هذا المقال في الأصل تعقيب على زلة وقع فيها أحد كبار الصحفيين، وكان قد أرسل- أي المقال- إلى إحدى الجرائد الوطنية قصد نشره لكنها لم تفعل، وأعيد نشره هنا للفائدة. وقد كتب في شتنبر 1999.
لازلت أتذكر، وأنا تلميذ بالسنة السابعة(الثانية باكلوريا الآن)، كلام أستاذنا في الفلسفة والفكر الإسلامي، مفسرا ظهور الجبرية والقدرية في عهد بني أمية، وكيف ركز على أن سبب ذلك الظهور يعود إلى وجود آيات قرآنية مشعرة بالجبر، وتوظيف خلفاء بني أمية لها، مما [استدعى نزول آيات أخرى] تفيد الاختيار إإ(كذا).أما على من نزلت، خاصة وأن العصر عصر بني أمية ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد التحق بالرفيق الأعلى منذ سنوات طويلة، فذلك ما لم يفصح عنه الأستاذ لما سئل ، واكتفى- بعد أن احمرت أذناه وانتفخت أوداجه وعلا صوته- بنهر وزجر من سأل أو عقب إإ
كان ذلك منذ سنوات، وحسبت أن الأمر محصور في رجل لا تربطه علاقة بالفكر الإسلامي لا من قريب ولا من بعيد.
إلا أن المفاجأة التي ذكرتني بأستاذنا حدثت لما وجدت شبها لهذا الكلام يتردد الآن، لا على مسامع مجموعة محدودة من التلاميذ فحسب، بل على صفحات جرائد يتداولها الكثير من أبناء هذا الشعب المسلم. ولئن التمسنا-مع شيء من التجاوز- لأستاذنا في الفكر الإسلامي عذر عدم الاطلاع، فإن الأمر يصبح أدهى إذا نشر مثل ذلك الكلام عن عمد وسابق إصرار، انطلاقا من موقف إيديولوجي لا يجد ما يدعم به فكرته سوى الدس والافتراء إ خذ لذلك مثلا ما ذكرته إحدى النساء- نصرة لخطة"التغريب والتبعية والإلحاق" المسماة زورا ب(الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية) إ- من أن عمر رضي الله عنه [أوقف حد السرقة والزنا والربا](كذا)(1). لقد عرفنا حد السرقة وحد الزنا، لكن ما حد الربا؟ وهل للربا حد في الإسلام؟ ثم متى أوقف عمر حد الزنا؟ أم هو الدس والافتراء على الخليفة العادل رضي الله عنه؟
وقريب مما ذكره فيلسوفنا"الضائع" في الثانوية في بداية الثمانينات قول مصطفى العلوي في "حقيقته الضائعة":[... ولكن أية دولة لم تبن على الحزن، وأي مجد لم يشيد بالدموع، ونذكر الآية التي نزلت بعد موت الرسول :(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)](2).
فلئن كانت هذه الآية نزلت "بعد موت الرسول –صلى الله عليه وسلم-" على حد تعبير مصطفى العلوي، فعلى من نزلت ياترى؟ وما عقيدة ختم النبوة أمام هذا الكلام؟
فهل هي زلة قلم، أم خطأ مطبعي؟
أم هو سوء فهم للحديث المتعلق بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وما حدث بين أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- بشأنها؟
يذكر الحديث، في إحدى رواياته، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما مات[ قام عمر يقول: واله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت( أي عائشة الصديقة رضي الله عنها): وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم... ](3).
وفي رواية أخرى أن أبا بكر قال، بعد أن سمع كلام عمر رضي الله عنه:[ أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا- صلى الله عليه وسلم- فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله:" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل- إلى قوله- الشاكرين" وقال(أي عمر): والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم ، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها. فأخبرني( والكلام لابن شهاب الزهري رحمه الله) سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات](4).
فهل يفهم من الروايتين أن الآية نزلت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم أنهما تبينان بوضوح أن نزولها كان في حياته صلى الله عليه وسلم، ثم تذكرها الناس بعد تلاوتها من الصديق رضي الله عنه؟
لقد نزلت الآية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هزيمة أحد، وبالضبط حينما أشيع كذبا، خلال المعركة، أنه عليه السلام قتل. والأمر لا يحتاج، لمعرفة هذا ، سوى العودة إلى التفاسير المعتبرة، عوض"تضييع حقيقة" لم تكن في يوم من الأيام ضائعة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب عقل الباحث في مجتمعنا زهده في الاطلاع على بعض ما يتعلق بالإسلام، فيقع في أخطاء يتنزه عنها أبناء المسلمين الصغار بله من يدعي الاستناد[ إلى حجج الفكر الإسلامي المستنير] مثلما ذكرت المناصرة لخطة التغريب والتبعية السالفة الذكر.
فيا هؤلاء، كفى استهانة بالقراء، فهم آدميون ذوو عقول، وليسوا قطيعا يساق بالافتراء إ
الهوامش:
1- جريدة"الاتحاد الاشتراكي"، عدد 5824، بتاريخ 22 يوليوز 1999/ 08 ربيع الثاني 1420.
2- جريدة"الأسبوع" عدد 74/512 بتاريخ 22 جمادى الأولى 1420/03 شتنبر 1999، السنة 33.
3- أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لو كنت متخذا خليلا" حديث 3667.
4- أخرجه البخاري في المغازي ، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، حديث 4454.
الرباط يوم الإثنين 25 جمادى الأولى 1420/06 شتنبر 1999.
لازلت أتذكر، وأنا تلميذ بالسنة السابعة(الثانية باكلوريا الآن)، كلام أستاذنا في الفلسفة والفكر الإسلامي، مفسرا ظهور الجبرية والقدرية في عهد بني أمية، وكيف ركز على أن سبب ذلك الظهور يعود إلى وجود آيات قرآنية مشعرة بالجبر، وتوظيف خلفاء بني أمية لها، مما [استدعى نزول آيات أخرى] تفيد الاختيار إإ(كذا).أما على من نزلت، خاصة وأن العصر عصر بني أمية ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد التحق بالرفيق الأعلى منذ سنوات طويلة، فذلك ما لم يفصح عنه الأستاذ لما سئل ، واكتفى- بعد أن احمرت أذناه وانتفخت أوداجه وعلا صوته- بنهر وزجر من سأل أو عقب إإ
كان ذلك منذ سنوات، وحسبت أن الأمر محصور في رجل لا تربطه علاقة بالفكر الإسلامي لا من قريب ولا من بعيد.
إلا أن المفاجأة التي ذكرتني بأستاذنا حدثت لما وجدت شبها لهذا الكلام يتردد الآن، لا على مسامع مجموعة محدودة من التلاميذ فحسب، بل على صفحات جرائد يتداولها الكثير من أبناء هذا الشعب المسلم. ولئن التمسنا-مع شيء من التجاوز- لأستاذنا في الفكر الإسلامي عذر عدم الاطلاع، فإن الأمر يصبح أدهى إذا نشر مثل ذلك الكلام عن عمد وسابق إصرار، انطلاقا من موقف إيديولوجي لا يجد ما يدعم به فكرته سوى الدس والافتراء إ خذ لذلك مثلا ما ذكرته إحدى النساء- نصرة لخطة"التغريب والتبعية والإلحاق" المسماة زورا ب(الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية) إ- من أن عمر رضي الله عنه [أوقف حد السرقة والزنا والربا](كذا)(1). لقد عرفنا حد السرقة وحد الزنا، لكن ما حد الربا؟ وهل للربا حد في الإسلام؟ ثم متى أوقف عمر حد الزنا؟ أم هو الدس والافتراء على الخليفة العادل رضي الله عنه؟
وقريب مما ذكره فيلسوفنا"الضائع" في الثانوية في بداية الثمانينات قول مصطفى العلوي في "حقيقته الضائعة":[... ولكن أية دولة لم تبن على الحزن، وأي مجد لم يشيد بالدموع، ونذكر الآية التي نزلت بعد موت الرسول :(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)](2).
فلئن كانت هذه الآية نزلت "بعد موت الرسول –صلى الله عليه وسلم-" على حد تعبير مصطفى العلوي، فعلى من نزلت ياترى؟ وما عقيدة ختم النبوة أمام هذا الكلام؟
فهل هي زلة قلم، أم خطأ مطبعي؟
أم هو سوء فهم للحديث المتعلق بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وما حدث بين أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- بشأنها؟
يذكر الحديث، في إحدى رواياته، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما مات[ قام عمر يقول: واله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت( أي عائشة الصديقة رضي الله عنها): وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم... ](3).
وفي رواية أخرى أن أبا بكر قال، بعد أن سمع كلام عمر رضي الله عنه:[ أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا- صلى الله عليه وسلم- فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله:" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل- إلى قوله- الشاكرين" وقال(أي عمر): والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم ، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها. فأخبرني( والكلام لابن شهاب الزهري رحمه الله) سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات](4).
فهل يفهم من الروايتين أن الآية نزلت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم أنهما تبينان بوضوح أن نزولها كان في حياته صلى الله عليه وسلم، ثم تذكرها الناس بعد تلاوتها من الصديق رضي الله عنه؟
لقد نزلت الآية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هزيمة أحد، وبالضبط حينما أشيع كذبا، خلال المعركة، أنه عليه السلام قتل. والأمر لا يحتاج، لمعرفة هذا ، سوى العودة إلى التفاسير المعتبرة، عوض"تضييع حقيقة" لم تكن في يوم من الأيام ضائعة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب عقل الباحث في مجتمعنا زهده في الاطلاع على بعض ما يتعلق بالإسلام، فيقع في أخطاء يتنزه عنها أبناء المسلمين الصغار بله من يدعي الاستناد[ إلى حجج الفكر الإسلامي المستنير] مثلما ذكرت المناصرة لخطة التغريب والتبعية السالفة الذكر.
فيا هؤلاء، كفى استهانة بالقراء، فهم آدميون ذوو عقول، وليسوا قطيعا يساق بالافتراء إ
الهوامش:
1- جريدة"الاتحاد الاشتراكي"، عدد 5824، بتاريخ 22 يوليوز 1999/ 08 ربيع الثاني 1420.
2- جريدة"الأسبوع" عدد 74/512 بتاريخ 22 جمادى الأولى 1420/03 شتنبر 1999، السنة 33.
3- أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لو كنت متخذا خليلا" حديث 3667.
4- أخرجه البخاري في المغازي ، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، حديث 4454.
الرباط يوم الإثنين 25 جمادى الأولى 1420/06 شتنبر 1999.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق