نشر أحد الكتاب، وهو أيضا ممن تنطبق عليه عبارة العقاد رحمه الله، والتي قالها عن سلامة موسى، وهي أنه [يكتب ليحقد، ويحقد ليكتب]، أقول: نشر مقالا في جريدة الأحداث المغربية(عدد 3624، بتاريخ الإثنين 12 يناير 2009)، بعنوان” العدوان الثلاثي ” ، ويقصد به كما قال:[الآلة الصهيونية، وعدمية حماس، وتهور الجزيرة]، أي القناة القطرية المعروفة.
يبدأ مقاله هكذا:
[أكثر من ستمائة ضحية أو شهداء، لا فرق، فهم في عداد الموتى].
لا فرق إذن، لدى هذا الرجل، بين الضحية وبين الشهيد إإ
والرجل منطقي مع نفسه، مادام موقفه من الدين والمتدينين واضحا. ونقتصر على نموذج واحد، لأن المقام لا يسمح بأكثر منه:
فمنذ عام تقريبا، وبالتحديد بين الثامن عشر من فبراير والواحد والعشرين منه(سنة 2008)، تم اعتقال ستة سياسيين كلهم- إلا واحدا- قياديون في فصائل إسلامية. ولا يزالون يحاكمون- وهم في حالة اعتقال- إلى اليوم. لكن بمجرد اعتقالهم، سارع الرجل إلى إدانتهم، مستبقا القضاء، وضاربا بقرينة” البراءة الأصلية” عرض الحائط .
وهو يصرح- كذبا وزورا- أن المتابعين صرحوا[أمام قاضي التحقيق، وبحضور دفاعهم، بكثير من المعلومات التي تؤكد تورطهم فيما تم نسبه إليهم، كأفعال إرهابية كانت ترمي لزعزعة استقرار البلد، والقيام بعمليات القتل والسرقة باسم الدين، وهي تصريحات لم تنتزع تحت التعذيب، ولا بأقبية المعتقلات السرية، بل بين أيدي قاضي تحقيق، وبحضور محامين لم يصرحوا بعكس ما ورد](مقاله: “بليرج: السوط والصدى” ، جريدة الأحداث المغربية، عدد 3473 بتاريخ الإثنين 11 غشت 2008)، والحال أن القاصي والداني يعرفان أن المعتقلين الستة لم يتكلم منهم أحد مطلقا أمام قاضي التحقيق، بل التزموا الصمت احتجاجا على رفض القاضي تمكين محاميهم من محاضر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية…
ومن ثمة ليس غريبا أن يخلط الرجل بين الضحية- القتيل- وبين الشهيد إ مع أنه أصبح من البديهيات تسابق الملتزمين سياسيا، ومنهم من لا يؤمن بالدين، على إطلاق نعت ” الشهيد ” على من قتل منهم، على الرغم من أن ذلك المصطلح لم يأت به أي مذهب ولا أية نحلة سوى الإسلام إ ذلك الإطلاق يشي بإدراكهم للفرق الواضح بين الشهيد وبين القتيل .
لقد حسبت من قبل أن الرجل لايؤمن بشيء يسمى الشهادة ولا بمن ينعت شهيدا، ربما انطلاقا من مرجعيته العلمانية، لكن عثرت على مقال له يتكلم فيه عما سماه [مسلسل المصالحة الذي قاده الشهيد إدريس بنزكري](مقال: “تأملات في حركتنا “، جريدة “الأحداث المغربية” عدد 3396، الإثنين 26 ماي 2008). والمعلوم أن بنزكري- والذي لا يمكن إلا تثمين العمل الجبار الذي قام به في المجال الحقوقي (خاصة تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف)- لم يمت في قتال، بل مات “حتف أنفه” ، أي في فراشه من غير ضرب ولا جرح ولا أي شيء آخر…كما في لغتنا الجميلة.
فهل بالفعل ليس هناك من فرق بين القتيل والشهيد؟
إن الرجل معروف- من خلال مقالاته- بتوزيع “صكوك” المواطنة الحقة، أو الإدانات بالجملة، خاصة إذا تعلق الأمر بما يرتبط بالإسلام والحركة الإسلامية .
وفي مقاله ” العدوان الثلاثي ” المذكور نراه يقلل من أهمية صمود المقاومة فيقول:
[هناك عسكري واحد قتيل وأقل من أربعين جريحا في صفوف الجيش الإسرائيلي]. ولا يوضح المصدر الذي اعتمد عليه في هذه الإحصاءات، خاصة وأن الجيش الإسرائيلي فرض- كما صرحت بذلك دوائر إعلامية كثيرة- حصارا مشددا على تسرب المعلومات حول عدد ضحاياه .فمن أين للرجل العدد المذكور؟
وإن العجب ليأخذ المتتبع من هذا التقليل- بل السخرية كما سيأتي- من صمود المقاومة إ وإلا لماذا احتاج الكيان الإسرائيلي لفرقاطة فرنسية ولمعاهدة أمنية مع الأمريكيين لمنع تسريب الأسلحة إلى غزة؟ ولماذا يتآمر مع نظام” الفرعون الصغير” المصري، الذي احتاج هو الآخر إلى أحدث الوسائل التقنية لمراقبة الحدود وهدم الأنفاق؟ ولماذا …ولماذا؟ …
إنها أسئلة لايطرحها مثل هذا الرجل على نفسه، بل على العكس يحاول تبرئة الأنظمة العربية- خاصة النظام المصري- من تهمة التآمر، ويتهم مظاهرات التأييد للمقاومة ولحماس بأنها[مظاهرات تندد بالنظام المصري وتؤلب شعب مصر ضد مسؤوليه](مقال:” العدوان الثلاثي” المذكور)..، وكأنه لا يد للنظام المصري في حصار غزة، ولا يد له في تزويد الجيش الإسرائيلي بالأغذية إبان الحرب عبر ممر العوجة، في الوقت الذي أغلق فيه معبر رفح في وجه الإعانات القدمة إلى غزة، وكأنه أيضا لا يد له في استنطاق وتعذيب بعض الجرحى الغزيين المعالجين بمصر بهدف انتزاع معلومات منهم ترشد إلى مخازن صواريخ حماس…
ولعلنا لسنا في حاجة إلى تذكير الرجل بفرض النظام المصري لحالة الطواريء على الشعب لسنوات، ولا إلى إثارة مهازل الانتخابات أو المحاولات المحمومة “لمبايعة” ابن الرئيس…
فهل يحتاج أي شعب- بله الشعب المصري الأبي- إلى مظاهرات في دول أخرى لتأليبه ضد مسؤوليه إذا كان الوضع في البلد هكذا؟
ويسخر الكاتب من [تسجيل شباب نفسه في لوائح التطوع من أجل الجهاد بالسودان](نفسه) متسائلا:[كيف سيصلون من السودان لقطاع غزة: على صهوة الخيول أم بالبراق؟](نفسه).
ومن المعلوم أن من يتطوع للقتال ضد اليهود ، سواء في لبنان أو فلسطين، ومنذ سنوات مرت، (والمقصود هنا مجموعة من المغاربة ممن ناضلوا في صفوف تنظيمات فلسطينية مثلا)، لا يصلها ” على صهوة الخيول أو البراق” ، وإنما هي السخرية والاستهزاء إ ولعل ذكر البراق هنا، وهو اسم ذو دلالة إسلامية يؤطرها الحديث الذي أخرجه مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه...](أخرجه في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، حديث 259).
أقول: لعل ذكر البراق في مجال السخرية يبين الخلفية العقدية للرجل إ وهي خلفية تذكرنا بما جاء في سيرة ابن هشام أن ابن إسحاق قال:[...كان خباب بن الأرت، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قينا بمكة يعمل السيوف، وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفا عملها له حتى كان له مال، فجاءه يتقاضاه، فقال له: ياخباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك، فوالله لاتكون أنت وأصحابك يا خباب آثر عند الله مني، ولا أعظم حظا في ذلك. فأنزل الله تعالى فيه:(أفرايت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب...] إلى قوله تعالى:[ونرثه ما يقول وياتينا فردا])(مريم:77/80)](ابن هشام، السيرة النبوية، ص2/184).
وقال ابن هشام أيضا أن أباجهل- لما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم تخويفا بها لهم- قال: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقما، فأنزل الله تعالى فيه:[إن شجرة الزقوم طعام الاثيم، كالمهل تغلي في البطون كغلي الحميم](الدخان:43-46)(نفسه ص2/187).
وذكر ابن هشام كذلك أن غلامين ،أحدهما أنصاري والآخر مهاجري، ازدحما على الماء فاقتتلا، وتنادى كل واحد منهما بقومه، فقال رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول:” أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل”(نفسه ص 3/150).
لقد سبق هؤلاء، وقد حاربوا دين الله سبحانه دون هوادة، مثل هذا الرجل في السخرية والاستهزاء بالدين لأجل التنفير منه والصد عنه، فما أفلحوا في التنفير ولا الصد إ غير أنه يظهر أنه كما أن ملة الكفر واحدة، فكذلك ملة النفاق واحدة، وملة المستهزئين واحدة…
ويمضي الكاتب في طريقته الساخرة فيقول:
[هل سنقتل ستمائة مواطن إسرائيلي ؟ هل سيكون ثلثهم أطفالا؟هل سنحرر شبرا من الأرض ونقيم الدولة الفلسطينية التي ستوفر الغذاء والماء والدواء وقليلا من الكرامة لما سيتبقى من الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة؟](مقال: العدوان الثلاثي).
لنلاحظ كيف ينتقي الكاتب كلماته المعبرة بوضوح عن حقيقة موقفه:
1- كلمة ” مواطن إسرائيلي ” تحسسك بأن الإسرائيلي في فلسطين مجرد مواطن عادي وبسيط، إنه ليس ذلك المواطن النازح إلى فلسطين من مختلف أصقاع الأرض، والمدرب على استعمال أنواع من الأسلحة، بحيث غدا احتياطيا للجيش لا يمكن الاستهانة بأمره، وإنما هو مجرد مواطن كباقي مواطني الدول الأخرى إإ
2- عبارة: ” ماسيتبقى من الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة” تبين تضخيم الرجل للآلة الحربية الإسرائيلية إلى الدرجة التي سيفنى معها الفلسطينيون في غزة بأعداد كبيرة جدا، وستبقى قلة قليلة هناك إإ
وكأنه يقول للغزيين- بعبارة أخرى- “إنه لا طاقة لكم بمواجهة الآلة العسكرية الصهيونية، فما عليكم إلا الاستسلام، وإلا سيفنى معظمكم، وستصلون إلى نفس النتيجة: الاستسلام، بما أنكم أفنيتم عن بكرة أبيكم إإ “.
وبمعنى آخر: لاحل أمام الفلسطينيين سوى الاستسلام أو … الاستسلام إ
إنه منطق صهيو-أمريكي، والسلام إإ
ثم يتساءل الرجل أيضا:
[كيف تتواطأ الأنظمة العربية كلها في فعل لن تجني منه سوى الغضب الجماهيري؟](نفسه)، وكأن المتسائل يعيش في كوكب آخر غير الأرض إ
إن محاولة تبرئة مجموعة من الأنظمة العربية من تهمة التواطؤ ضد المقاومة- وحماس جزء منها- هي سمة مشتركة، من سمات أخرى، بين من يكتب الآن ضد تلك المقاومة .
هذا التواطؤ لا يحتاج إلى دليل، إذ:
وكيف يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل؟
ويعقد مقارنة بين الفلسطينيين وبين الهنود الحمر، فيقول:
[في قراءة لتاريخ الشعوب، وتاريخ أمريكا الشمالية بالذات، سنجد أنه كان للهنود الحمر، الشعب الأصلي بذات الأرض قادة مثل قادة حماس، اعتقدوا أنهم سيهزمون بالرماح والنبال الوافدين الجدد، الذين يقصفونهم بالبنادق والمدافع، فماذا بقي منهم؟ ملابس ورقصات وأهازيج يؤثثون بها المشهد الثقافي الأمريكي...](نفسه).
لنلاحظ هنا أسلوب التضليل: حدث تاريخي يستنبط منه الرجل “عبرة ” أو ” حقيقة تاريخية ” أو “درسا ” أو… سمها ماشئت .
الحدث: مواجهة قادة الهنود الحمر بأمريكا الشمالية للوافدين الجدد- أصحاب البنادق والمدافع- بالرماح والنبال .
و ” العبرة” :فناؤهم إلا تراث “ فلكلوري “.
الحدث من تاريخ أمريكا الشمالية، لكن الرجل يقدم له بأنه من ” تاريخ الشعوب ” إ
و” العبرة ” أيضا من تاريخ أمريكا الشمالية، لكنها تصبح من ” قراءة لتاريخ الشعوب ” إإ
فهل أصابت الرجل لوثة ” المركزية الأمريكية ” ؟ هل ينمحي لديه تاريخ وثقافة وتراث الشعوب، ويتلاشى كل ذلك إلى أن يصبح لاشيء أمام تاريخ أمريكا الشمالية، وهو تاريخ عمره قصير جدا جدا بالمقارنة مع تاريخ أمم أخرى ؟
نعم، في قراءة لتاريخ الشعوب- الإسلامية خاصة- وليس لتاريخ أمريكا الشمالية وحده، أن المقاومة المرتكزة على رصيد من التراث الجهادي، بل على عقيدة جهادية أساسها الإيمان بالله عز وجل، هي المقاومة التي تنتصر في نهاية المطاف، بعد سلسلة من الانتصارات والانكسارات التي قد لا ينجو منها مسار أي مقاومة إ
والتاريخ يشهد أيضا أنه، على الرغم من أن ” المغلوب مولع بتقليد الغالب ” فإن الغالب أخذ بدين وثقافة المغلوب، لقوة ذلك الدين وتلك الثقافة، كما حدث للمغول بعد هجومهم الهمجي على الإمبراطورية الإسلامية .
وفي الأخير، يرى الرجل أننا لم نخض بعد [معركة الحفاظ على الهوية والوجود الفلسطيني ضد العدوان الثلاثي: الآلة الصهيونية، وعدمية حماس، وتهور الجزيرة ](نفسه).
نشير مرة أخرى إلى أن الرجل منطقي مع نفسه، إذ “بشرنا ” من قبل، من خلال عبارة: ” لما سيتبقى من الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة “، بإفناء معظم ذلك الشعب الأبي، ثم ألمح إلى ما حدث- وربما مثله سيحدث للفلسطينيين حسبما يفهم من كلامه- للهنود الحمر، لما ذكر [أنه كان للهنود الحمر، الشعب الأصلي بذات الأرض قادة مثل قادة حماس ]، كي يختم بالإشارة إلى عدمية حماس التي ينبغي محاربتها إإ
وما كان للرجل أن يقول غير ما قال، مادام المرجع هو تاريخ أمريكا الشمالية إ
لكنه لم يقتصر على ذلك إإ
فهاهو يدعو إلى خوض معركة الحفاظ على أمرين: الهوية والوجود الفلسطيني، من أخطار محدقة بها، بل أعداء متحالفين فيما بينهم ضد الأمرين معا، كما تحالف الصهاينة والإنجليز والفرنسيون في ” عدوانهم الثلاثي ” على مصر، وهم: [الآلة الصهيونية، وعدمية حماس، وتهور الجزيرة ].
ماذا يعني هذا؟
إنه يعني أن حماس قد أعلنت الحرب على:
- هوية الأمة العربية والإسلامية.
- الوجود الفلسطيني.
فالهوية العربية الفلسطينية مهددة بوجود حماس إإ
والوجود الفلسطيني كذلك مهدد بالزوال بوجود حماس إإ
والحل: مواجهة الحركة وإفناؤها للحفاظ على الهوية وعلى الوجود الفلسطيني إ
منطق من هذا؟
إنه منطق من زل لسانه مرة فأعلن أن المقاومة تدمر الشعب الفلسطيني، أي منطق البهائي محمود عباس إإ
وقد يكون منطق ” الفرعون الصغير المصري ” ومن لف لفه ممن قال مرة أن حماس ” تحتاج لتتأدب ” (المخابراتي عمر سليمان)، أو أنها تشكل ” خطورة على النظام المصري “… أو غيرهما.
بل هو منطق عتاة الصهاينة، بكل بساطة إإ
فاللهم انصر حماس وجميع من وقف على أرض المقاومة، ورد كيد الكائدين في نحورهم، إنك سميع مجيب .
يبدأ مقاله هكذا:
[أكثر من ستمائة ضحية أو شهداء، لا فرق، فهم في عداد الموتى].
لا فرق إذن، لدى هذا الرجل، بين الضحية وبين الشهيد إإ
والرجل منطقي مع نفسه، مادام موقفه من الدين والمتدينين واضحا. ونقتصر على نموذج واحد، لأن المقام لا يسمح بأكثر منه:
فمنذ عام تقريبا، وبالتحديد بين الثامن عشر من فبراير والواحد والعشرين منه(سنة 2008)، تم اعتقال ستة سياسيين كلهم- إلا واحدا- قياديون في فصائل إسلامية. ولا يزالون يحاكمون- وهم في حالة اعتقال- إلى اليوم. لكن بمجرد اعتقالهم، سارع الرجل إلى إدانتهم، مستبقا القضاء، وضاربا بقرينة” البراءة الأصلية” عرض الحائط .
وهو يصرح- كذبا وزورا- أن المتابعين صرحوا[أمام قاضي التحقيق، وبحضور دفاعهم، بكثير من المعلومات التي تؤكد تورطهم فيما تم نسبه إليهم، كأفعال إرهابية كانت ترمي لزعزعة استقرار البلد، والقيام بعمليات القتل والسرقة باسم الدين، وهي تصريحات لم تنتزع تحت التعذيب، ولا بأقبية المعتقلات السرية، بل بين أيدي قاضي تحقيق، وبحضور محامين لم يصرحوا بعكس ما ورد](مقاله: “بليرج: السوط والصدى” ، جريدة الأحداث المغربية، عدد 3473 بتاريخ الإثنين 11 غشت 2008)، والحال أن القاصي والداني يعرفان أن المعتقلين الستة لم يتكلم منهم أحد مطلقا أمام قاضي التحقيق، بل التزموا الصمت احتجاجا على رفض القاضي تمكين محاميهم من محاضر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية…
ومن ثمة ليس غريبا أن يخلط الرجل بين الضحية- القتيل- وبين الشهيد إ مع أنه أصبح من البديهيات تسابق الملتزمين سياسيا، ومنهم من لا يؤمن بالدين، على إطلاق نعت ” الشهيد ” على من قتل منهم، على الرغم من أن ذلك المصطلح لم يأت به أي مذهب ولا أية نحلة سوى الإسلام إ ذلك الإطلاق يشي بإدراكهم للفرق الواضح بين الشهيد وبين القتيل .
لقد حسبت من قبل أن الرجل لايؤمن بشيء يسمى الشهادة ولا بمن ينعت شهيدا، ربما انطلاقا من مرجعيته العلمانية، لكن عثرت على مقال له يتكلم فيه عما سماه [مسلسل المصالحة الذي قاده الشهيد إدريس بنزكري](مقال: “تأملات في حركتنا “، جريدة “الأحداث المغربية” عدد 3396، الإثنين 26 ماي 2008). والمعلوم أن بنزكري- والذي لا يمكن إلا تثمين العمل الجبار الذي قام به في المجال الحقوقي (خاصة تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف)- لم يمت في قتال، بل مات “حتف أنفه” ، أي في فراشه من غير ضرب ولا جرح ولا أي شيء آخر…كما في لغتنا الجميلة.
فهل بالفعل ليس هناك من فرق بين القتيل والشهيد؟
إن الرجل معروف- من خلال مقالاته- بتوزيع “صكوك” المواطنة الحقة، أو الإدانات بالجملة، خاصة إذا تعلق الأمر بما يرتبط بالإسلام والحركة الإسلامية .
وفي مقاله ” العدوان الثلاثي ” المذكور نراه يقلل من أهمية صمود المقاومة فيقول:
[هناك عسكري واحد قتيل وأقل من أربعين جريحا في صفوف الجيش الإسرائيلي]. ولا يوضح المصدر الذي اعتمد عليه في هذه الإحصاءات، خاصة وأن الجيش الإسرائيلي فرض- كما صرحت بذلك دوائر إعلامية كثيرة- حصارا مشددا على تسرب المعلومات حول عدد ضحاياه .فمن أين للرجل العدد المذكور؟
وإن العجب ليأخذ المتتبع من هذا التقليل- بل السخرية كما سيأتي- من صمود المقاومة إ وإلا لماذا احتاج الكيان الإسرائيلي لفرقاطة فرنسية ولمعاهدة أمنية مع الأمريكيين لمنع تسريب الأسلحة إلى غزة؟ ولماذا يتآمر مع نظام” الفرعون الصغير” المصري، الذي احتاج هو الآخر إلى أحدث الوسائل التقنية لمراقبة الحدود وهدم الأنفاق؟ ولماذا …ولماذا؟ …
إنها أسئلة لايطرحها مثل هذا الرجل على نفسه، بل على العكس يحاول تبرئة الأنظمة العربية- خاصة النظام المصري- من تهمة التآمر، ويتهم مظاهرات التأييد للمقاومة ولحماس بأنها[مظاهرات تندد بالنظام المصري وتؤلب شعب مصر ضد مسؤوليه](مقال:” العدوان الثلاثي” المذكور)..، وكأنه لا يد للنظام المصري في حصار غزة، ولا يد له في تزويد الجيش الإسرائيلي بالأغذية إبان الحرب عبر ممر العوجة، في الوقت الذي أغلق فيه معبر رفح في وجه الإعانات القدمة إلى غزة، وكأنه أيضا لا يد له في استنطاق وتعذيب بعض الجرحى الغزيين المعالجين بمصر بهدف انتزاع معلومات منهم ترشد إلى مخازن صواريخ حماس…
ولعلنا لسنا في حاجة إلى تذكير الرجل بفرض النظام المصري لحالة الطواريء على الشعب لسنوات، ولا إلى إثارة مهازل الانتخابات أو المحاولات المحمومة “لمبايعة” ابن الرئيس…
فهل يحتاج أي شعب- بله الشعب المصري الأبي- إلى مظاهرات في دول أخرى لتأليبه ضد مسؤوليه إذا كان الوضع في البلد هكذا؟
ويسخر الكاتب من [تسجيل شباب نفسه في لوائح التطوع من أجل الجهاد بالسودان](نفسه) متسائلا:[كيف سيصلون من السودان لقطاع غزة: على صهوة الخيول أم بالبراق؟](نفسه).
ومن المعلوم أن من يتطوع للقتال ضد اليهود ، سواء في لبنان أو فلسطين، ومنذ سنوات مرت، (والمقصود هنا مجموعة من المغاربة ممن ناضلوا في صفوف تنظيمات فلسطينية مثلا)، لا يصلها ” على صهوة الخيول أو البراق” ، وإنما هي السخرية والاستهزاء إ ولعل ذكر البراق هنا، وهو اسم ذو دلالة إسلامية يؤطرها الحديث الذي أخرجه مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه...](أخرجه في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، حديث 259).
أقول: لعل ذكر البراق في مجال السخرية يبين الخلفية العقدية للرجل إ وهي خلفية تذكرنا بما جاء في سيرة ابن هشام أن ابن إسحاق قال:[...كان خباب بن الأرت، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قينا بمكة يعمل السيوف، وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفا عملها له حتى كان له مال، فجاءه يتقاضاه، فقال له: ياخباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك، فوالله لاتكون أنت وأصحابك يا خباب آثر عند الله مني، ولا أعظم حظا في ذلك. فأنزل الله تعالى فيه:(أفرايت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب...] إلى قوله تعالى:[ونرثه ما يقول وياتينا فردا])(مريم:77/80)](ابن هشام، السيرة النبوية، ص2/184).
وقال ابن هشام أيضا أن أباجهل- لما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم تخويفا بها لهم- قال: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقما، فأنزل الله تعالى فيه:[إن شجرة الزقوم طعام الاثيم، كالمهل تغلي في البطون كغلي الحميم](الدخان:43-46)(نفسه ص2/187).
وذكر ابن هشام كذلك أن غلامين ،أحدهما أنصاري والآخر مهاجري، ازدحما على الماء فاقتتلا، وتنادى كل واحد منهما بقومه، فقال رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول:” أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل”(نفسه ص 3/150).
لقد سبق هؤلاء، وقد حاربوا دين الله سبحانه دون هوادة، مثل هذا الرجل في السخرية والاستهزاء بالدين لأجل التنفير منه والصد عنه، فما أفلحوا في التنفير ولا الصد إ غير أنه يظهر أنه كما أن ملة الكفر واحدة، فكذلك ملة النفاق واحدة، وملة المستهزئين واحدة…
ويمضي الكاتب في طريقته الساخرة فيقول:
[هل سنقتل ستمائة مواطن إسرائيلي ؟ هل سيكون ثلثهم أطفالا؟هل سنحرر شبرا من الأرض ونقيم الدولة الفلسطينية التي ستوفر الغذاء والماء والدواء وقليلا من الكرامة لما سيتبقى من الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة؟](مقال: العدوان الثلاثي).
لنلاحظ كيف ينتقي الكاتب كلماته المعبرة بوضوح عن حقيقة موقفه:
1- كلمة ” مواطن إسرائيلي ” تحسسك بأن الإسرائيلي في فلسطين مجرد مواطن عادي وبسيط، إنه ليس ذلك المواطن النازح إلى فلسطين من مختلف أصقاع الأرض، والمدرب على استعمال أنواع من الأسلحة، بحيث غدا احتياطيا للجيش لا يمكن الاستهانة بأمره، وإنما هو مجرد مواطن كباقي مواطني الدول الأخرى إإ
2- عبارة: ” ماسيتبقى من الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة” تبين تضخيم الرجل للآلة الحربية الإسرائيلية إلى الدرجة التي سيفنى معها الفلسطينيون في غزة بأعداد كبيرة جدا، وستبقى قلة قليلة هناك إإ
وكأنه يقول للغزيين- بعبارة أخرى- “إنه لا طاقة لكم بمواجهة الآلة العسكرية الصهيونية، فما عليكم إلا الاستسلام، وإلا سيفنى معظمكم، وستصلون إلى نفس النتيجة: الاستسلام، بما أنكم أفنيتم عن بكرة أبيكم إإ “.
وبمعنى آخر: لاحل أمام الفلسطينيين سوى الاستسلام أو … الاستسلام إ
إنه منطق صهيو-أمريكي، والسلام إإ
ثم يتساءل الرجل أيضا:
[كيف تتواطأ الأنظمة العربية كلها في فعل لن تجني منه سوى الغضب الجماهيري؟](نفسه)، وكأن المتسائل يعيش في كوكب آخر غير الأرض إ
إن محاولة تبرئة مجموعة من الأنظمة العربية من تهمة التواطؤ ضد المقاومة- وحماس جزء منها- هي سمة مشتركة، من سمات أخرى، بين من يكتب الآن ضد تلك المقاومة .
هذا التواطؤ لا يحتاج إلى دليل، إذ:
وكيف يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل؟
ويعقد مقارنة بين الفلسطينيين وبين الهنود الحمر، فيقول:
[في قراءة لتاريخ الشعوب، وتاريخ أمريكا الشمالية بالذات، سنجد أنه كان للهنود الحمر، الشعب الأصلي بذات الأرض قادة مثل قادة حماس، اعتقدوا أنهم سيهزمون بالرماح والنبال الوافدين الجدد، الذين يقصفونهم بالبنادق والمدافع، فماذا بقي منهم؟ ملابس ورقصات وأهازيج يؤثثون بها المشهد الثقافي الأمريكي...](نفسه).
لنلاحظ هنا أسلوب التضليل: حدث تاريخي يستنبط منه الرجل “عبرة ” أو ” حقيقة تاريخية ” أو “درسا ” أو… سمها ماشئت .
الحدث: مواجهة قادة الهنود الحمر بأمريكا الشمالية للوافدين الجدد- أصحاب البنادق والمدافع- بالرماح والنبال .
و ” العبرة” :فناؤهم إلا تراث “ فلكلوري “.
الحدث من تاريخ أمريكا الشمالية، لكن الرجل يقدم له بأنه من ” تاريخ الشعوب ” إ
و” العبرة ” أيضا من تاريخ أمريكا الشمالية، لكنها تصبح من ” قراءة لتاريخ الشعوب ” إإ
فهل أصابت الرجل لوثة ” المركزية الأمريكية ” ؟ هل ينمحي لديه تاريخ وثقافة وتراث الشعوب، ويتلاشى كل ذلك إلى أن يصبح لاشيء أمام تاريخ أمريكا الشمالية، وهو تاريخ عمره قصير جدا جدا بالمقارنة مع تاريخ أمم أخرى ؟
نعم، في قراءة لتاريخ الشعوب- الإسلامية خاصة- وليس لتاريخ أمريكا الشمالية وحده، أن المقاومة المرتكزة على رصيد من التراث الجهادي، بل على عقيدة جهادية أساسها الإيمان بالله عز وجل، هي المقاومة التي تنتصر في نهاية المطاف، بعد سلسلة من الانتصارات والانكسارات التي قد لا ينجو منها مسار أي مقاومة إ
والتاريخ يشهد أيضا أنه، على الرغم من أن ” المغلوب مولع بتقليد الغالب ” فإن الغالب أخذ بدين وثقافة المغلوب، لقوة ذلك الدين وتلك الثقافة، كما حدث للمغول بعد هجومهم الهمجي على الإمبراطورية الإسلامية .
وفي الأخير، يرى الرجل أننا لم نخض بعد [معركة الحفاظ على الهوية والوجود الفلسطيني ضد العدوان الثلاثي: الآلة الصهيونية، وعدمية حماس، وتهور الجزيرة ](نفسه).
نشير مرة أخرى إلى أن الرجل منطقي مع نفسه، إذ “بشرنا ” من قبل، من خلال عبارة: ” لما سيتبقى من الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة “، بإفناء معظم ذلك الشعب الأبي، ثم ألمح إلى ما حدث- وربما مثله سيحدث للفلسطينيين حسبما يفهم من كلامه- للهنود الحمر، لما ذكر [أنه كان للهنود الحمر، الشعب الأصلي بذات الأرض قادة مثل قادة حماس ]، كي يختم بالإشارة إلى عدمية حماس التي ينبغي محاربتها إإ
وما كان للرجل أن يقول غير ما قال، مادام المرجع هو تاريخ أمريكا الشمالية إ
لكنه لم يقتصر على ذلك إإ
فهاهو يدعو إلى خوض معركة الحفاظ على أمرين: الهوية والوجود الفلسطيني، من أخطار محدقة بها، بل أعداء متحالفين فيما بينهم ضد الأمرين معا، كما تحالف الصهاينة والإنجليز والفرنسيون في ” عدوانهم الثلاثي ” على مصر، وهم: [الآلة الصهيونية، وعدمية حماس، وتهور الجزيرة ].
ماذا يعني هذا؟
إنه يعني أن حماس قد أعلنت الحرب على:
- هوية الأمة العربية والإسلامية.
- الوجود الفلسطيني.
فالهوية العربية الفلسطينية مهددة بوجود حماس إإ
والوجود الفلسطيني كذلك مهدد بالزوال بوجود حماس إإ
والحل: مواجهة الحركة وإفناؤها للحفاظ على الهوية وعلى الوجود الفلسطيني إ
منطق من هذا؟
إنه منطق من زل لسانه مرة فأعلن أن المقاومة تدمر الشعب الفلسطيني، أي منطق البهائي محمود عباس إإ
وقد يكون منطق ” الفرعون الصغير المصري ” ومن لف لفه ممن قال مرة أن حماس ” تحتاج لتتأدب ” (المخابراتي عمر سليمان)، أو أنها تشكل ” خطورة على النظام المصري “… أو غيرهما.
بل هو منطق عتاة الصهاينة، بكل بساطة إإ
فاللهم انصر حماس وجميع من وقف على أرض المقاومة، ورد كيد الكائدين في نحورهم، إنك سميع مجيب .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق