الجمعة، 13 مارس 2009

حداثة جاهلة

تقديم:
هذا مقال كتب في شهر مارس 2003، وهي سنة شهدت اعتقالات كبيرة مست شبابا اعتبروا أعضاء فيما سمي بالسلفية الجهادية، وذلك عقب فاجعة تفجيرات 16 ماي الأليمة بمدينة الدار البيضاء. وقد نشر هذا المقال بجريدة العصرالتي كان يصدرها حزب (العدالة والتنمية)الإسلامي المغربي. وأعيد نشره هنا لعلاقته بموضوع (قواعد استئصالية) الذي سينشر قريبا بإذن الله تعالى.
وتجدر الإشارة إلى أن المفكرالحداثي المذكور في المقال كان قد كتب ما كتب، مما تمت الإشارة إليه في المقال، قبل أن يصبح رئيس تحرير مجلة(الشرطة) بالمغرب.

المقال:
يطيب لبعض المفكرين في بلدنا أن يتكلموا عن الحداثة والديمقراطية والتحرر وغير ذلك، جاعلين من هذه الأوصاف وأمثالها بعضخصوصياتهم التي لا تنفك عنهم ولا ينفكون عنها إ إلا أنهم ينسون هذه الشعارات عند أول احتكاك لهم بخصومهم الإيديولوجيين. إن بعض كتابات الباحث عبداللطيف أكنوش تقدم لنا حالة نموذجية:
فقد وجدناه يعادي الحركة الإسلامية محرضا السلطة على متابعة أبنائها، ومشفقا على[ بؤر التفكير الحر والمتسامح، وبؤر التحصيل العلمي الجاد الموافق لكنه العقلية المجتمعية المغربية والمسايرة لروح العصر وللحداثة البناءة] حسب تعبيره(1)، مع أنه لم يرفع عقيرته يوما محتجا ضد الاختطافات التي مست ولاتزال(2) بعض أبناء تلك الحركة لمدة أسابيع وشهور، ولم تستثن تلك الاختطافات- كما ذكرت بعض الصحف- أنثى حاملا في شهرها التاسع.
أما إذا ذكر تيارا أو نحلة تتغذى على خرافات الباطنية وتم توجيهها أصلا ضد الإسلام، كالبهائية مثلا، فإن القاريء يلمس في كلامه عنها أحد أمرين- أحلاهما مر- هما الجهل أو التضليل إ وإلا كيف نبرر كلامه عن البهائية أنها[تفرض على المؤمن الإيمان بجميع الأنبياء بدون استثناء، وإلى عدم الاعتراف بالدولة الوطنية على أساس أن الأمة الإسلامية واحدة غير مجزأة]، مع العلم أن كتب رجالات البهائية- وعلى رأسها كتابها المقدس لدى أتباعها والمسمى الأقدس- ناطقة بالكفر الصراح.
خذ لذلك مثلا قول أحد البهائيين عن مبتدع البهائية الإيراني حسين علي المازندراني(الملقب ببهاء الله): [قد أذعنا وأيقنا بألوهية البهاء الحي الذي لايزال بلا مثال](4)إ ودونك كلام أحد دعاتهم الذي يقول فيه:[من المهم أن يكون عندنا علم تام واضح بخصوص رسالة بهاء الله، فإن أقواله، مثل أقوال سائر المظاهر تنقسم إلى قسمين: ففي أحدهما يتكلم أو يكتب كرجل أمر من الله برسالة إلى أصحابه، بينما القسم الآخر ينبيء عن أنه أقوال ذات الله](5).
وقد ركز البهائيون الكثير من جهودهم لهدم عقيدة ختم النبوة. يقول أحدهم: [إن القول بانقطاع الوحي بعد محمد- صلى الله عليه وسلم- ليس له سند في منطق الواقع](6).
فالنبوة، في نظرهم، لازالت مستمرة كما يقول أحد دعاتهم:[كلما انحطت حياة الرجال الروحانية وفسدت أخلاقهم يظهر رسول من أعجب الرجال وأعمقهم، فيقوم وحده أمام جميع العالم كرجل بصير بين رجال عمي](7).ولا يتم ذلك الظهور بعد المازندراني- وفي نظر البهائيين- إلا بعد ألف سنة من وفاته، إذ قال هو نفسه عن ذلك:[من يدعي أمرا قبل إتمام ألف سنة كاملة إنه كذاب مفتر... ](8).
فأي الأنبياء الذين تؤمن بهم البهائية ويقصدهم أكنوش بكلامه: هل هم الأنبياء الحقيقيون، كما يؤمن بذلك المسلمون، أم الكذبة والدجاجلة أمثال حسين علي المازندراني؟
إن قصد الأوائل، فهو جاهل بالبهائية، ومصيبة افتراء عليها إ
وإن قصد الآخرين فالمصيبة أعظم إ
ويزداد عظم المصيبة حينما نجده يستنكر- في مقال له سابق- ضعف مستوى الطلبة الذي يحمله للإسلاميين، ثم يتكلم عن نحلة دون إلمام بها ولا بمبادئها إ
وغير ما سبق، للبهائية مباديء أخرى منها مبدأوحدة الأوطان، وعنه يقول عباس ابن البهاء:[... التعصب الجنسي فهذا وهم وخرافة واضحة، لأن الله خلقنا جميعا جنسا واحدا... ومذ الابتداء لم تكن هناك حدود بين البلدان المختلفة، فلا يوجد في الأرض جزء مملوك لقوم دون غيرهم](9). ويؤكد أحد دعاتهم على ذلك قائلا:[... ومن التعصبات الرديئة التي تلحق بالتعصب الجنسي السياسي أو الوطني، فقد حان الوقت لأن تندمج الوطنية الضعيفة ضمن الوطنية العمومية الكبرى التي يكون فيها الوطن عبارة عن العالم بأجمعه، فيقول بهاء الله: قد قيل في السابق حب الوطن من الإيمان، وأما في هذا اليوم فلسان العظمة ينطق ويقول ليس الفخر لمن يحب الوطن بل لمن يحب العالم](10).
ومتى قال البهائيون هذا الكلام؟
لقد قالوه- ويا للخيانة إ- يوم التكالب الاستعماري على بلدان العالم المستضعف، وأتبعوه في نفس الوقت- ويا للنذالة إ- بدعوة محمومة لترك الجهاد، مثلما فعل صاحب القاديانية: غلام أحمد القادياني إ
فأين وجد أكنوش أن البهائية تدعو إلى[عدم الاعتراف بالدولة الوطنية على أساس أن الأمة الإسلامية واحدة غير مجزأة]، ونصوص أتباع تلك النحلة ناطقة بأن الوطن المقصود لديهم ليس الأمة الإسلامية فقط ، بلالعالم بأجمعه؟
إننا نحمد الله عز وجل أن الرجل لم يسترسل في كلامه عن هذه النحلة، فربما قال عنهم أنهم من المؤمنين الذين[صدقوا ما عاهدوا الله عليه] كما في كتاب الله سبحانه عن الصادقين من شرفاء هذه الأمة إ
ويحاول هذا الرجل إيهام القاريء أنه يعادي الحركة الإسلامية، لا الإسلام المالكي المتفتح كما يصفه، وهيشنشنة أعرفها من أخزم. لكنه يضن على مادة التربية الإسلامية،وهي التي خصصت نصف ساعة فقط في الأسبوع لتدريسها، وفي المغربالمستقل إ في فترة من الفترات إ، حتى إذا أصبحت حصتها ساعة أو ساعتين- على الأكثر- أسبوعيا، أكثرهما على أبناء هذا الشعب المسلم، واعتبرهما [زيادة رهيبة في الساعات(كذا) المخصصة للتربية الإسلامية](11) إإ
فأين المشكل لديه: مع الحركة الإسلامية أم مع الإسلام؟
إننا لنرجو من أمثال هذا الرجل التحلي بالشجاعة بالإعلان عن الموقف صراحة ودون مواربة، بدل التخفي وراء العداء للإسلاميين لمواجهة الإسلام.
وإننا لنرجو من أمثاله أيضا أن يكونوا منطقيين مع أنفسهم، بالالتزام بما تقتضيه قيم الحرية والديمقراطية والحداثة التي يدعونها ويصكون أسماعنا بها صباح مساء، بدل ممارسة الدجل السياسي والتضليل الإعلامي إ
أخرج أبو داود والبيهقي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من ظلم معاهدا أو انتقصه حقا أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة).
إنها قمة العدل والإنصاف، والذروة في احترام حقوق الإنسان مسلما كان أو غير مسلم، وقد يكون يهوديا يعادي الإسلام، فكيف به مسلما يتم اختطافه وتعذيبه ضدا على دولة الحق والقانون؟
شتان بين عدل ورحمة الإسلام، وبينحداثة مزعومة تبارك تشريع الإرهاب إ ولله في خلقه شؤون إ
تمارة، مارس 2003.

الهوامش:
1- جريدةالمستقل المغربية، عدد 677، من الجمعة 26 إلى الأحد 28 ذي الحجة 1423/02 مارس 2003.
2- كان هذا في السنة المشار إليها أعلاه.
3- جريدة المستقل، عدد 674 بتاريخ 23 ذي الحجة 1423/25 فبراير 2003.
4- حيدر علي البهائي، بهجة الصدور ، ص 367.
5- أسلمنت البهائي، بهاء الله والعصر الجديد، طبعة لجنة النشر والترجمة البهائية، مصر.ص47.
6- البهائية، طبعة مصر، ص21.
7- أسلمنت، المرجع السابق، ص08.
8- الأقدس للمازندراني، طبعة بومباي، الهند.
9- أسلمنت السابق ذكره، ص 161.
10- نفسه.
11- جريدة المستقل، عدد 677 السابق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق