جاء في كتاب (الرحيق المختوم)لصفي الرحمن المباركفوري عن الحصار الظالم الذي فرضه كفار قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب -مؤمنهم ومشركهم- ما يلي:
[واشتد الحصار، وقطعت عنهم الميرة والمادة، فلم يكن المشركون يتركون طعاما يدخل مكة ولا بيعا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجأوا إلى كل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا، وكانوا لايخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى لا يستطيعوا الشراء](الرحيق المختوم، دار العنان، القاهرة. ط1/1426-2005 ص86).وذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي أن بني هاشم وبني المطلب [أدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله...حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية](ابن حجر، فتح الباري، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/1410-1989 ص7/244).
وذكر ابن هشام أن أبا لهب ظاهر كفار قريش في هذا الحصار الظالم، وأنه كان يقول: [" يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك؟ ثم ينفخ في يديه ويقول: تبا لكما، ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد. فأنزل الله تعالى فيه:(تبت يدا أبي لهب وتب)(المسد:1)](ابن هشام، السيرة النبوية، 2/181).
من هذه النصوص نستنتج ما يلي:1- أن هذا الحصار لا يمكن أن يصدر عن نفوس تملك ذرة من الإنسانية. ذلك أن منع الماء والطعام (الميرة والمادة) عن الرجل الكبير، بله الطفل الصغير والعجوز والمريض…، مهما كان دين أو مذهب ذلك الرجل، هو من شيم النفوس المجرمة التي مردت على السادية، فصارت نفوسا حيوانية تلتذ بعذابات المخلوقات التي هي من جنسها حينما تكتم أنفاسها وتلتهمها في شراهة.ولذلك ما يمكن لمسلم حق أن يساهم في مثل ذلك الحصار، وما يمكن لذلك الحصار إلا أن ينبت في ذهن كافر لا تعرف الرحمة -التي هي من صفات الرحمان الرحيم- إلى قلبه سبيلا. وبالتالي نفهم ما جاء في فتوى 102 من علماء الإسلام، من [إن الظلم العظيم الذي لحق بإخواننا المسلمين في غزة بالحصار الخانق بمنع الغذاء والدواء وجميع الإمدادات الضرورية، والذي زاد على السنتين بفرض من العدو اليهودي ، وتآمر من دول الكفر ، وتعاون من بعض الدول العربية بإغلاق معبر رفح وتتبع الأنفاق الأهلية وهدمها حتى لا يصل الغذاء والدواء والسلاح لأهلنا في غزة ، واستمر الإصرار على إغلاق المعبر حتى بعد هجوم اليهود العسكري على إخواننا في غزة وقتل المئات وجرح الآلاف وانقطاع الماء والكهرباء والوقود، كل ذلك مع إلحاح وصراخ المسلمين كافة بطلب فتح المعبر.فهو تعاون صريح مع العدو اليهودي في قتل إخواننا في غزة، وما كان ليتم هذا الحصار، ولا استنزاف قوة المجاهدين وخنقهم في غزة وعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم إلا بإغلاق المعبر والأنفاق. فهو من أعظم الخيانات الصريحة التي مرت على الأمة عبر التاريخ، وقد اتفق العلماء على أن مظاهرة الكفار على المسلمين كفر وردة عن الإسلام...](نص الفتوى كله مذكور في هذه المدونة).2- أن أبا لهب ظاهر المشركين في ذلك الحصار، وفعل ذلك جهارا. فهو لم يدن الحصار علانية، ثم عمل على تشديده في السر، بل جاهر بالمظاهرة، وسخر من العقيدة انسجاما مع ما يمليه عليه شركه.
ومن أغرب الغرائب أن من حكامنا الآن من يدين -عكس أبي لهب- الحصار جهارا، لكن يعمل على تشديده في السر. بل ربما يفتخر، ومن خلال وسائل الإعلام، أنه “الرئيس المؤمن”، أو يلقبه بعض “مرتزقة التدين” بذلك. وياليته يرقى قليلا إلى مستوى أبي لهب تبت يداه، فيعلن ما يبطن، ويذكر مع الملإ أنه مع الحصار، وأنه ضد حماس، وضد فلسطين الإسلام، بل ضد الإسلام، عوض التذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء إ
إن من كان شأنه هكذا يمكن اعتباره من صنف [رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ]، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (جزء من حديث أخرجه مسلم في الإمارة، باب وجوب لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن…حديث 1847).
3- بعض ممن حوصروا في الشعب هم من كفار بني هاشم وبني المطلب، “فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية” كما قال ابن حجر رحمه الله.
يعلق منير محمد الغضبان على هذا الأمر قائلا:
[...لكننا هنا أمام صورة مغايرة، أمام فريق من الجاهلية، ضحى بمصالحه واستقراره ووجوده من أجل الإسلام، ولم تكن التضحية يوما أو يومين، بل امتدت سنتين وثلاثا. وإني ليأخذ بي العجب وأنا أتخيل هذه الصورة. صورة ذلك المشرك القابع في زاوية من زوايا شعب أبي طالب، ويده على سلاحه، يكاد يقتله الجوع، ويفتك بأولاده وزوجه، والأمل مسدود أمامه بلا رجاء، ويسائل نفسه: لم ينالني هذا الأذى؟ ويجيب: من أجل محمد، محمد الذي هاجم معتقداتي وآلهتي وديني. ويتساءل: كيف أعرض نفسي للموت من أجله؟ ثم يطرد هذا التساؤل، ويهرب من هذا الخاطر، ويقنع نفسه بموقفه، طالما أن أبا طالب دعاه لهذا الموقف فلن يتراجع عنه ولو أدى إلى موته.
نحن إذن أمام جاهلية تؤمن بقيم ثابثة فتضحي بمصالحها واستقرارها ووجودها في سبيل الإسلام](المنهج الحركي للسيرة النبوية، مكتبة المنار- الأردن. ط1/1412-1992.ص1/117).
ويضيف:
[فلا يجوز إذن أن يبلغ بنا التشيخ حدا نتصور فيه أن الجاهلية دائما تنطلق من مصالحها ولا تؤمن بشيء. بل قد تصادف الحركة الإسلامية في مسيرتها بعض هذه النماذج](نفسه).
ولقد رأينا كيف أن أطباء غير مسلمين، من النرويج مثلا ومن سويسرا وغيرهما، دخلوا قطاع غزة في عز الحرب لتقديم العلاج للمرضى والجرحى، وكيف أن الكثير من غير المسلمين ينددون الآن في أوربا وأمريكا بالعدوان الهمجي الصهيوني على قطاع غزة، وكيف أن الكثير من رجال القانون ، مسلمين وغير مسلمين، يتحركون اليوم -بعد أن كونوا لجانا وجمعيات- للضغط من أجل محاكمة القادة الصهاينة لارتكابهم جرائم حرب، هذا في الوقت الذي يرفض فيه البهائي محمود عباس -الرئيس المنتهية ولايته على الشعب الفلسطيني- مجرد تقديم الدعوى إإ
فلماذا هذا الرفض؟
- هل دماء أبناء غزة رخيصة إلى هذا الحد الذي لا يرى فيه البهائي حاجة لتقديم الدعوى؟ أم أن الشهداء والجرحى في هذه الحرب الأثيمة مجرد حشرات لا ينبغي أن يؤبه لها، فيحطمون كما تحطم تلك الحشرات، ثم يمضي من حطمها لا يلوي على شيء، بل لا يحاسب على شيء؟
- هل البهائي يخشى من انكشاف أمر في غير مصلحته إذا ما قام بتسجيل الدعوى؟ وما هو ذلك الأمر: هل هو تورطه في الحرب ضد أبناء الشعب بشكل من الأشكال؟ أم هو أمر آخر؟
إن موقفه يحيك منه في الصدر شيء إإ
4- صمد المسلمون في ذلك الحصار الظالم مدة ثلاث سنوات. وصمد أهل غزة أيضا مدة لا يستهان بها -ولا زالوا- في الحصار ثم الحرب مع الحصار ثم الحصار الآن، والذي من حكامنا من يملك قرار إنهائه إن توفرت الهمة لذلك.
لقد عمل مجموعة من المشركين، على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، على إنهاء الحصار، وتوفقوا في ذلك. ويعمل الآن البعض على إدامة ذلك الحصار، مع أنه كان المنتظر إكرام أهل غزة وتقديرهم لصمودهم. وهذا أقل ما يمكن أن يفعله من لديه ذرة من أخلاق تدعوه إلى الاعتراف بالجميل: جميل المقاومة والصمود.
عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: [خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغارا والله ما ينضجون كراعا ولا لهم زرع ولا ضرع وخشيت أن تأكلهم الضبع، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم. فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: مرحبا بنسب قريب. ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما وحمل بينهما نفقة وثيابا، ثم ناولها بخطامه ثم قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها، قال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمانا فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سهماننا فيه](أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية، حديث 4160و4161).
إنه الاعتراف بالجميل للمجاهدين إ وممن؟ من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
بل إن عمر رضي الله عنه لا ينسى مشاركة سابقة لامرأة في الجهاد، ولو حدث ذلك منذ سنوات طوال: عن ابن شهاب: قال ثعلبة بن أبي مالك:[إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك -يريدون أم كلثوم بنت علي- فقال عمر: أم سليط أحق. وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد](أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو، حديث 2881).
إنه الفرق بين الحاكم المسلم وبين الحاكم “الأرجوزة” إ
والفرق بين صنيع عمر، وبين من يديم أمد الحصار، هو كالفرق بين عمر، خليفة المسلمين، وبين حاكم لا يحسن سوى الاستجابة لإملاءات أمريكا والصهاينة إإ
فرحمة الله عليك يا عمر إإ
أما الحاكم الذي لا يزال يغلق المنفذ الذي يمكن منه إغاثةأهل غزة، فنسوق له -إن كان “رئيسا مؤمنا” حقا- هذه الأحاديث:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل مائه فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك](أخرجه البخاري في المساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، حديث 2369).
فالذين يمنعون ما زاد عن حاجتهم من الماء على بني البشر، يتوعدهم دين الله بعقاب شديد:
* “لا يكلمهم الله سبحانه يوم القيامة”. وهو[عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم] كما قال القرطبي رحمه الله(الجامع لأحكام القرآن، مكتبة الصفا، القاهرة. ط1/1425-2005 ص2/186).
ويتوسع الإمام المازري رحمه الله في ذكر المعنى فيقول:
[معنى "لا يكلمهم الله" أي بكلام أهل الخير وإظهار الرضا والبر، بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: لا يسمعهم كلامه بغير سفير، وقيل: معنى ذلك الإعراض والغضب، وهو معنى "لا ينظر إليهم"، ونظر الله لعباده رحمته لهم وعطفه عليهم](إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض رحمه الله، تحقيق د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر. ط2/1425-2004 ص1/380)
* “ولا ينظر إليهم”، أي:[لا يرحمهم ولا يعطف عليهم](القرطبي، ص2/186).
فيتحصل مما سبق أن من حاصر قوما ومنعهم الماء الذي “لم تعمله يداه”، أي لم يخرج الماء من الأرض وإنما الذي أخرجه هو الله سبحانه، صاحب هذا العمل الشنيع يحجب عنه الله سبحانه وتعالى رحمته ويغضب عليه، ومن يغضب عليه الله سبحانه وتعالى فقد هلك والعياذ بالله.
وقد روى البخاري رحمه الله حديثا آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلإ](أخرجه في المساقاة، باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى…حديث 2354).
وعند أبي داود عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا أسمعه يقول:[المسلمون شركاء في ثلاث:الكلأ والماء والنار](أخرجه في البيوع، باب في منع الماء، حديث 3477، وقال الألباني: صحيح).
ومن العلماء من شرح النار أنها[النار حقيقة، والمعنى: لا يمنع من يستصبح منها مصباحا أو يدني منها ما يشعله منها](ابن حجر، الفتح، ص5/42).
وقد يفهم من هذا الكلام أن المقصود بالنار كل ما يتعلق بالكهرباء، من طاقة لتوليده أو غاز لتشغيل مولداته أو غير ذلك.
وإنه لعار وأي عار أن يقدم “الغاز الطبيعي” الذي يملكه المسلمون في بلد من البلدان الإسلامية بأسعار تفضيلية للصهاينة، ويمنع عن أهل غزة إإ
2- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا، فدخلت فيها النار. قال: فقال -والله أعلم-: لا أنت أطعمتها ولا سقيتها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض ](أخرجه البخاري في المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث 2365).
قال ابن المنير:[دل الحديث على تحريم قتل من لم يؤمر بقتله عطشا ولو كان هرة](الفتح5/54).
وقال القاضي عياض رحمه الله:[وتعذيب هذه المرأة بسبب قتل هذه الهرة يحصل أن يكون هذا العذاب بالنار، أو يكون بالحساب على ذلك، فمن نوقش الحساب عذب (...) أو تكون هذه المرأة كافرة فعذبت لكفرها، وزيدت عذابا بسيء أعمالها](إكمال المعلم، ص7/178-179).
ومثل هذا الحديث ما أخرجه مسلم عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك قال: دخلت مع جدي -أنس بن مالك- دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها. قال: فقال أنس:[ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم](كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، حديث 1956).
ومعنى: “نهى أن تصبر البهائم”، قال الإمام المازري رحمه الله:[ معناه: أن نحبسها وهي حية، ثم نرميها، وكل من حبس لقتل أو يمين، فهو قتل صبر أو يمين صبر](إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض، ص6/396).
بل إن من يفعل ذلك ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج مسلم عن سعيد بن جبير قال: مر ابن عمربنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، قال ابن عمر: من فعل هذا؟إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا.(كتاب الصيد والذبائح، نفس الباب ، حديث 1958).
إن منع الطعام والشراب عن هرة حتى تموت جزاؤه النار، فكيف بمن يمنعهما عن بني البشر، وهو يعلم أن الطعام والشراب ليسا من ملكه، وإنما هما من ذوي الغيرة والنفوس الحية؟
وعلى العكس لو أحسن إنسان إلى حيوان فجزاؤه ما في الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي. فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر](أخرجه البخاري في المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث 2363).
قال الباجي رحمه الله عن قوله صلى الله عليه وسلم: “فشكر الله له” مايلي:
[يحتمل أن يريد بذلك الثناء عليه بفعله، ويحتمل والله أعلم أن يريد به الجزاء له بالغفران والثواب، وقد تسمي العرب الجزاء شكرا](الباجي، المنتقى شرح موطأ مالك، تحقيق محمد عبدالقادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/1420-1999 ص9/350).
وقد رأى ابن حجر رحمه الله في الحديث [الحث إلى الإحسان إلى الناس، لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم أعظم أجرا](الفتح 5/54).
يهتم الناس -خاصة في أوربا- بالحيوان ويكونون جمعيات للرفق به. وليس هناك، في دين أو نحلة، ما رتبه الإسلام على تعذيب الحيوان -كما في حديث الهرة- أو على الرفق به -كما في حديث الكلب- من جزاء إإ فكيف بالإنسان؟
لقد آلمني مرة أشد الإيلام صرخة أحد أبناء الحركة الإسلامية، في بلد إسلامي، وقد رأى أهل الكتاب يعيشون في بلده مكفولة حقوقهم، وهذا ما نثمنه وندعو إليه، بل يتمتعون أحيانا بأكثر مما يكفله القانون لهم، في حين أن أبناء الحركة يلقى بهم في السجون، فكانت الصرخة: يا هؤلاء، سنوا بنا سنة أهل الكتاب كما تعملون بها الآن إإ أي: أعطونا حقوق اليهود في بلدنا الإسلامي إإ
فهل آن لأهل غزة أن ينادوا من يعمل على إدامة إغلاق معبر رفح:
“يا هؤلاء، أعطونا نصف أو عشر معشار حقوق الحيوانات…”؟إإ
لا والله إ
أهل غزة أهل العزة، ومن يعمل على إذاية “أدناهم” هو الأجدر ب”حيوانية” الحيوان إإ
[واشتد الحصار، وقطعت عنهم الميرة والمادة، فلم يكن المشركون يتركون طعاما يدخل مكة ولا بيعا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجأوا إلى كل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا، وكانوا لايخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى لا يستطيعوا الشراء](الرحيق المختوم، دار العنان، القاهرة. ط1/1426-2005 ص86).وذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي أن بني هاشم وبني المطلب [أدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله...حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية](ابن حجر، فتح الباري، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/1410-1989 ص7/244).
وذكر ابن هشام أن أبا لهب ظاهر كفار قريش في هذا الحصار الظالم، وأنه كان يقول: [" يعدني محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك؟ ثم ينفخ في يديه ويقول: تبا لكما، ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد. فأنزل الله تعالى فيه:(تبت يدا أبي لهب وتب)(المسد:1)](ابن هشام، السيرة النبوية، 2/181).
من هذه النصوص نستنتج ما يلي:1- أن هذا الحصار لا يمكن أن يصدر عن نفوس تملك ذرة من الإنسانية. ذلك أن منع الماء والطعام (الميرة والمادة) عن الرجل الكبير، بله الطفل الصغير والعجوز والمريض…، مهما كان دين أو مذهب ذلك الرجل، هو من شيم النفوس المجرمة التي مردت على السادية، فصارت نفوسا حيوانية تلتذ بعذابات المخلوقات التي هي من جنسها حينما تكتم أنفاسها وتلتهمها في شراهة.ولذلك ما يمكن لمسلم حق أن يساهم في مثل ذلك الحصار، وما يمكن لذلك الحصار إلا أن ينبت في ذهن كافر لا تعرف الرحمة -التي هي من صفات الرحمان الرحيم- إلى قلبه سبيلا. وبالتالي نفهم ما جاء في فتوى 102 من علماء الإسلام، من [إن الظلم العظيم الذي لحق بإخواننا المسلمين في غزة بالحصار الخانق بمنع الغذاء والدواء وجميع الإمدادات الضرورية، والذي زاد على السنتين بفرض من العدو اليهودي ، وتآمر من دول الكفر ، وتعاون من بعض الدول العربية بإغلاق معبر رفح وتتبع الأنفاق الأهلية وهدمها حتى لا يصل الغذاء والدواء والسلاح لأهلنا في غزة ، واستمر الإصرار على إغلاق المعبر حتى بعد هجوم اليهود العسكري على إخواننا في غزة وقتل المئات وجرح الآلاف وانقطاع الماء والكهرباء والوقود، كل ذلك مع إلحاح وصراخ المسلمين كافة بطلب فتح المعبر.فهو تعاون صريح مع العدو اليهودي في قتل إخواننا في غزة، وما كان ليتم هذا الحصار، ولا استنزاف قوة المجاهدين وخنقهم في غزة وعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم إلا بإغلاق المعبر والأنفاق. فهو من أعظم الخيانات الصريحة التي مرت على الأمة عبر التاريخ، وقد اتفق العلماء على أن مظاهرة الكفار على المسلمين كفر وردة عن الإسلام...](نص الفتوى كله مذكور في هذه المدونة).2- أن أبا لهب ظاهر المشركين في ذلك الحصار، وفعل ذلك جهارا. فهو لم يدن الحصار علانية، ثم عمل على تشديده في السر، بل جاهر بالمظاهرة، وسخر من العقيدة انسجاما مع ما يمليه عليه شركه.
ومن أغرب الغرائب أن من حكامنا الآن من يدين -عكس أبي لهب- الحصار جهارا، لكن يعمل على تشديده في السر. بل ربما يفتخر، ومن خلال وسائل الإعلام، أنه “الرئيس المؤمن”، أو يلقبه بعض “مرتزقة التدين” بذلك. وياليته يرقى قليلا إلى مستوى أبي لهب تبت يداه، فيعلن ما يبطن، ويذكر مع الملإ أنه مع الحصار، وأنه ضد حماس، وضد فلسطين الإسلام، بل ضد الإسلام، عوض التذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء إ
إن من كان شأنه هكذا يمكن اعتباره من صنف [رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ]، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (جزء من حديث أخرجه مسلم في الإمارة، باب وجوب لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن…حديث 1847).
3- بعض ممن حوصروا في الشعب هم من كفار بني هاشم وبني المطلب، “فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية” كما قال ابن حجر رحمه الله.
يعلق منير محمد الغضبان على هذا الأمر قائلا:
[...لكننا هنا أمام صورة مغايرة، أمام فريق من الجاهلية، ضحى بمصالحه واستقراره ووجوده من أجل الإسلام، ولم تكن التضحية يوما أو يومين، بل امتدت سنتين وثلاثا. وإني ليأخذ بي العجب وأنا أتخيل هذه الصورة. صورة ذلك المشرك القابع في زاوية من زوايا شعب أبي طالب، ويده على سلاحه، يكاد يقتله الجوع، ويفتك بأولاده وزوجه، والأمل مسدود أمامه بلا رجاء، ويسائل نفسه: لم ينالني هذا الأذى؟ ويجيب: من أجل محمد، محمد الذي هاجم معتقداتي وآلهتي وديني. ويتساءل: كيف أعرض نفسي للموت من أجله؟ ثم يطرد هذا التساؤل، ويهرب من هذا الخاطر، ويقنع نفسه بموقفه، طالما أن أبا طالب دعاه لهذا الموقف فلن يتراجع عنه ولو أدى إلى موته.
نحن إذن أمام جاهلية تؤمن بقيم ثابثة فتضحي بمصالحها واستقرارها ووجودها في سبيل الإسلام](المنهج الحركي للسيرة النبوية، مكتبة المنار- الأردن. ط1/1412-1992.ص1/117).
ويضيف:
[فلا يجوز إذن أن يبلغ بنا التشيخ حدا نتصور فيه أن الجاهلية دائما تنطلق من مصالحها ولا تؤمن بشيء. بل قد تصادف الحركة الإسلامية في مسيرتها بعض هذه النماذج](نفسه).
ولقد رأينا كيف أن أطباء غير مسلمين، من النرويج مثلا ومن سويسرا وغيرهما، دخلوا قطاع غزة في عز الحرب لتقديم العلاج للمرضى والجرحى، وكيف أن الكثير من غير المسلمين ينددون الآن في أوربا وأمريكا بالعدوان الهمجي الصهيوني على قطاع غزة، وكيف أن الكثير من رجال القانون ، مسلمين وغير مسلمين، يتحركون اليوم -بعد أن كونوا لجانا وجمعيات- للضغط من أجل محاكمة القادة الصهاينة لارتكابهم جرائم حرب، هذا في الوقت الذي يرفض فيه البهائي محمود عباس -الرئيس المنتهية ولايته على الشعب الفلسطيني- مجرد تقديم الدعوى إإ
فلماذا هذا الرفض؟
- هل دماء أبناء غزة رخيصة إلى هذا الحد الذي لا يرى فيه البهائي حاجة لتقديم الدعوى؟ أم أن الشهداء والجرحى في هذه الحرب الأثيمة مجرد حشرات لا ينبغي أن يؤبه لها، فيحطمون كما تحطم تلك الحشرات، ثم يمضي من حطمها لا يلوي على شيء، بل لا يحاسب على شيء؟
- هل البهائي يخشى من انكشاف أمر في غير مصلحته إذا ما قام بتسجيل الدعوى؟ وما هو ذلك الأمر: هل هو تورطه في الحرب ضد أبناء الشعب بشكل من الأشكال؟ أم هو أمر آخر؟
إن موقفه يحيك منه في الصدر شيء إإ
4- صمد المسلمون في ذلك الحصار الظالم مدة ثلاث سنوات. وصمد أهل غزة أيضا مدة لا يستهان بها -ولا زالوا- في الحصار ثم الحرب مع الحصار ثم الحصار الآن، والذي من حكامنا من يملك قرار إنهائه إن توفرت الهمة لذلك.
لقد عمل مجموعة من المشركين، على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، على إنهاء الحصار، وتوفقوا في ذلك. ويعمل الآن البعض على إدامة ذلك الحصار، مع أنه كان المنتظر إكرام أهل غزة وتقديرهم لصمودهم. وهذا أقل ما يمكن أن يفعله من لديه ذرة من أخلاق تدعوه إلى الاعتراف بالجميل: جميل المقاومة والصمود.
عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: [خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغارا والله ما ينضجون كراعا ولا لهم زرع ولا ضرع وخشيت أن تأكلهم الضبع، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم. فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: مرحبا بنسب قريب. ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما وحمل بينهما نفقة وثيابا، ثم ناولها بخطامه ثم قال: اقتاديه، فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها، قال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمانا فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سهماننا فيه](أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية، حديث 4160و4161).
إنه الاعتراف بالجميل للمجاهدين إ وممن؟ من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
بل إن عمر رضي الله عنه لا ينسى مشاركة سابقة لامرأة في الجهاد، ولو حدث ذلك منذ سنوات طوال: عن ابن شهاب: قال ثعلبة بن أبي مالك:[إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك -يريدون أم كلثوم بنت علي- فقال عمر: أم سليط أحق. وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد](أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو، حديث 2881).
إنه الفرق بين الحاكم المسلم وبين الحاكم “الأرجوزة” إ
والفرق بين صنيع عمر، وبين من يديم أمد الحصار، هو كالفرق بين عمر، خليفة المسلمين، وبين حاكم لا يحسن سوى الاستجابة لإملاءات أمريكا والصهاينة إإ
فرحمة الله عليك يا عمر إإ
أما الحاكم الذي لا يزال يغلق المنفذ الذي يمكن منه إغاثةأهل غزة، فنسوق له -إن كان “رئيسا مؤمنا” حقا- هذه الأحاديث:
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل مائه فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك](أخرجه البخاري في المساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، حديث 2369).
فالذين يمنعون ما زاد عن حاجتهم من الماء على بني البشر، يتوعدهم دين الله بعقاب شديد:
* “لا يكلمهم الله سبحانه يوم القيامة”. وهو[عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم] كما قال القرطبي رحمه الله(الجامع لأحكام القرآن، مكتبة الصفا، القاهرة. ط1/1425-2005 ص2/186).
ويتوسع الإمام المازري رحمه الله في ذكر المعنى فيقول:
[معنى "لا يكلمهم الله" أي بكلام أهل الخير وإظهار الرضا والبر، بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: لا يسمعهم كلامه بغير سفير، وقيل: معنى ذلك الإعراض والغضب، وهو معنى "لا ينظر إليهم"، ونظر الله لعباده رحمته لهم وعطفه عليهم](إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض رحمه الله، تحقيق د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر. ط2/1425-2004 ص1/380)
* “ولا ينظر إليهم”، أي:[لا يرحمهم ولا يعطف عليهم](القرطبي، ص2/186).
فيتحصل مما سبق أن من حاصر قوما ومنعهم الماء الذي “لم تعمله يداه”، أي لم يخرج الماء من الأرض وإنما الذي أخرجه هو الله سبحانه، صاحب هذا العمل الشنيع يحجب عنه الله سبحانه وتعالى رحمته ويغضب عليه، ومن يغضب عليه الله سبحانه وتعالى فقد هلك والعياذ بالله.
وقد روى البخاري رحمه الله حديثا آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلإ](أخرجه في المساقاة، باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى…حديث 2354).
وعند أبي داود عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا أسمعه يقول:[المسلمون شركاء في ثلاث:الكلأ والماء والنار](أخرجه في البيوع، باب في منع الماء، حديث 3477، وقال الألباني: صحيح).
ومن العلماء من شرح النار أنها[النار حقيقة، والمعنى: لا يمنع من يستصبح منها مصباحا أو يدني منها ما يشعله منها](ابن حجر، الفتح، ص5/42).
وقد يفهم من هذا الكلام أن المقصود بالنار كل ما يتعلق بالكهرباء، من طاقة لتوليده أو غاز لتشغيل مولداته أو غير ذلك.
وإنه لعار وأي عار أن يقدم “الغاز الطبيعي” الذي يملكه المسلمون في بلد من البلدان الإسلامية بأسعار تفضيلية للصهاينة، ويمنع عن أهل غزة إإ
2- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا، فدخلت فيها النار. قال: فقال -والله أعلم-: لا أنت أطعمتها ولا سقيتها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض ](أخرجه البخاري في المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث 2365).
قال ابن المنير:[دل الحديث على تحريم قتل من لم يؤمر بقتله عطشا ولو كان هرة](الفتح5/54).
وقال القاضي عياض رحمه الله:[وتعذيب هذه المرأة بسبب قتل هذه الهرة يحصل أن يكون هذا العذاب بالنار، أو يكون بالحساب على ذلك، فمن نوقش الحساب عذب (...) أو تكون هذه المرأة كافرة فعذبت لكفرها، وزيدت عذابا بسيء أعمالها](إكمال المعلم، ص7/178-179).
ومثل هذا الحديث ما أخرجه مسلم عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك قال: دخلت مع جدي -أنس بن مالك- دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها. قال: فقال أنس:[ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم](كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، حديث 1956).
ومعنى: “نهى أن تصبر البهائم”، قال الإمام المازري رحمه الله:[ معناه: أن نحبسها وهي حية، ثم نرميها، وكل من حبس لقتل أو يمين، فهو قتل صبر أو يمين صبر](إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض، ص6/396).
بل إن من يفعل ذلك ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج مسلم عن سعيد بن جبير قال: مر ابن عمربنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، قال ابن عمر: من فعل هذا؟إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا.(كتاب الصيد والذبائح، نفس الباب ، حديث 1958).
إن منع الطعام والشراب عن هرة حتى تموت جزاؤه النار، فكيف بمن يمنعهما عن بني البشر، وهو يعلم أن الطعام والشراب ليسا من ملكه، وإنما هما من ذوي الغيرة والنفوس الحية؟
وعلى العكس لو أحسن إنسان إلى حيوان فجزاؤه ما في الحديث:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي. فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر](أخرجه البخاري في المساقاة، باب فضل سقي الماء، حديث 2363).
قال الباجي رحمه الله عن قوله صلى الله عليه وسلم: “فشكر الله له” مايلي:
[يحتمل أن يريد بذلك الثناء عليه بفعله، ويحتمل والله أعلم أن يريد به الجزاء له بالغفران والثواب، وقد تسمي العرب الجزاء شكرا](الباجي، المنتقى شرح موطأ مالك، تحقيق محمد عبدالقادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/1420-1999 ص9/350).
وقد رأى ابن حجر رحمه الله في الحديث [الحث إلى الإحسان إلى الناس، لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم أعظم أجرا](الفتح 5/54).
يهتم الناس -خاصة في أوربا- بالحيوان ويكونون جمعيات للرفق به. وليس هناك، في دين أو نحلة، ما رتبه الإسلام على تعذيب الحيوان -كما في حديث الهرة- أو على الرفق به -كما في حديث الكلب- من جزاء إإ فكيف بالإنسان؟
لقد آلمني مرة أشد الإيلام صرخة أحد أبناء الحركة الإسلامية، في بلد إسلامي، وقد رأى أهل الكتاب يعيشون في بلده مكفولة حقوقهم، وهذا ما نثمنه وندعو إليه، بل يتمتعون أحيانا بأكثر مما يكفله القانون لهم، في حين أن أبناء الحركة يلقى بهم في السجون، فكانت الصرخة: يا هؤلاء، سنوا بنا سنة أهل الكتاب كما تعملون بها الآن إإ أي: أعطونا حقوق اليهود في بلدنا الإسلامي إإ
فهل آن لأهل غزة أن ينادوا من يعمل على إدامة إغلاق معبر رفح:
“يا هؤلاء، أعطونا نصف أو عشر معشار حقوق الحيوانات…”؟إإ
لا والله إ
أهل غزة أهل العزة، ومن يعمل على إذاية “أدناهم” هو الأجدر ب”حيوانية” الحيوان إإ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق