يمكن اعتبار اللغة، علاوة على أنها وسيلة للتواصل وحاملة للثقافة، علامة من العلامات المميزة لمرحلة من المراحل. فلكل مرحلة كلماتها ومصطلحاتها وتعابيرها التي تشير إلى ما كان سائدا فيها من نقاشات أو اهتمامات في مختلف الميادين الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية…
لقد انطبعت مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي مثلا- خاصة عند من يقف على الأرضية الفكرية ذات المنحى اليساري- بسيادة تعابير مثل الاشتراكية والتقدمية والتطور والطبقة الكادحة… وغيرها من التعابير التي كان لها بريقها الجذاب. وهناك أيضا، وانطلاقا من أرضية ثقافية مغايرة، من تكلم بتعابير أخرى مثل العدالة الاجتماعية والتعادلية والفئات المحرومة…
وبعد أن أخذ لمعان التعابير السابقة في الأفول، لمع بريق أخرى مثل التنوير أو الاستنارة، ثم الحداثة لاحقا.
وفي الجانب القدحي انتقلت المصطلحات والتعابير المميزة من النعت بالتخلف إلى الرجعية والماضوية، ثم الظلامية، وأخيرا الإرهاب.
ولعل من أكثر التعابير التي تم تداولها أخيرا تعابير مميزة”للحركية السياسية”في بلدنا، مثل “الالتزام بالمنهجية الديمقراطية” أو “الخروج عنها” و”التناوب الديمقراطي” و”الكوطا النسائية” و”ليس في القنافذ أملس”… وغير ذلك.
ومن العبارات التي أصبحت الآن تتداولها ألسنة بعض الفاعلين السياسيين والمثقفين، خاصة ممن لهم ارتباط- بشكل أو بآخر- بالدوائر الرسمية، عبارة:(للمتضرر أن يلجأ إلى القضاء)، أو ما يقاربها.
فقد جاءت هذه العبارة مثلا على لسان وزير الداخلية شكيب بنموسى، ثم بعض المثقفين، في قضايا بعضها يرتبط بإسلاميين، أو في إطار حواري يتعلق بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة مثلا.
*فقد ذكرها وزير الداخلية بعد حل (حزب البديل الحضاري) دون اللجوء إلى القضاء، وصرح- وهو يرد على أسئلة الصحفيين في ندوة صحفية عقدها يوم الأربعاء 20 فبراير 2008- قائلا:
[قرار الحل لا يعني أن كل أعضاء هذا الحزب متورطون، بل المعتقلين فقط ، ليس هناك ما يمنع هؤلاء الأعضاء من الطعن لدى القضاء] (جريدة”الأحداث المغربية”عدد 3302/الجمعة 22فبراير 2008).
وذكرها مرة أخرى بمجلس النواب وهو يرد على تعقيب للنائب مصطفى الرميد حول قيام السلطات بإغلاق مجموعة من دور القرآن، إذ قال الوزير في رده:
[إن هذه الجمعيات لها كامل الحق في اللجوء إلى القضاء إذا اعتبرت أن قرار إغلاقها مخالف للقانون] (جردة”النهار المغربية”عدد 1369/ الجمعة 31 أكتوبر 2008).
*مثل هذا الكلام ردده أيضا - و”حذو الكلمة بالكلمة”- نائب برلماني من حزب التقدم والاشتراكية (امحمد كرين) في تصريح لقناة الجزيرة القطرية (في نشرة الحصاد المغاربي ليوم الثلاثاء 11 نونبر 2008).
*وذكرها”مثقف استئصالي” لا يتورع عن التحريض على كل ما هو إسلامي، فقال في موضوع حل الحزب المذكور:
[إن الوزير، حين أصدر مرسوما بحل حزب البديل الحضاري، لم يرتكب أي خطإ ومارس سلطته بناء على تقارير وزارة الداخلية التي حددت حجم الخطر، ووفق نص قانوني صريح في قانون الأحزاب. كما أن الذين اعتبروا مرسومه"لاقانونيا" ما عليهم إلا اللجوء للقضاء المختص، هذه هي دولة الحق والقانون التي يسعى الجميع لترسيخها] (جمال هاشم، مقال: الإرهاب ويقظة الأمن، الأحداث المغربية، عدد 3308/ الخميس 28 فبراير 2008).
*وذكرها أيضا حسن بنعدي الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، والذي طرح عليه سؤال حول مدى قانونية تأسيس الحزب- في برنامج (حوار) الذي تبثه القناة الأولى المغربية- فدعا الأمين العام (في حلقة مساء الثلاثاء 14 أكتوبر 2008) [طارحي السؤال والذين يعتبرون أنفسهم متضررين من الوضع غير القانوني للحزب باللجوء للقضاء، لا لكي يسووا وضعية الحزب، بل كي تنصفهم وزارة الداخلية وتزيح عنهم الضرر الذي لحق بهم] (عبدالعزيز العبدي، مقال:”لانورماليتي يا لانورماليتي”، الأحداث المغربية، عدد 3544/ الأربعاء 22 أكتوبر 2008).
هذه “النصيحة” باللجوء إلى القضاء يمكن أن يفهم منها:
1- أن القضاء نزيه ومستقل،ولذلك سينصف المظلوم الذي يلجأ إليه. يؤكد ذلك المفهوم وزير الداخلية نفسه لما سئل- في الحوار الذي أجرته معه مجلة (جون أفريك) يوم 25 فبراير 2008- :[كيف يعامل المعتقلون الإسلاميون ؟ العديد من المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان ترى أن حقوقهم غير محترمة ويساء معاملتهم خلال الاستنطاق؟]،إذ أجاب الوزير:
[كل القوانين المعمول بها محترمة، وكل الفاعلين يمكنهم مطالبة العدالة التأكد مما ينسب إليهم…] (جريدة”الصباح”،عدد 2457/ الثلاثاء 04 مارس 2008).
2- أو أن المتفوه بتلك النصيحة يعرف مسبقا أن هذا القضاء سينحني إلى جانب من خرق القانون. ومعنى ذلك كأن صاحب”النصيحة” المذكورة يقول للمظلوم، وبعبارة مغربية سائرة:(جري طوالك) إإ (= حاول بما أوتيت من جهد، فلن تحصل على شيء).
فهل القضاء بالمغرب مستقل فعلا إلى الدرجة التي يمكن معها الاعتقاد أن الإشارة باللجوء إلى القضاء لها مصداقية في الواقع؟
يمكننا تلمس الجواب من خلال عدة ممارسات منطلقها الدعوة إلى إصلاح القضاء بالمغرب، أو كلمات تأتي أحيانا بشكل عفوي من شخصية قضائية أو في إطار دراسة أو تقرير لمناضل حقوقي.
وفي هذا المجال يمكن إيراد ما ذكره أحد قضاة التحقيق لأحد المتهمين في قضية من القضايا، وهو قوله له:
[" أقسم بالله العلي العظيم بأنك لم تقتل أي أحد". وأضاف: "ولكن ماعندي ما ندير ليك، داك شي جاي من الفوق] (جريدة”الحياة الجديدة”المغربية، بتاريخ 09-15 ماي2008، العدد 11).
كما يمكن ذكر ما جاء في تقرير الدكتور هيثم مناع، المراقب الدولي الذي حضر بدء محاكمة السياسيين الستة في(خلية بلعيرج)، حينما أشار إلى أن [حديث أكثر من مسؤول عن أدلة ومعلومات ثابتة، قبل انتهاء التحقيقات الأولية يتعارض مع صلاحيات القضاء المختص] (الصباح، عدد 2660، الثلاثاء 28 أكتوبر 2008)، وحينما ذكر أن رد وكيل الحق العام على الاحتفاظ بالمتهمين في السجن وغير ذلك [كان خارج المنطق القانوني، وضمن منطق التعليمات المسبقة] (نفسه)، وأن[المرسوم الصادر عن السيد الوزير الأول بحل حزب البديل الحضاري إجراء يمكن تصنيفه ضمن حملة تسييس المحكمة وإضفاء الطابع السياسي الذي غطى على القضائي، بل وحاول توجيه مساره](نفسه).
والسيد هيثم مناع لا يمكن اتهامه بممالأة الإسلاميين، إذ كتابه عن”المرأة في الإسلام”- مثلا- يبين ذلك.
فإذا ثبت أن القضاء غير مستقل عكس ما يريد أن يوهمنا به صاحب الإشارة باللجوء إليه، هل يمكن القول أن المقصود هو:[جري طوالك]؟
إذا كان الجواب بالإيجاب- وهو ما لا نرجوه- فلا يسعنا سوى أن نردد مع الشاعر أحمد مطر:
[ يطعنني ويدعي أن دمي لوث حد سيفه،فأخرج القانون من متحفه، وأمسح الغبار عن جبينه،أطلب بعض عطفه،لكنه يهرب نحو قاتلي وينحني في صفه،يقول حبري ودمي: "لا تندهش،من يملك القانون في أوطاننا،هو الذي يملك حق عزفه].
لقد انطبعت مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي مثلا- خاصة عند من يقف على الأرضية الفكرية ذات المنحى اليساري- بسيادة تعابير مثل الاشتراكية والتقدمية والتطور والطبقة الكادحة… وغيرها من التعابير التي كان لها بريقها الجذاب. وهناك أيضا، وانطلاقا من أرضية ثقافية مغايرة، من تكلم بتعابير أخرى مثل العدالة الاجتماعية والتعادلية والفئات المحرومة…
وبعد أن أخذ لمعان التعابير السابقة في الأفول، لمع بريق أخرى مثل التنوير أو الاستنارة، ثم الحداثة لاحقا.
وفي الجانب القدحي انتقلت المصطلحات والتعابير المميزة من النعت بالتخلف إلى الرجعية والماضوية، ثم الظلامية، وأخيرا الإرهاب.
ولعل من أكثر التعابير التي تم تداولها أخيرا تعابير مميزة”للحركية السياسية”في بلدنا، مثل “الالتزام بالمنهجية الديمقراطية” أو “الخروج عنها” و”التناوب الديمقراطي” و”الكوطا النسائية” و”ليس في القنافذ أملس”… وغير ذلك.
ومن العبارات التي أصبحت الآن تتداولها ألسنة بعض الفاعلين السياسيين والمثقفين، خاصة ممن لهم ارتباط- بشكل أو بآخر- بالدوائر الرسمية، عبارة:(للمتضرر أن يلجأ إلى القضاء)، أو ما يقاربها.
فقد جاءت هذه العبارة مثلا على لسان وزير الداخلية شكيب بنموسى، ثم بعض المثقفين، في قضايا بعضها يرتبط بإسلاميين، أو في إطار حواري يتعلق بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة مثلا.
*فقد ذكرها وزير الداخلية بعد حل (حزب البديل الحضاري) دون اللجوء إلى القضاء، وصرح- وهو يرد على أسئلة الصحفيين في ندوة صحفية عقدها يوم الأربعاء 20 فبراير 2008- قائلا:
[قرار الحل لا يعني أن كل أعضاء هذا الحزب متورطون، بل المعتقلين فقط ، ليس هناك ما يمنع هؤلاء الأعضاء من الطعن لدى القضاء] (جريدة”الأحداث المغربية”عدد 3302/الجمعة 22فبراير 2008).
وذكرها مرة أخرى بمجلس النواب وهو يرد على تعقيب للنائب مصطفى الرميد حول قيام السلطات بإغلاق مجموعة من دور القرآن، إذ قال الوزير في رده:
[إن هذه الجمعيات لها كامل الحق في اللجوء إلى القضاء إذا اعتبرت أن قرار إغلاقها مخالف للقانون] (جردة”النهار المغربية”عدد 1369/ الجمعة 31 أكتوبر 2008).
*مثل هذا الكلام ردده أيضا - و”حذو الكلمة بالكلمة”- نائب برلماني من حزب التقدم والاشتراكية (امحمد كرين) في تصريح لقناة الجزيرة القطرية (في نشرة الحصاد المغاربي ليوم الثلاثاء 11 نونبر 2008).
*وذكرها”مثقف استئصالي” لا يتورع عن التحريض على كل ما هو إسلامي، فقال في موضوع حل الحزب المذكور:
[إن الوزير، حين أصدر مرسوما بحل حزب البديل الحضاري، لم يرتكب أي خطإ ومارس سلطته بناء على تقارير وزارة الداخلية التي حددت حجم الخطر، ووفق نص قانوني صريح في قانون الأحزاب. كما أن الذين اعتبروا مرسومه"لاقانونيا" ما عليهم إلا اللجوء للقضاء المختص، هذه هي دولة الحق والقانون التي يسعى الجميع لترسيخها] (جمال هاشم، مقال: الإرهاب ويقظة الأمن، الأحداث المغربية، عدد 3308/ الخميس 28 فبراير 2008).
*وذكرها أيضا حسن بنعدي الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، والذي طرح عليه سؤال حول مدى قانونية تأسيس الحزب- في برنامج (حوار) الذي تبثه القناة الأولى المغربية- فدعا الأمين العام (في حلقة مساء الثلاثاء 14 أكتوبر 2008) [طارحي السؤال والذين يعتبرون أنفسهم متضررين من الوضع غير القانوني للحزب باللجوء للقضاء، لا لكي يسووا وضعية الحزب، بل كي تنصفهم وزارة الداخلية وتزيح عنهم الضرر الذي لحق بهم] (عبدالعزيز العبدي، مقال:”لانورماليتي يا لانورماليتي”، الأحداث المغربية، عدد 3544/ الأربعاء 22 أكتوبر 2008).
هذه “النصيحة” باللجوء إلى القضاء يمكن أن يفهم منها:
1- أن القضاء نزيه ومستقل،ولذلك سينصف المظلوم الذي يلجأ إليه. يؤكد ذلك المفهوم وزير الداخلية نفسه لما سئل- في الحوار الذي أجرته معه مجلة (جون أفريك) يوم 25 فبراير 2008- :[كيف يعامل المعتقلون الإسلاميون ؟ العديد من المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان ترى أن حقوقهم غير محترمة ويساء معاملتهم خلال الاستنطاق؟]،إذ أجاب الوزير:
[كل القوانين المعمول بها محترمة، وكل الفاعلين يمكنهم مطالبة العدالة التأكد مما ينسب إليهم…] (جريدة”الصباح”،عدد 2457/ الثلاثاء 04 مارس 2008).
2- أو أن المتفوه بتلك النصيحة يعرف مسبقا أن هذا القضاء سينحني إلى جانب من خرق القانون. ومعنى ذلك كأن صاحب”النصيحة” المذكورة يقول للمظلوم، وبعبارة مغربية سائرة:(جري طوالك) إإ (= حاول بما أوتيت من جهد، فلن تحصل على شيء).
فهل القضاء بالمغرب مستقل فعلا إلى الدرجة التي يمكن معها الاعتقاد أن الإشارة باللجوء إلى القضاء لها مصداقية في الواقع؟
يمكننا تلمس الجواب من خلال عدة ممارسات منطلقها الدعوة إلى إصلاح القضاء بالمغرب، أو كلمات تأتي أحيانا بشكل عفوي من شخصية قضائية أو في إطار دراسة أو تقرير لمناضل حقوقي.
وفي هذا المجال يمكن إيراد ما ذكره أحد قضاة التحقيق لأحد المتهمين في قضية من القضايا، وهو قوله له:
[" أقسم بالله العلي العظيم بأنك لم تقتل أي أحد". وأضاف: "ولكن ماعندي ما ندير ليك، داك شي جاي من الفوق] (جريدة”الحياة الجديدة”المغربية، بتاريخ 09-15 ماي2008، العدد 11).
كما يمكن ذكر ما جاء في تقرير الدكتور هيثم مناع، المراقب الدولي الذي حضر بدء محاكمة السياسيين الستة في(خلية بلعيرج)، حينما أشار إلى أن [حديث أكثر من مسؤول عن أدلة ومعلومات ثابتة، قبل انتهاء التحقيقات الأولية يتعارض مع صلاحيات القضاء المختص] (الصباح، عدد 2660، الثلاثاء 28 أكتوبر 2008)، وحينما ذكر أن رد وكيل الحق العام على الاحتفاظ بالمتهمين في السجن وغير ذلك [كان خارج المنطق القانوني، وضمن منطق التعليمات المسبقة] (نفسه)، وأن[المرسوم الصادر عن السيد الوزير الأول بحل حزب البديل الحضاري إجراء يمكن تصنيفه ضمن حملة تسييس المحكمة وإضفاء الطابع السياسي الذي غطى على القضائي، بل وحاول توجيه مساره](نفسه).
والسيد هيثم مناع لا يمكن اتهامه بممالأة الإسلاميين، إذ كتابه عن”المرأة في الإسلام”- مثلا- يبين ذلك.
فإذا ثبت أن القضاء غير مستقل عكس ما يريد أن يوهمنا به صاحب الإشارة باللجوء إليه، هل يمكن القول أن المقصود هو:[جري طوالك]؟
إذا كان الجواب بالإيجاب- وهو ما لا نرجوه- فلا يسعنا سوى أن نردد مع الشاعر أحمد مطر:
[ يطعنني ويدعي أن دمي لوث حد سيفه،فأخرج القانون من متحفه، وأمسح الغبار عن جبينه،أطلب بعض عطفه،لكنه يهرب نحو قاتلي وينحني في صفه،يقول حبري ودمي: "لا تندهش،من يملك القانون في أوطاننا،هو الذي يملك حق عزفه].

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق