الأربعاء، 27 مايو 2009

(حماس إرهابية)(14-ج).

قد يخون الرجل، في بعض الأحيان، قلمه، فيكتب ما يمكن اعتباره من حسنات الحركات المقاومة ضد الصهاينة، مثل ما سماه ب "ثقافة الاستشهاد تحت راية الإسلام" ، فيقول مثلا:

[في الوقت الذي تبنت فيه السلطة الفلسطينية مشروعيتها الدولية على ثقافة الحوار لتحقيق مطامح الشعب الفلسطيني، تبنت حماس ثقافة الاستشهاد تحت راية الإسلام](عبدالقادر البنة، مقال سابق). لكنه لا يترك هذه الحسنة تمر دون أن يعمد إلى "نبزها" بأنها مفروضة على السكان، بل هي انتحارية إإ يقول:

[تبنت حماس ثقافة الاستشهاد تحت راية الإسلام وتفرضها على ساكنة غزة برمتها علما أن نصيبها في الانتخابات التشريعية الأخيرة في القطاع لا يتعدىٍِ 45%، هذا مع العلم أن الاستشهاد الانتحاري يستوجب، حتى لا ينزلق عن مفهومه النبيل، تحقيق التكامل بين الشروط الموضوعية التي تفرضه لأنه مرتبط بالنتائج المتوخاة منه، والاعتبارات الذاتية التي تعلله، لأنه اختيار فردي، خصوصا أنه مرتبط في ذهن الغرب، الذي يتحكم في الشرعية الدولية ،بالتعصب والإرهاب](نفسه).

وما يمكن ملاحظته هنا، غير ما مر ذكره، أمران أساسيان:

الأول: أننا عرفنا معنى "الاستشهاد" ومعنى "الانتحار". الاستشهاد بؤطره -مثلا- ما أخرجه مسلم عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ما من أحد يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة]( أخرجه في الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث 109).

ويؤطر الاستشهاد أيضا مثلا ما أخرجه مالك في الموطإ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:[ الشهيد من احتسب نفسه على الله](كتاب الجهاد، باب ما تكون فيه الشهادة، حديث 35).

وقد قيل في تسميته شهيدا أنه -كما قال النضر بن شميل- :[حي، فكأن أرواحهم شاهدة أي حاضرة. وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة. وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد الله له من الكرامة. وقيل: لأنه يشهد له بالأمان من النار. وقيل: لأن عليه شاهدا بكونه شهيدا. وقيل: لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة. وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل. وقيل: لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة. وقيل: لأن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع. وقيل: لأن الله يشهد له بحسن نيته وإخلاصه...](فتح الباري، 6/53)، وقيل غير ذلك.

فالاستشهاد إذن عمل محمود مرتبط بالجنة والأمان من النار والرحمة وحسن الخاتمة والاتباع والإخلاص...

والانتحار يؤطره مثلا ما أخرجه البخاري رحمه الله عن الحسن : حدثنا جندب رضي الله عنه في هذا المسجد فما نسينا وما نخاف أن يكذب جندب على النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ كان برجل جراح فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة ](أخرجه في الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، حديث 1364).

وما أخرجه -مثلا- البخاري أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:[ الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والدي يطعنها يطعنها في النار](نفس الكتاب ونفس الباب، حديث 1365).

فالانتحار إذن عمل مذموم يؤدي بصاحبه إلى النار.

نخلص إلى أن الاستشهاد شيء، والانتحار شيء آخر. فكلاهما فيه إزهاق للنفس، لكن مآليهما مختلفان: الأول يؤدي إلى الجنة، والآخر يؤدي إلى النار.

فما معنى "الاستشهاد الانتحاري" الذي يذكره الرجل؟ وما مآله؟ بل ما الشروط الموضوعية التي تفرضه؟ وما الاعتبارات الذاتية؟

إن التوضيح هنا مطلوب، حتى لا ينزلق ذلك "الاستشهاد الانتحاري" -كما سماه- عن "مفهومه النبيل" حسب قوله.

بل ما هو "مفهومه النبيل" ،إذا كان "مختلطا في ذهن الغرب الذي يتحكم في الشرعية الدولية بالتعصب والإرهاب" ؟

الرجل "يقدس" -كما سبق- "الشرعية الدولية" ، ويدعو -كما يفهم من كلامه- إلى احترامها، وتلك الشرعية التي يتحكم فيها الغرب تخلط الاستشهاد (الانتحاري إإ) بالتعصب والإرهاب. ومعنى ذلك أن الاستشهاد "الانتحاري" يساوي "التعصب والإرهاب"، بمقتضى الشرعية الدولية إإ

فأين هو "المفهوم النبيل للإستشهاد الانتحاري" ، وما رأينا هنا سوى مفهومين "غير نبيلين" هما التعصب والإرهاب بحسب الشرعية الدولية التي ينبغي أن تحترم في رأيه إإ

لعل الرجل يعاني من التذبذب بين المتحكمين في الشرعية الدولية وبين منتقديها، فهو [لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء] كما يقول كتاب الله عن طينة من الناس، ولعل هذا التذبذب هو الذي جعل منه مرة مشككا في أحكام شرعية ومضامين آيات قرآنية، ومرة واعظا لنا [... أن من فقد الأمل في رحمة الله "الشيطان وكيله" ] إ

الأمر الثاني: أن حماس تفرض "ثقافة الاستشهاد" [على ساكنة غزة برمتها علما أن نصيبها في الانتخابات التشريعية الأخيرة في القطاع لا يتعدى 45%] حسب قوله.

إن هذا نموذج، من نماذج رأيناها سابقا، من الكلام باسم ساكنة غزة إ وما علمنا أن الرجل زار المنطقة وسبر آراء السكان هناك وتوصل إلى النتيجة المذكورة. بل ما عرفناه أن من زار المنطقة اندهش لعدم صدور أي شكوى من السكان ضد حماس. وهنا أشير إلى ما قاله أحد أعضاء الوفد البرلماني المغربي الذي زار غزة، وهو السيد الحسن بن لكطو، الذي سئل: "كيف كانت الأجواء في القطاع بعد 22 يوما من الحرب؟ "، فأجاب:

[رجعنا مطمئنين على إخواننا في غزة. كنا نعتقد أننا سنجد أشلاء الجثت مشتتة في الشوارع أو أن "السيبة" كما نقول في المغرب هي التي ستكون سائدة. لكننا وجدنا أهل غزة صامدين وكلهم عزة وشموخ. يتحدثون بافتخار عن استشهاد أحد أفراد أسرهم. لا تجد أحدهم يبكي أو يشتكي، بل كلمتهم سواء، الدكاكين والمحلات التجارية عادت لتفتح أبوابها وأخذت الحياة تدب تدريجيا في القطاع...](من تصريح للنائب البرلماني المذكور لجريدة "المساء" المغربية، عدد 741 بتاريخ السبت والأحد 07 و08 فبراير 2009).

وقد أوردنا كلام هذا النائب البرلماني، ولم نشأ أن نورد كلام غيره من "المتطرفين" (ربما في عرف صاحب المقال الذي نحن بصدده) ممن رافقوه، فقد "يحابون" حماس، وشهادتهم لذلك "ساقطة" إإ

وعلى الرغم من أن صاحبنا يذكر أن حماس "تتبنى ثقافة الاستشهاد تحت راية الإسلام" ، وأنها ترفض " الاعتراف بإسرائيل الذي تقره الشرعية الدولية" كما قال، مما يعني أنها واضحة في موقفها من "الكيان الإسرائيلي" وضوحا ليس معه لبس ولا غموض، فإنه مع ذلك يتهمها بالغموض فيقول:[ حماس تبنت الغموض ولم تفصح عن نيتها، لأنها ترفض الاعتراف بإسرائيل والتحاور معها، وتترك المجال مفتوحا لكل الخيارات ومن بينها المقاومة المسلحة...](نفسه).

فغموض حماس راجع -حسب صاحب الكلام أعلاه- إلى وضوحها في رفض الاعتراف بالكيان الإسرائيلي، وراجع أيضا إلى وضوحها في انتهاج كل الوسائل ، بما فيها المقاومة المسلحة. أي أن حماس غامضة في مواقفها لأنها واضحة فيها إإإ

هل يقول هذا الكلام عاقل؟

غير أن لكلام الرجل منحى ذا خلفية أقل ما يقال عنها أنها خلفية " صهيو-أمريكية": فمطلب الصهاينة والولايات المتحدة الأمريكية من كل حركة مقاومة، وليس من حماس وحدها، الاعتراف بالكيان الإسرائيلي وترك المقاومة المسلحة. وما دامت الحركة "تتبنى الغموض" -حسب برلمانينا السابق- بعدم القيام بذلك، فما عليها، كي تتبنى الوضوح المطلوب، سوى أن تعترف بالكيان الإسرائيلي وتنبذ المقاومة المسلحة إإ وبذا يصبح المطلب الصهيوني الأمريكي مطلبا لمناضلنا "اليساري". أليس هذا هو "اليسار الأمريكي" ؟ألم يعتبر أحد الكتاب مثل هذا الرجل كاتبا من "كتاب الموساد" ؟

أما حماس، فيكفي في وضوحها أنها حددت في ميثاقها في المادة الثالثة عشرة أنه [لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد، أما المبادرات والطروحات والمؤتمرات الدولية، فمضيعة للوقت، وعبث من العبث، والشعب الفلسطيني أكرم من أن يعبث بمستقبله، وحقه ومصيره...](عن موقع: إسلام أون لاين المذكور أعلاه).

فاللهم اكف إخوتنا الفلسطينيين شر العابثين ، من أبناء جلدتنا ومن الناس أجمعين إ

وخلاصة القول في "خلاصة قول" الرجل في آخر مقاله:

1- أنه يشكك في جدوى المقاومة المسلحة، إذ يعتبر أنها [ ليست الطريق الوحيد للتحرير (فقد حرر غاندي الهند من الاحتلال البريطاني، ومانديلا جنوب إفريقيا بالوسائل السلمية وهو الخط الذي تبنته السلطة الفلسطينية) خصوصا في ظل عزلة تامة عن العالم، فالمقاومة المسلحة لم تمنع السكان الأصليين لأمريكا وأستراليا من الاندثار](مقال البنة السابق).

فماذا حقق التفاوض، كما تبنته منظمة التحرير الفلسطينية، للشعب الفلسطيني؟

2- أنه لا يرى انخراطا في الصراع دون انحياز إلى أمريكا أو أوربا أو روسيا. ف "جريمة" حماس، في نظره ربما، أنها [ تقحم الإسلام في الصراع على اعتبار أن هذا الأخير يتعرض لحرب صليبية ]إإ (نفسه).

3- أنه يحمل مسؤولية ما وقع في غزة لقيادة حماس. يقول: [إن القيادة السياسية التي تتمتع بالحكمة والرزانة وتمتلك الحنكة السياسية، وتحترم شعبها لا يمكن أن تعرضه للتقتيل والعزلة والحرمان والتجويع ، ولا تبخس أرواح مواطنيها وتجعل منهم كبش الضحية والتضحية، باسم المباديء أو العقيدة ...](نفسه). معنى ذلك أن قيادة حماس:

- لا" تتمتع بالحكمة والرزانة".

- لا "تمتلك الحنكة السياسية".

- لا "تحترم شعبها" و "تعرضه إلى التقتيل والعزلة والحرمان والتجويع...".

ترى ماذا ترك الرجل لإيهود باراك وتسيبي ليفني...وغيرهما من عتاة الصهيونية أن يقولوا؟

ولماذا إغماض العين عن مئات المجازر التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي منذ نشوئه، بحيث يمكن اعتبار تاريخه تاريخ مجازر في حق الشعب الفلسطيني، وحماس لم تكن موجودة آنذاك؟

بل لماذا إغماض العين عن الطبيعة الدموية لليهود، كما تحددها نصوص توراتهم، واتهام حدود شريعتنا ب "الدموية" ؟

أليست هذه الطبيعة الدموية هي ما يشير إليها الرجل أنه [ بالفعل، كانت إسرائيل، وفي إطار الهدنة، تقتل العشرات...](نفسه)؟

أين هي "الشرعية الدولية" ؟ولماذا لم تتدخل؟

وخلاصة "خلاصة قول" مناضلنا مرة أخرى:

-لا للمقاومة المسلحة.

- لا للإستناد لدين الأمة في الصراع.

- نعم للهدنة مع الصهاينة، حتى ولو كانوا يقتلون في إطارها العشرات إ

أي: نصيحة لحماس: عليك أن تعملي بالأثر الإنجيلي: " من صفعك على خدك الأيمن فأديري له الأيسر، ومن أخذ رداءك فاتركي له الثوب كله" ، أي فلسطين كلها إإ

شكرا للمناضل على النصيحة الثاوية في خطابه، ولو أنه لا يعمل بها كما في قوله: [لست من قبيل أولئك الأشخاص الذين إذا صفع خدهم مرة قدموا الخد الثاني](عبدالقادر البنة، مقال: "المغاربة على دين والإسلاميون على نحل" ، مقال سبق ذكره).

أما استناد المشكك في النصوص الشرعية إلى صلح الحديبية، فنقول له: " أعط القوس باريها " لا من يريد "تكسيرها" بالتشكيك والتكذيب إ

إن صلح الحديبية :

* أبرم والدولة الإسلامية موجودة ذات نفوذ وسيادة. فأين هي الدولة الفلسطينية في فلسطين، كامل فلسطين ؟

* لم يبرم والاعتداءات متواصلة من قريش على المسلمين كما يفعل الكيان الإسرائيلي إبان الهدنة بقتله "العشرات" . ويوم خرقت قريش الهدنة - لا بقتل صحابي- بل بالإعانة على قتال من دخل في عقد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهده، انقضت تلك الهدنة وصير إلى الحرب.

(يتبع).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق