الخميس، 26 فبراير 2009

قرأت لكم:جهود النبي صلى الله عليه وسلم في مكافحة الرق والاتجار بالبشر لمحمد مسعد ياقوت

قرأت لكم :(جهود النبي صلى الله عليه وسلم في مكافحة الرق
والاتجار بالبشر) ل:محمد مسعد ياقوت
http://www.rasoulallah.net/subject2.asp?hit=1&lang=ar&parent_id=422&sub_id=6241
تقديم وقراءة: حسن لمعنقش.
تقديم:
اعتاد بعض المثقفين تمجيد الاستعمار الغربي وإرجاع كل أسباب الانعتاق والتحرر إليه، سواء بشكل مباشر وفج، كما في مواقف كثير من خونة الأمة الإسلامية في العراق( شيعة الائتلاف الشيعي الحاكم، وعلى رأسهم عبدالعزيز الحكيم مثلا) ، أو بشكل غير مباشر، كما في تنظيرات بعض المثقفين الماركسيين سابقا المتأمركين لاحقا. ولعل منطلق هؤلاء موقف ماركس نفسه من الاستعمار الإنجليزي للهند حينما قال:
( صحيح إن إنجلترا بتسببها في حدوث ثورة اجتماعية في الهند، لم تكن تسعى سوى وراء أكثر المصالح دناءة ، وأنها- لبلوغ أهدافها- تصرفت بغباء. ولكن هذا ليس المهم. المهم هو معرفة ما إذا كان بإمكان البشرية أن تحقق مصيرها بدون ثورة أساسية في حالة آسيا الاجتماعية. وإذا كان الجواب سلبا، فلا مناص من الاعتراف بأن إنجلترا، وكيفما كانت جرائمها، لم تكن سوى أداة لاواعية للتاريخ.... ولا يبقى لنا إذ ذاك، كيفما كان حزننا، إلا أن نهتف مع غوته:
هذه الغمة هل لها أن توجعنا؟
إنها تزيد في فرحتنا إ
ألم يسحق تيمورلنك
الآلاف المؤلفة من الأرواح البشرية؟](1).
وعن المكسيك قال إنجلز:
[في أمريكا شهدنا غزو المكسيك، وإن هذا لمما يثلج فؤادنا...فمن مصلحة نموه مستقبلا أن ينتقل إلى وصاية الولايات المتحدة](2). بل قال عن أسر الفرنسيين المستعمرين للأمير عبدالقادر الجزائري رحمه الله:[ إن رأينا -بالإجمال- هوأن من حسن التوفيق الكبير أن يكون الزعيم العربي قد أسر، فقد كان صراع البدو بلا أمل. وعلى الرغم من أن الكيفية التي أدار بها الحرب جنود أفظاظ من أمثال بوجو تستأهل الإدانة الشديدة، فإن فتح الجزائر واقعة مهمة وموائمة لتقدم الحضارة](3).
هذا المبرر(التحضيري) للهند أو المكسيك أو الجزائر- وهو ما نجد له شبيها في تصريحات لمسؤولين أمريكيين حول (نشر الديمقراطية) و( مواجهة محور الشر أو الأشرار)- لم يكن سوى مبرر إيديولوجي لاستعمار الشعوب انطلاقا من مقولة(المركز) و( الأطراف): المركز المتحضر المتبوع، والأطراف المتخلفة التابعة. وإلا أين هما الحضارة والتقدم في كل المناطق التي استعمرت؟
إن موضوع تعامل الاستعمار مع الرق في البلدان الإسلامية يؤكد ما ذكر أعلاه حول تمجيد البعض للاستعمار. نأخذ لذلك مثالا قول لأحد المعادين للحركة الإسلامية بالمغرب جاء فيه:
(ظل المجتمع العربي يناهض النظم والقوانين التي تخرجه من حالة الركود، إذ لم يمنع مثلا العبودية إلا في منتصف القرن التاسع عشر تحت ضغط الدول الغربية)(4).
فإذا علمنا أن معظم الدول الإسلامية كانت مستعمرة لما منع فيها الرق، أدركنا أن معنى كلام الرجل أن الاستعمار الغربي- والذي يعمي عن اسمه الحقيقي بعبارة ضغط الدول الغربية- هو الذي منع الرق وحرر الرقيق إإ
وللتوضيح أكثر، نشير إلى أن بريطانيا والولايات المتحدة قررتا إلغاء الرق رسميا في مارس 1807، إلا أنهما انطلقا في حملة استعباد كبرى لمجموعة من شعوب العالم بعد ذلك بسنوات(5).
كما أن فرنسا حررت عبيدها بموجب مرسوم صدر عام 1848. لكنها استعبدت عدة دول منها المغرب من سنة 1912 إلى سنة 1956(6).
إن النتيجة، أن مقتضى الكلام المذكور أعلاه، أن الاستعمار( حرر العبيد)، أي أنه يناقض طبيعته الاستعمارية، فتصبح طبيعة تحريرية إإ
مثل هذا الخطاب يتجاهل أن الاستعمار، إذ( يحرر) العبيد، فهو يستعبد أمة ، بل يعمل على تحطيم وطمس مقومات الوجود لديها ، وأهمها الهوية والتاريخ واللغة...
هذا التعامل الذي لاينظر إلى المسألة في شمولها يسقط- من حيث يدري أو لا يدري- في نقيض قصده: فهو يرى (تحرير) مجموعة من الناس، لكنه يتغاضى عن استعباد شعوب بأكملها وإبادة الآلاف، وربما الملايين، من سكانها إإ وتلك، والله، جريمة تبرير إبادة الشعوب كما مارسها كثير من المستشرقين والباحثين في (الأنتروبولوجيا الاستعمارية)، ممن كانوا ملحقين بوزارات المستعمرات إإ وانظروا كيف لا يخجل المستعمر أن تكون في حكوماته وزارات للمستعمرات إإ أي- وبمعنى آخر- وزارات استعباد، لاتحرير، الشعوب إإوماأصدق قول القائل:
قتل امرئ في غابة جريمة لاتغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر
إن التمجيد للإستعمار موقف معادي لدين الأمة، حتى وهو- أي الموقف- يتدثر بدثار مواجهة (الظلامية) و(الإرهاب)... وما أشبه، أو بدثار (التنوير) و(العقلانية)...وغير ذلك.
وإن المقال الذي أقدمه للقراء يسلط الضوء على موضوع الرق في الإسلام:
فهو يذكر، من ضمن ما يذكر، أن الرسول صلى الله عليه وسلم [ضيق مصادر الاسترقاق ووسع منافذ التحرير...]، أي أنه، صلى الله عليه وسلم، نهج سياسة( تجفيف المنابع) في مواجهة الاسترقاق، في حين يعمل مجموعة من المسؤولين في الدول العربية على نهج نفس السياسة - سياسة( تجفيف المنابع)- لكن ضد الإسلاميين وضد كل من يمت إلى دين الله بصلة (مثلما يحدث في تونس).
والمقال يذكر أيضا عدة توجيهات إسلامية لتحرير العبيد، ويشير إلى أسباب عدم إلغاء الرق والاتجار بالبشر إلغاء كاملا، ولاينسى أن يشير إلى أمثلة للإتتجار في البشر من طرف الغربيين، لا في منتصف القرن التاسع عشر، بل في أواخر القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين.
ولعل مما له دلالة في المقال، ما يلي:
1- [ وحذر الفقهاء من استعمال العبيد على الدوام ليل نهار، فقالوا: إذا استعمل السيدُ العبدَ نهارًا أراحه ليلاً، وكذا بالعكس، وقالوا: يريحه بالصّيف في وقت القيلولة، ويمنحه قسطه من النّوم، وفرصة للصّلاة المفروضة. وإذا سافر به يجب عليه أن يحمله معه على الدابة أو يتعاقبان على البعير ونحوه. بل قالوا: إن كان العبد ذمّيًّا فقد ذكر بعض الفقهاء أنه لا يمنع من إتيان الكنيسة، أو شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير؛ لأن ذلك دينه، نقله البنانيّ عن قول مالكٍ في المدوّنة ].
2- قول الكاتب:[ أُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعليقًا على حادثة شراء أبو بكر لبلال بن رباح رضي الله عنهما ليعتقه من الرق فقال: سيدنا وأعتق سيدنا!].
3- لماذا لم يمنع الإسلام الرق منذ البداية؟
يذكر صاحب المقال أسبابا وجيهة منها السبب الثاني وهو:
[أن هذه العادات كانت قبل ظهور الإسلام بمثابة الأعراف الدولية، فقد كانت جميع الدول والإمبراطوريات -دون استثناء- تمارس الاسترقاق والاتجار بالبشر، ومن ثَم فإن القضاء على الرق يحتاج إلى اتفاق دولي عام، يلزم الجميع بمنع الاسترقاق أو الاتجار بالبشر.. ومعلوم أن الدولة الإسلامية أيام حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن من القوة والانتشار بالقدر الذي يسمح لها بمنع هذه العادات ].
وإنه لغريب حقا أن يتكلم الجميع عن احترام (الشرعية الدولية= وعن( المفهوم الكوني لحقوق الإنسان) وعن مراعاة رأي( المنتظم الدولي)...لكن حينما يتعلق الأمر بالإسلام ، فإن كل ذلك لايؤخذ بعين الاعتبار إإ وهذا منهج مألوف ومعروف لدى أعداء هذا الدين.
وفي المقال فوائد عظيمة حول الموضوع، فلنترك صاحبه – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا- يفصل في الأمر، فيقول حفظه الله:
[لقد كانت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة لحرية الإنسان، والقضاء على عبودية البشر للبشر، فقرر الحرية الإنسانية وجعلها من دلائل تكريم الخالق للإنسان، وأولى اهتمامًا خاصًّا للعبيد، فضيق صلى الله عليه وسلم مصادر الاسترقاق ووسع منافذ التحرير، ورغب الناس في تحرير العبيد، وأخبر أن من أعتق عبدًا أعتق الله له بكل عضو عضوًا من أعضائه من عذاب النار يوم القيامة.1


وقد بيّن المستشرق الألماني آدم متز أن العتق يُعَدّ مبدأ من مبادئ الإسلام، فيقول: كان في الإسلام مبدأ في مصلحة الرقيق، وذلك أن الواحد منهم كان يستطيع أن يشتري حريته بدفع قدر من المال، وقد كان للعبد أو الجارية الحق في أن يشتغل مستقلاً بالعمل الذي يريده.. وكذلك كان من البر والعادات المحمودة أن يوصي الإنسان قبل مماته بعتق بعض العبيد الذين يملكهم2.. بل رفع صلى الله عليه وسلم من شأن العبيد حتى جعل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم -كما يقول المفكر النصراني نظمي لوقا-: العبدان والأحابيش سواسية وملوك قريش!3.


ومن هنا وقفت قيادات قريش الأرستقراطية في وجه الدعوة التي ترنو إلى تحرير العبيد وتنادي بالمساواة التامة بينهم وبين السادة، ولقد كانت قيادات مكة تساوم قائد الدعوة على طرد هؤلاء العبيد مقابل إقرار قيادات مكة بالإسلام، ومن ثَم نزل القرآن الكريم محذرًا رسول الله أن يترك العبيد أو أن يطردهم، وهم الذي بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الدعوة، ويدعون ربهم الواحد الأحد صباحًا ومساءً، يريدون ببذلهم وجه الله تعالى، لا يبتغون منصبًا أو جاهًا كما يبتغي غالبية السادة.. فقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28]، إن هؤلاء العبيد -في الشرع الإسلامي السمح- هم أعظم قيمة وأكثر بركة وأرق أفئدة وأطهر نفسًا، من هؤلاء السادة الذين يستعبدون الناس، ويتجبرون في الأرض بغير الحق.. هؤلاء العبيد نزل من أجلهم الأمر من السماء إلى رائد الدعوة صلى الله عليه وسلم بأن يضعهم في عينيه! بل نزل التحذير من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من أن يلتفت عن العبيد إلى زينة الكبراء، أو أن يتلهى عن العبد ويطيع السيد المارق.


أما العبيد فقد وجدوا الكرامة والحرية، في تعاليم الإسلام الإصلاحية، وفك رقابهم من طوق الفقر والذل، وخلصهم من عبادة الحجارة وسياط السادة. بل جعل منهم سادات المسلمين، حتى أُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعليقًا على حادثة شراء أبو بكر لبلال بن رباح رضي الله عنهما ليعتقه من الرق فقال: سيدنا وأعتق سيدنا!.

تعاليم نبوية في تحسين أوضاع العبيد
إن المتأمل في التوجيهات النبوية يجدها تشي بالجهد الجهيد الذي بذله نبي الإنسانية في سبيل تحسين أوضاع العبيد والإماء ويعرف بحق كيف كانت مكرمة العبيد في الإسلام. وهذه بعض التوجيهات النبوية التي نذكر بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: وصيته صلى الله عليه وسلم بالعبيد والإماء:
كان آخر كلمات النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجود بروحه الشريفة، وقد حضره الموت، الوصية بالعبيد والإماء.. فعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم4 ! إنه يوصي بالعبيد، وهو في سكرات الموت! فهو الذي احتضنهم حيًّا، وأوصى بهم بعد مماته خيرًا، فكان خير معلم لهم وخير أب وخير محرر.



ثانيًا: تحذيره صلى الله عليه وسلم من إيذاء العبيد والإماء:
فكان يغضب أشد الغضب من ضرب العبيد أو إيذائهم فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: كنت أضرب غلامًا لي؛ فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ.. لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ! فالتفتُ فإذا هو النبي! فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله تعالى. قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَعَتْكَ النَّارُ أَوْلَمَسَّتْكَ النَّارُ5 . هكذا كان رسول الله يربي تلاميذه، ويفقه شعبه، على احترام آدمية الناس، وخاصة الضعفاء منهم والعبيد والخدم والأجراء. ويمتد هذا النداء الأبوي إلى حكام المسلمين في كل زمان ومكان؛ فيلزمهم بحماية العبيد من التعذيب أو الاضطهاد، فضلاً عن السعي الجاد لتحريرهم.


ثالثًا: أمره صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى العبيد والإماء:
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألطف الناس بالعبيد، وأرفق الناس بالإماء، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس لطفًا! والله ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد ولا من أمة ولا صبي أن يأتيه بالماء فيغسل وجهه وذراعيه!! وما سأله سائل قط إلا أصغى إليه أذنه فلم ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحد بيده إلا ناوله إياها فلم ينزع حتى يكون هو الذي ينزعها منه6.

وعن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربدة، وعليه حلة وعلى غلامه حلة [يعني من نفس الثوب] فسألته عن ذلك. فقال: إني ساببت رجلاً، فعيرته بأمه [قال لعبد: يا ابن السوداء] فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر! أعيرته بأمه!؟ إنك امرؤ فيك جاهلية! إخوانكم خولكم [العبيد والإماء هم إخوانكم في الدين والإنسانية]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده: فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم7.

فحرم السخرية من العبيد أو الاستهزاء بألوانهم أو أنسابهم، كما حرم إجهاد العبد في الخدمة، وأوجب مساعدته إذا كُلّف ما يغلبه.. وحذر الفقهاء من استعمال العبيد على الدوام ليل نهار، فقالوا: إذا استعمل السيدُ العبدَ نهارًا أراحه ليلاً، وكذا بالعكس، وقالوا: يريحه بالصّيف في وقت القيلولة، ويمنحه قسطه من النّوم، وفرصة للصّلاة المفروضة. وإذا سافر به يجب عليه أن يحمله معه على الدابة أو يتعاقبان على البعير ونحوه. بل قالوا: إن كان العبد ذمّيًّا فقد ذكر بعض الفقهاء أنه لا يمنع من إتيان الكنيسة، أو شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير؛ لأن ذلك دينه، نقله البنانيّ عن قول مالكٍ في المدوّنة8 . وتأمل معي قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن عيّر العبد: إنك امرؤ فيك جاهلية.. دلالة على أن صفة من يهينون العبيد ويؤذونهم بالقول أو الفعل، فوصفهم بالجهل، وربطهم بعصور الجاهلية، وعهود التخلف.

رابعًا: تحريك الجهود الشعبية لمكافحة الاسترقاق:
شغل الرقُ سلمانَ الفارسي رضي الله عنه حينًا من الزمن.. فقد كان مولى عند أحد الوجهاء، حتى فات سلمان عددًا من المشاهد مع الرسول الكريم r، منها بدر وأحد. فذهب إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . فأشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يكاتب سيده، فكاتبه على ثلاثمائة نخلة يغرسها له وأربعين أوقية من ذهب. وشارك المسلمون في أداء هذا الدين عن سلمان، فأحضروا له النخل وحفروا معه أماكنها، وقدم رسول الله r ووضعه بيده الشريفة وعُتق سلمان. وكانت أول مشاهدُه غزوة الأحزاب، وكان هو صاحب فكرة إنشاء خندق عظيم حول المدينة لتحصينها من الغزاة.. ولما نجحت الفكرة، زاد تقدير الناس لسلمان؛ نظرًا لرجاحة عقله، وجهده في خدمة دولة الإسلام بفكرة الخندق، فقال الأنصار: سلمان منا! وقال المهاجرون: سلمان منا!. فقال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : سلمان منا أهل البيت!!9 وهكذا ارتفع شأن العبيد في دولة الإسلام بجهدهم وخدمتهم للمجتمع، ولم تكن عبوديتهم أيما يوم من الأيام تشينهم بين إخوانهم المسلمين. وفي ذلك أيضًا النموذج العملي الذي حشد فيه النبي صلى الله عليه وسلم جهود شعبه من أجل تحرير عبد. وهو بذلك يلزم المجتمع بضرورة تضافر الجهود الشعبية لفك الإنسان من الرق.

خامسًا: سن قاعدة كفارة ضرب العبد عتقه:
شرع الإسلام منفذًا لتحرير العبيد عن طريق سن قاعدة كفارة ضرب العبد عتقه والذي لم يكن موجودًا أيام الجاهلية، فمنح حق الحرية للعبد إذا ضربه سيده. فعن أبي صالح ذَكْوَانَ عن زَاذَانَ قال: أتيتُ ابن عمر، وقد أعتق مملوكًا له، فأخذ من الأرض عودًا أو شيئًا، فقال: مالي فيه من الأجر مَا يَسْوَى هذا.. سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أو ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ10

سادسًا: كفالة الدولة الإسلامية للعبد المعاق أو المريض:
فلقد كان لِزِنْبَاعٍ أبو روح رضي الله عنه -أحد الصحابة- عَبْدٌ يُسَمَّى سَنْدَرَ بْنَ سَنْدَرٍ، فوجده يقبل جارية له، فقطع ذَكَرَهُ وَجَدَعَ أَنْفَهُ، فأَتَى الْعَبْدُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزنباع: مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْت؟ قَالَ: فَعَلَ كَذَا وَكَذَا. فذكر له ما فعل بالجارية!. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعبد: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ فقال العبد: يا رسول الله فمولى من أنا؟ فقال: مولى الله ورسوله.. فأوصى به المسلمين؛ فلما قُبض جاء العبد إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: وصية رسول الله r، فقال: نعم، تجري عليك النفقة وعلى عيالك، فأجراها عليه حتى قبض.. فلما استخلف عمر رضي الله عنه جاءه فقال: وصية رسول الله r قال: نعم، أين تريد؟ قال: مصر، قال: فكتب عمر إلى صاحب مصر أن يعطيه أرضًا يأكل منها!!11. فالدولة -في الشرع الإسلامي- تكفل أصحاب الإعاقات من العبيد، -كما رأيت- كالمواطنين الأحرار، وقرر لهم الراتب المالي الدوري الذي يغنيهم عن التسول أو سؤال الناس.


فرية سن الاسترقاق!
ورغم جهود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في تحرير العبيد فإن بعض الحاقدين زعموا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سن الاسترقاق! ونحن نترك العلامة لايتنر يرد على هذه الفرية، فيقول: .. إنا نرى الأغبياء من النصارى يؤاخذون دين الإسلام كأنه هو الذي قد سنّ الاسترقاق، مع أن محمدًا r قد حضّ على عتق الرقاب، وهذه أسمى واسطة لإبطاله حقيقة12..
كذلك يتحدث الكاتب الفرنسي فانسان مونتييه، مستنكرًا هذه الافتراءات، فيقول: إنهم يتهمون الإسلام بظاهرة الرَقّ التي وُجِدَتْ قبل الإسلام وليس بعده، بل حين انتشر الإسلام وطُبقت تعاليمه كان يسعى لإلغاء الرّق، بل إن كثيرًا من الكفَّارات للذنوب التي يقدم عليها المرء هو تحرير الرقاب الذي عَدَّه الإسلام تقربًا وطاعة لله13.. ويتحدث المفكر الإنجليزي كويليام عن هذه الروايات التي اختلقها الحاقدون، وزعموا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ، سن الاسترقاق والخناسة.. فيقول:
إن روايات كهذه مجردة بالمرة عن الحقيقة، لا يمكن تصديقها وتصور وقوعها14.. ويدلل على حقيقة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم له الفضل في القضاء على النخاسة في الجزيرة العربية، فيضرب مثالاً بمناطق شرق ووسط إفريقيا التي تفشت فيها مظاهر النخاسة والاسترقاق، ويبين أن السبب في تفشي هذه المظاهر في هذه المناطق هو لأن الإسلام لم يدخل فيها!! وبرهان ذلك أن الإسلام من خصائصه إبطال النخاسة إبطالاً دائمًا!!15.. رغم أن تجار النخاسة والرق -كما يقول إدوار بروي- كانوا من الأوروبيين16.. ومن ثَم.. توقفت حركة التطور في البلدان [الإفريقية] على أثر العبث الذريع الذي أحدثه في تلك الأرجاء تجار النخاسة والرق من الأوروبيين!17.


وإذا قيل: إن الإسلام لم يلغِ الرق والاتجار بالبشر إلغاءً كاملاً رغم عظم مجهودات نبي الإنسانية r في مكافحة الاسترقاق.. فجواب ذلك أن الدولة الإسلامية وحدها لا تستطيع أن تقضي تمامًا على عادة الاسترقاق والاتجار بالبشر، وذلك لعدة أساب وجيهة ومنطقية..
السبب الأول: أن مظاهر الاسترقاق والاتجار بالبشر كانت متأصلة ومنتشرة في المجتمعات الإنسانية، العربية وغير العربية، منذ قديم الزمن، فكان على الشرع الإسلامي -كعادته- أن يستخدم التدرج في القضاء على المنكرات والأعراف الفاسدة، فضيّق منافذ الاسترقاق ووسع أبواب العتق.


السبب الثاني: أن هذه العادات كانت قبل ظهور الإسلام بمثابة الأعراف الدولية، فقد كانت جميع الدول والإمبراطوريات -دون استثناء- تمارس الاسترقاق والاتجار بالبشر، ومن ثَم فإن القضاء على الرق يحتاج إلى اتفاق دولي عام، يلزم الجميع بمنع الاسترقاق أو الاتجار بالبشر.. ومعلوم أن الدولة الإسلامية أيام حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن من القوة والانتشار بالقدر الذي يسمح لها بمنع هذه العادات.

السبب الثالث: أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وإذا أصدرت الدولة قرارًا بمنع الرق؛ فسوف يقع حرج شديد على هؤلاء الناس الذين أصبحت تجاراتهم وأعمالهم تقوم على كاهل هؤلاء العبيد.. فكان على النظام الإسلامي أن يأخذ بمبدأ التدرج في منع الاسترقاق والاتجار بالبشر.

السبب الرابع: أن الدولة الإسلامية لم تكن تمتلك من الإمكانيات الاقتصادية والمالية بحيث تتمكن من كفالة هؤلاء العبيد بعد تحريرهم، أو حتى توفير فرص عمل لهم جميعًا، فمن المعروف أن العبيد كانوا في كفالة أسيادهم، يطعمون من مال السادة، ويحترفون لهم في مهنهم..

تحريم الاتجار بالبشر
ومن دلائل مكافحة الاسترقاق في الشرع الإسلامي، تحريمه لكافة صور ومظاهر الاتجار بالبشر، وخاصة النساء والأطفال الأحرار.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ18.فجعل الاتجار بالبشر من أبواب الخيانة والغدر والظلم، والله عز وجل خصم لجميع الغادرين إلا أنه أراد التشديد على هذه الأصناف الثلاثة، فقد ارتكبوا جرمًا شنيعًا يتعلق بحقوق الإنسان، فأحدهم غدر بأخيه الإنسان، فعاهده عهدًا وحلف عليه بالله ثم نقضه، والثاني باع أخاه الإنسان الحر، والثالث أكل مال أخيه الإنسان الأجير، وهو داخل في إثم المتاجرة بالبشر كالثاني؛ لأنه استخدمه بغير حق، وخالف الأمر النبوي: أَعْطِ الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ19.

وجريمة الاتجار بالبشر -التي حرمها الشرع الإسلامي الفضيل- تتسربل بصور عديدة مارستها المجتمعات الجاهلية في القديم والحديث.. فمارستها قبائل العرب ودول الفرس والرومان قبل بعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فكانوا يقطعون الطرق على الأحرار، فيسرقون أموالهم ويبيعونهم في أسواق النخاسة على أنهم عبيد.. وفي العصر الحديث مارس الأمريكان هذا السلوك الجاهلي مع الزنوج، فخصصوا الهيئات التي تبيع وتشتري فيهم، وهم أحرار، ومارسوا أبشع صور التمييز العنصري في حقهم. إضافة إلى ظهور جماعات المتاجرة بالأطفال والنساء؛ لغرض الاستغلال الجنسي التجاري، ناهيك عن استغلال هذه الجماعات للكوارث الطبيعية والحروب لممارسة نشاطها، وخير شاهد ما حدث في كارثة تسونامي وما أعلنته الصحف عن أرقام مفزعة للنساء والأطفال الذين تم الاتجار بهم في ظل هذه الكارثية الإنسانية، الأمر نفسه حدث مع ضحايا الشعب المسلم في البوسنة والهرسك بعد ما أعمل فيه الجيش الصربي الذبح، فتم بيع آلاف الفتيات والأطفال على مرأى ومسمع من العالم (المتحضر).. وتحولت البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية إلى مراكز كبرى للاتجار بالبشر من جانب العصابات المنظمة التي تحصد سنويًّا ما بين 8 و10 مليارات دولار من الاتجار بالأطفال والنساء، وذلك وفقًا لإحصائيات وزارة العدل الأمريكية... بيد أن الشرع الإسلامي الكريم حرّم بيع الأحرار، وناهض تجارة البشر بالبشر، وحرم إكراه الفتيات على ممارسة البغاء فقال الشارع الحكيم: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور: 33].


إلى جانب أن جريمة الاتجار بالبشر تنتهك حق الإنسان في الحرية، وتنتهك حقوق الأطفال والنساء في العيش في بيئة آمنة صالحة، فهي تنزعهم من أسرهم ومن بين آبائهم وأمهاتهم إلى جحيم الاستغلال الجنسي والسخرة والتعذيب النفسي والجسدي.. وكلها مظاهر حرمها الإسلام وحاربها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم. هكذا كان المنهج النبوي في التعامل مع مظاهر الاسترقاق والاتجار بالبشر؛ ليسجل أمام الله تعالى ثم التاريخ أن النظام الإسلامي هو أول نظام في تاريخ البشرية ناهض الاسترقاق وحارب المتاجرة بالبشر.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، باب فضل العتق، ح: 1509: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منها إربًا منه من النار (الإرب هو العضو)
(2) آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، 1/ 290 .
(3) نظمي لوقا: محمد الرسالة والرسول، ص 185
(4) صحيح - أبو داود ،ح: 5156، أحمد، ح: 585
(5) صحيح - أبو داود ، باب حق المملوك، ح: ( 4492) .
(6) صحيح - أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة (116)، أبو حنيفة في مسنده (40)، الحارث في مسنده (939)، وذكره ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية ( 3931 ).
(7) صحيح – البخاري،كتاب الإيمان، برقم 30، مسلم، كتاب الإيمان والنذور، باب: إطعام المملوك مما يأكل، رقم: 1661
(8) عن الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، باب رقّ
(9) الحاكم في المستدرك، ح: 6541، الطبراني: المعجم الكبير،ح: 6040، والقصة منتشرة في كتب السيرة، في ثنايا أحداث الخندق .
(10) صحيح - سنن أبي داود ، ح: 4500 .
(11) حسن - أحمد ( 2/ 182 )، أبو داود ( 4519 ) ابن ماجه ( 2680 ).
(12) لايتنر :دين الإسلام ، ص 7
(13) انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 231
(14) عبد الله كويليام: العقيدة الإسلامية ، ص26
(15) المصدر السابق
(16) إدوار بروي: تاريخ الحضارات العام 3/ 564
(17) المصدر السابق
(18) صحيح - رواه البخاري، كتاب البيوع ، باب إثم من باع حرًا، ح: 2075
](19) حسن - البيهقي، ح: (11439)، عن أبى هريرة.
هوامش التقديم:
1- نقلا عن أحمد حرزني، من الكمونة إلى الجماعة: قراءة في سيرة ماركس السياسية مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء. ط1/1999.ص36.
2- نقلا عن: عبدالله ساعف، كتابات ماركسية حول المغرب، ترجمة السعيد المعتصم ، دار توبقال للنشر، البيضاء. ط1/1987، ص37 هامش89.
3- ماركس وإنجلز ،الماركسية والجزائر، ترجمة جورج طرابيشي، ط1/1987، دار الطليعة، بيروت. ص14.
4- سعيد لكحل، مقال: ليس في الإسلام ما يحرم على المرأة إمامة المصلين رجالا ونساءا ، منشور في موقع الحوار المتمدن، عدد1185 بتاريخ 02/05/2005، والرابط هو:
www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=36577
5- استعمرت بريطانيا الهند سنة 1858 ، ومصر سنة 1914 ، ومدت الحماية على قطر حتى سنة 1971... وغير ذلك من عمليات استعمارية لشعوب أخرى.
ولا زلنا نشهد استعباد الولايات المتحدة- نخاس العالم وجلاده- لأبناء العراق وأفغانستان الصامدين.
6- واستعمرت فرنسا لبنان إلى سنة 1943، والجزائر ابتداء من 1830 إلى ستة 1962، وتونس إلى سنة 1956، وغير ذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق