش:
1-أي تطابق بين الأسماء المذكورة وأشخاص موجودين فعلا فهو غير مقصود.


(الإرهابي)(4).

لا تكاد تعثر على شاطيء مهيإ للسباحة في مدينة سلا، غير ذلك الموجود عند المصب، ما عدا شواطيء ضيقة جدا هنا وهناك (" الشاطيء الصغير"- بوشوك -...)، إلى أن تصل إلى شاطيء الأمم، على مسافة قليلة من بوقنادل. وقد تضطر إلى النزول إلى تلك الشواطيء الضيقة في منحدرات أو وهاد تحتاج منك إلى الحذر الشديد، وإلا كنت من الهالكين لا قدر الله، أو على الأقل من المجروحين أو المصابين بكسور.
وعلى طول المحيط، أقيمت أحياء كثيرة، بعضها مجموعة كبيرة من العمارات التي يسكنها متوسطو الدخل: جنود، دركيون، مدرسون، موظفون من إدارات أخرى... وتنتهي بعض تلك العمارات ب "فيلات" قليلة تشرف على المحيط الذي يكون هادرا حينا، هادئا أحيانا، ويغري في بعض الأماكن بالسباحة، على الرغم من خطورة المنحدرات. ولذلك يقبل عليه أبناء الأحياء المجاورة في فصل الصيف، وقد يمرون –وهم في طريقهم إلى البحر أو عائدين منه- بجوار شقة أحد مدرسيهم خلال تلك السنة، فيرفعون أصواتهم له شاتمين، ولاسمه بأقذع النعوت ذاكرين، ناسين قول شوقي رحمه الله:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
ومتمثلين قول القائل:
كتب اليراع على الزمان بخطه قم للمعلم وفه التنكيلا
أخذت معي مرة بنتي الصغيرتين إلى جوار تلك "الفيلات" ، ووقفت أنظر معهما إلى المحيط الممتد الذي "يلتقي" في الأفق بالسماء. في آخر المنحدر الذي وقفنا أعلاه مجموعة أطفال يلهون ويمرحون بالقفز في الماء. ولما أوشكت الشمس على المغيب، تسلقوا الصخور في اتجاه الأعلى، بعد أن ارتدوا ما معهم من ثياب بالية أو رثة. حينما مروا من أمامي، نظر بعضهم إلي. ترى هل أشبه أحدا ممن يعرفون؟ ربما إ
توقفوا أمام أول عمود كهربائي موجود في طريقهم. أخذ أحدهم حجرا، ودون أن ينبس ببنت شفة، رمى به المصباح في أعلى العمود. لم يصبه، فتطوع آخر لنفس المهمة، ثم ثالث ورابع... صحت بهم:
- ما الذي تفعلونه؟ أما تستحيون؟
شددت علي قميصي موهما إياهم أني أهم بالجري وراءهم، فأطلقوا سيقانهم للريح؛ لكن أحدهم تسمر في مكانه ينظر إلي. ثم أخذ، وبهدوء تام، حجرا وقذف به المصباح. هرولت في اتجاهه، فتولى هاربا ليلتحق بأترابه. وعلى بعد أمتار مني، توقف الجميع، وبدأوا يصيحون:
- يا إرهابي، يا ابن ال... إإ

(الإرهابي)(5).


نحن اليوم في اليوم الأخير من أيام الدورة الاستدراكية لامتحانات الباكلوريا، في أوائل شهر يوليوز الصيفي. لكن هنا، في إيملشيل، المنطقة الجبلية بالأطلس الكبير، والمعروفة بموسم الزواج، لايكاد يشعر أحد بوجود فصل يسمى فصل الصيف. إذ لا تعرف المنطقة –كما قال أحد المدرسين مازحا- سوى فصلين: "فصل الثلوج"، و"فصل الشتاء " إ فقد يحدث أن تنطلق –في أواخر شهر ماي مثلا- من مدينة الرشيدية في حمارة القيظ، وبلباس خفيف جدا، لكنك تفاجأ بالثلوج في "أوتربات"(1) أو في بلد "إيسلي" و"تسليت" ، أو بالمطر يسقط بغزارة، وتتحول معه الجبال الشم الرواسي إلى "شلالات" رائعة، بفعل السيول المتدفقة من أعلاها إلى الأسفل.
لكن حذار إ
فقد تضطرك هذه "الروعة" في بلد "الأحرار" (2) إلى قضاء ساعات –في "تماكورت" (3) مثلا – تنتظر انخفاض منسوب المياه الهادرة في الوادي –الجاف عادة- كي تستطيع المرور إ
انتهت الامتحانات، ووضعت أوراق أجوبة التلاميذ على اختبارات ذلك اليوم في أظرفة خاصة، وتم الختم عليها.
بقيت مهمة إرسالها إلى نيابة الرشيدية، على بعد مسافة تزيد عن مائتي كيلومتر ذهابا، ومثلها إيابا إ ويقضي القانون، في مثل هذه الحالة، أن ترسل تلك الأظرفة المختوم عليها في سيارة مع أحد موظفي التعليم، مصحوبا بأحد رجال الدرك، بما أننا في منطقة قروية.
لكن من يوفر وسيلة النقل؟
المفترض أن وزارة التربية الوطنية تفعل ذلك. غير أن التعليم في بلدنا يراد له أن يتقدم حتى ولو لم توفر له الوسائل إ إذ في حالتنا مثلا تتم الاستعانة بسيارات الخواص من بعض موظفي التعليم الذين عادة ما يتطوعون لإنجاز المهمة. فإذا ما أصيبت السيارة بعطب، يبدأ البحث عن سيارة بديلة لأي كان إ
وكم كان صعبا العثور على متطوع يقوم بتلك المهمة بسيارته، خاصة وأن المسافة طويلة، والمسالك معظمها منعرجات خطيرة، وبعض جوانبها جرفته السيول.
في ذلك اليوم تطوع أحد السكان لنقل أوراق التحرير بسيارته إلى الرشيدية، واشترط أن تنتهي مهمته بمجرد الوصول إلى نيابة التعليم بالمدينة المذكورة. وبمعنى آخر: على مرافقيه –موظف التعليم والدركي- أن يتدبرا أمريهما للعودة إلى إيملشيل دونه. فللرجل "أجندته" بعد الوصول إلى الرشيدية.
كيفما كان الأمر، فالسيارة الآن موجودة والحمد لله إ
عند مدخل إيملشيل –من جهة الريش- يقبع مقر قيادة الدرك. أحد الدركيين قال:
- - مستعد للذهاب معكم بشرط أن تعيدوني بالسيارة إلى إيملشيل.
- غير أنه كان للسائق رأي آخر:
- - لدي سفر إلى مدينة بني ملال، وعلي الوصول إليها في وقت محدد. فلن أستطيع بالتالي العودة بك إلى إيملشيل مرة أخرى.
- كنت واقفا أنظر وأسمع، خاصة وأنني مكلف بمهمة "الملاحظة" في تلك الامتحانات.
- رد الدركي مخاطبا السائق:
- - في هذه لحالة لن أستطيع الذهاب معكما...
- وقبل أن يتم كلامه، استدار للإنصراف، فرآني أنظر، فتابع:
- - ...خاصة وأنني أحمل سلاحا، ولا يمكنني المخاطرة بالعودة وحدي، وأنتم تعلمون خطورة الإرهابيين هذه الأيام، والذين يتحينون أي فرصة لتجريد أي رجل سلطة من سلاحه إ
- قال ذلك وهو ينظر إلى شعرات لحيتي، ثم انصرف إلى داخل مقر الدرك.
-
الهوامش:
1- قرية أمازيغية في الأطلس الكبير، بين مدينة الريش وإيملشيل، على بعد حوالي 100 كيلومترعن الريش. وتعني كلمة "أوتربات" الأمازيغية " أب البنت" أو " صاحب البنت".
2- من معاني كلمة "أمازيغ" حسبما يقال. وسواء صح ذلك أم لا، فإن واقع مقاومة المستعمر الذي شهدته مناطق الأطلس يؤكد أنها بلد الأحرار فعلا.
3- قرية أمازيغية بين مدينة الريش وإيملشيل، على بعد عشرين كيلومترا تقريبا من الريش. وقد ذكر لي أحد الإخوة الأمازيغ من المنطقة أن كلمة "تماكورت" الأمازيغية تعني " ملتقى الطرق والوديان" . وبالفعل فعندها تلتقي ثلاثة وديان في النهر الذي يمر بها. وذكر لي آخرون أن المعنى هو "المزار" أو "ما يزار" ، إذ الأصل –حسبما ذكر أولئك الإخوة- " تمازورت" ، وهناك بالقرية ضريح يزار يدعى (سيدي المشهور).
(الإرهابي)(6)
16ماي 2003.
تفجيرات آثمة تهز بعض الأماكن في مدينة الدار البيضاء: مقبرة لليهود، دار إسبانيا...مسفرة عن عدد من الضحايا يفوق الأربعين.
تحركت آلة السلطة، إثر ذلك، لتعتقل أزيد من ثلاثة آلاف شخص ممن حسبتهم على ما يسمى "تيار السلفية الجهادية" ، ووضعوا في معتقل "تمارة" الرهيب إ
بعض ممن اعتقلوا حدث اعتقالهم قبل التفجيرات بمدة، وفي الاستنطاق سئلوا عن بعض "أعضاء" "التنظيم" الذي ينتمون إليه، ومن بين أولئك "الأعضاء الخطيرين" الذين سئلوا عنهم رجل يسمى "ابن تيمية" ، وآخر يدعى "الشيخ ناصر الدين الألباني"، حسبما ذكرت صحافة البلد. لكن لا يعرف ما إذا سئلوا أيضا عن "إرهابيين" آخرين من طينة "ابن كثير" و"ابن حجر" و"عياض" و"كنون" ...
وبعض آخر اعتقلوا ل"سوابقهم" في مهاجمة الفكر العلماني عبر قناة تلفزية، ذلك الفكر الذي قرأ أحد الداعين إليه مرة كلمة "الزمر" ، لا بضم الزاي المشددة وفتح الميم كما ينبغي أن يكون، لكن بفتح الزاي المشددة وتسكين الميم إإ
وقد انضاف لتلك "السوابق" الموقف من حزب يرى نفسه حزبا حداثيا للقوات الشعبية، وإلقاء خطب أو دروس ضد الانحلال الخلقي والعربدة السياسية...
بعد بضع سنين، تفجير آخر آثم يهز مقهى للأنترنيت بنفس المدينة. آلة السلطة تتحرك من جديد لاعتقال المئات إ
"الشرقي" واحد من أبناء هذا الشعب المستضعف إ يسكن أحد أحياء المدينة المشهورة في البلد بكثافتها السكانية المرتفعة. وفي ذلك الحي نفسه يتكدس الناس في بيوتهم كما يتكدس "السردين" في علبه إ الزوج والزوجة والأبناء -من الأسرة الواحدة- في غرفة واحدة مكتراة. والناس نسجوا طرائف وحكايات حول معاشرة الزوج لزوجته في ذلك البيت الواحد، أو حول اقتسام المطبخ الواحد، بأوانيه وطعامه وتوابله...في شقة واحدة بين مجموعة من الأسر...أو حول البقاء في "ديمومة" أمام المرحاض إذا سبق إليه أحد أبناء أسرة من تلك الأسر، أو أمام باب المنزل في انتظار فراغ مكان النوم من أحد الإخوة بعد أن يكون أخذ جزءا، ولو بسيطا، من حاجته له...
ظواهر غريبة تحدث في بلد الخير، البلد الذي يكدح أبناؤه لأجل لقمة العيش فينالونها أو لا ينالونها، ويستجدي مجموعة من مسؤوليه جنسية فرنسا أو إسبانيا أو هولندا...فينالونها إ
والبلد الذي يكثر عاطلوه من حملة الشهادات العليا، ويعرض فيه الشباب الغض أنفسهم لمخاطر الغرق في عمليات (الحريك)(1)، في حين يحصل الكثير من مسؤوليه على الامتيازات التي تدر عليهم الملايين، أو على أجور بالملايين...
في الحي الذي يسكن فيه "الشرقي" يكثر المنحرفون واللصوص وتجار المخدرات و"بائعات الهوى"، لكنه لم ينسق مع من انساق في طريق الانحراف، بل من الله عز وجل عليه بالالتزام بدينه، والبحث عن لقمة حلال. ورأى تلك اللقمة في بيع الخضر على قارعة الطريق.
وعلى الرغم مما كان يسمعه "الشرقي" من بعض المستهزئين، بعد أن أرخى لحيته، من سخرية: "لحية الشيطان" ، "البخاري" ، "المسيح"... -وكأن اسمي المسيح عليه السلام والبخاري رحمه الله سبتين والعياذ بالله- إلا أنه لم يكن يعير الأمر اهتماما، خاصة وأنه قرأ في السيرة عما لقي الرسول صلى الله عليه وسلم من استهزاء من السلف غير الصالح لمستهزئي اليوم، كأبي جهل والوليد بن المغيرة وعقبة بن أبي معيط...وكان يتذكر كثيرا قوله تعالى:
[إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر، فسوف يعلمون ](الحجر:95/96). فكان لا يرد على من استهزأ، ويعامل الناس ببشاشته المعهودة.
تزوج "الشرقي" بمؤمنة منقبة ترى أن ستر جميع البدن، بما فيه الوجه واليدان، هو "لباس التقوى" ، به التزمت أمهاتنا أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم. وترى زوجة "الشرقي" أيضا أن الخير كله في اتباع من سلف من الأمهات رضي الله عنهن، واللائي عشن في بيت النبوة.
وقد رزق الله سبحانه هذه المرأة، مع زوجها، أربعة من الأبناء أكبرهم عمره الآن ست عشرة سنة.
وعلى الرغم من أن "الشرقي" سكن مع زوجته في منزل أسرته، إلا أن إخوته الذكور لم يروا قط وجهها ولو لمرة واحدة.
لم يكن "الشرقي" يعتقد مرة أنه قد يعتقل. فماذا تستفيد السلطة من اعتقاله؟ إنه رجل بسيط مثل بقية الشعب، فكره عادي جدا، لايرى خيرا في العنف، ويتذكر دائما قول سيد الخلق عليه الصلاة والسلام:[إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه ](2).
لكن مع ذلك، وفي ذات ليلة باردة من ليالي دجنبر، طرق باب منزل أسرة "الشرقي" طرقا عنيفا. استيقظ الجميع مذعورين، إلا "الشرقي" ، فقد كان مع زوجته يغلقان عليهما باب غرفة نومهما بإحكام. هو الآخر سمع الطرق العنيف، لكنه اعتقد أن أحد إخوته الكثيرين سيكفي الجميع مهمة استجلاء الخبر. وهذا ما حدث. لكن بمجرد ما فتح الأخ الباب، إذا بعدد كبير من ذوي العضلات المفتولة يقتحمونه، وبأيدي بعضهم هراوت ضخمة، وهم يصيحون:
- أين "الشرقي"؟...أين هو يا أبناء ال...؟
قبل أن يقوم "الشرقي" من مكانه الذي كان فيه، هشم باب الغرفة، وهرع إلى الداخل أصحاب العضلات المفتولة، فوجدوه مع زوجته، التي لم تكن عادة تظهر أي شيء من جسدها، عاريين لا يسترهما شيء إ
لقد رآها زوار الليل -هي الطاهرة- عارية تماما، كما رآها ابنها وإخوة زوجها إإ
أخذ "الشرقي" إلى أحد المعتقلات السرية...
صدم الإبن...
وشلت الزوجة...إ
------------------------------------
1- هو "الحريق" بالعربية الفصحى، والمقصود الهجرة السرية، إذ بمجرد ما يطأ المهاجر السري بلدا أوربيا حتى يبادر إلى إحراق وثائقه الثبوتية كي لا يعرف رجال الأمن الأوربيون البلد الأصلي للمهاجر، فيرجعوه إليه إذا ما اعتقلوه. ولذلك سمي "الحريك".
2- أخرجه مسلم رحمه الله في البر والصلة، باب فضل الرفق، حديث 2594.


(الإرهابي) (7)
مارس 2007.
تفجير انتحاري آثم في مقهى للأنترنيت.
اعتقالات بالجملة تمس، مرة أخرى، من حسب على ما يسمى ب"تيار السلفية الجهادية".
أبوعمر، بائع السمك بالتقسيط، والمعيل الوحيد لأسرته، كان ضمن المعتقلين، تاركا وراءه زوجته وثلاثة أبناء، أكبرهم سنا عمر، ذو الثلاثة عشر ربيعا.
كان عمر يدرس في السلك الثانوي الإعدادي. أحس، منذ صغره، بحالة الفقر التي تعاني منها أسرته، فقرر أن يجتهد في دراسته كما يريد أبوه، اعترافا منه بحدب ذلك الأب العطوف الذي لا يشبه آباء أبناء حيه: لاخمر، لاتجارة في حرام، ولا...ولا...ولا...بل محافظة على الصلوات في بيت الله، وحسن تعامل مع الجيران وغيرهم من السكان...ولذلك أقبل عمر على دراسته، لا يهمه ما يسمعه بين الفينة والأخرى، من بعض السفهاء، عن أبيه: "إرهابي"..."خوانجي معقد"..." ظلامي "..."متطرف"..."خميني"... إإ فعمر يعرف أباه أفضل مما يعرفه غيره. فما رآه -في المنزل مثلا- إلا تاليا لكتاب الله، أو راكعا ساجدا، أو حاثا لأبنائه على فضيلة، أو محذرا لهم من رذيلة...
وهاهو الأب يعتقل الآن، ولاتدري الأسرة لماذا إ
مرت على هذه الأسرة الصغيرة بضعة شهور -في غياب الأب في المعتقل- ذاق فيها أفرادها شظف العيش ومرارة الحرمان، واضطرت فيها الأم لبيع ما لديها من حلي قليل، أتبعته بما تملك الأسرة من أمتعة مزجاة، دفعا لغائلة الجوع عن أبنائها الثلاثة. وقد حاولت، على الرغم من قسوة الظروف هذه، أن تهييء لابنها البكر بعض شروط الدراسة والتحصيل. فهي تعرف أنه يحب ذلك التحصيل، ونتائجه فيه جيدة.
بعد صيف تلك السنة وبدء السنة الدراسية الجديدة، ذهب عمر إلى الثانوية الإعدادية ومعهرسوم التسجيل المطلوبة، سوى "واجب الانخراط" في جمعية آباء وأولياء تلاميذ المؤسسة. ولا ضير في ذلك، فهو يعرف أن مصطفى، زميله في الدراسة، لايؤدي ذلك "الواجب"، على الرغم من أن أباه مدرس، وما حدث له مشكل مع الإدارة. فالانخراط في الجمعية غير إلزامي، كما سمع مرة من مدير المؤسسة نفسه. ولذلك تم تسجيل عمر هذه السنة دون مشاكل.
التحق التلاميذ بمقاعدهم لحضور أول درس في الرياضيات هذه السنة. بعد بضع دقائق، دخل الحارس العام قاعة الدرس، ونادى -بعد أن استأذن المدرس- باسم عمر للإلتحاق بالإدارة. وهناك أخبره مدير المؤسسة، وبأسلوبه "التربوي" المعهود، أنه غير مقبول في حجرة الدرس إلا بعد أداء "واجب الانخراط" في جمعية الآباء.
استغرب التلميذ عمر، وقال للمدير:
- لكن، أستاذ...
قاطعه المدير، وما كان له إلا أن يفعل، فهو مدير مؤسسة، وصفته "تلك" تخول له ذلك، قائلا:
- اسمع، إما أن تؤدي "واجب الانخراط"، وإما أن تقعد في منزلكم إ هيا، انصرف إ
صعق عمر لهذا المنطق "التربوي" إ ترى، من أين يأتي بمائة درهم للإنخراط غير "الإلزامي" في الجمعية؟
الأب في المعتقل إ
والأم المسكينة باعت ما لديها من حلي ومتاع إ
ولا أحد يمكن أن يتجرأ على مساعدته خوفا من الاتهام ب"دعم أو تمويل الإرهاب" إ إذ شعار الجميع في هذه الحالة "لا مساس" إ
عاد عمر مرة أخرى إلى المؤسسة لعل السيد المدير "يلعن الشيطان" ويتراجع عن قراره، لكن دون جدوى.
في اليوم الموالي، شاهد التلاميذ زميلهم عمر في سوق الحي يبيع أكياس البلاستيك للمتسوقين.
بعد بضعة أيام، استوقفته بالسوق سيدة محجبة:
- لماذا تبيع هذه الأكياس يابني؟

- لأساعد أسرتي.
- ولماذا؟ أليس لك معيل؟ فمكانك يا بني حجرة الدرس إ
فهم عمر من عبارتها الأخيرة أنها -كما قال له مرة صبي يبيع هو الآخر تلك الأكياس- "مساعدة اجتماعية". فأجابها وهو يهم بالانصراف نحو زبون آخر:
- أبي اتهم ظلما بالإرهاب، وهو الآن في السجن إ
تسمرت السيدة في مكانها كأنما تجمدت الدماء في عروقها. نظرت إليه بعطف، ثم تابعت طريقها وهي تكفكف دمعا انحدر على خدها. فزوجها -هي الأخرى- "متهم بالإرهاب"، وهو في السجن إإ
تذكير:
ذكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، في كتابه: "قذائف الحق"، تقريرا وضعته لجنة في مصر -على عهد جمال عبدالناصر- "بشأن القضاء على تفكير الإخوان" (1). وحدد التقرير عدة طرق ووسائل لذلك، منها ما ذكر فيه كما يلي:
[بالنسبة للإخوان الذين اعتقلوا أو سجنوا في أي عهد من العهود يعتبرون جميعا قد تمكنت منهم الفكرة كما يتمكن السرطان في الجسم ولا يرجى شفاؤه، ولذا تجري عملية استئصالهم كالآتي:
المرحلة الأولى: إدخالهم في سلسلة متصلة من المتاعب تبدأ بالاستيلاء أو وضع الحراسة على أموالهم وممتلكاتهم، ويتبع ذلك اعتقالهم، وأثناء الاعتقال تستعمل معهم أشد أنواع الإهانة والتعذيب على مستوى فردي ودوري حتى يصيب الدور الجميع، ثم يعاد وهكذا. وفي نفس الوقت لا يتوقف التكدير على المستوى الجماعي، بل يكون ملازما للتأديب الفردي.
وهذه المرحلة إذا نفذت بدقة ستؤدي إلى:
- بالنسبة للمعتقلين: اهتزاز الأفكار في عقولهم وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض بينهم.
- بالنسبة لنسائهم: سواء كن زوجات أو أخوات أو بنات فسوف يتحررن ويتمردن لغياب عائلهن، وحاجتهن المادية قد تؤدي لانزلاقهن.
- بالنسبة للأولاد: تضطر العائلات لغياب العائل ولحاجتها المادية إلى توقيف الأبناء عن الدراسة وتوجيههم للحرف والمهن، وبذلك يخلو جيل الموجهين المتعلم القادم ممن في نفوسهم أي حقد أو أثر من آثار أفكار آبائهم...](2).
لاتعليق على هذا الكلام سوى ما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله في (السير) [أن أولاد يحيى -وهو ابن خالد البرمكي- قالوا له وهم في القيود مسجونين: "ياأبت، صرنا بعد العز إلى هذا؟" قال: "يابني، دعوة مظلوم غفلنا عنها، لم يغفل الله عنها" ](3).

1- قذائف الحق، دار القلم، بيروت. ط1/1411-1991. ص83.
2- نفسه ص 87.
3- سير أعلام النبلاء، ص9/90.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق