عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين"(1).
قال القرطبي رحمه الله:"فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا ، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم...أو المقصود تقليل الشرور فيه..."(2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"(3).
إلا أن لرمضان – في مجتمعاتنا – طعما خاصا:
- فهو، لدى صنف من الناس، فرصة للهو والسمر ومجاهرة الله سبحانه بالمعاصي ليلا إلى طلوع الفجر (لعب الأوراق، إقامة حفلات الغناء والرقص، تصاعد وتيرة القمار...) وكأنما أطلق الصائم من عقال إإ
- وهو، لدى صنف آخر، موعد مع التكاسل والتراخي وإهمال القيام بالواجبات وتضييع مصالح كثير من العباد إإ
- وهو كذلك- لدى صنف ثالث- شهر "للمحنة" ، محنة الجوع والعطش والتعب والتوتر الحاد المفضي إلى التشاجر والتهارش والتقاتل...إإ
أين رمضان- في واقعنا- من رمضان كما يريده دين الله سبحانه : شهر خير للأمة ، وتوحيد للخالق، وتربية للنفس، ومجاهدة للعدو؟
أخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان ، ولا أتى على المنافقين شهر شر من رمضان ، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر"(4).
إن رمضان شهر خير لأنه:
أ- شهر التوحيد ومراقبة الله سبحانه وتعالى:
إن الصوم عبادة سرية بين العبد وربه يتربى فيها المؤمن على مراقبة الله سبحانه والخشية منه. فهو – أي المؤمن- يترك مافيه هوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه بأن الله سبحانه يراه ويطلع عليه. فكان شهر رمضان بذلك "وصلة إلى التقوى"، وحربا على الرياء الأخف من دبيب النمل، وبذلك استحق الصائم، تفضلا من الله عز وجل ونعمة، الجزاء منه سبحانه بغير حساب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،" قال الله : كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم.والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح لصومه"(5).
يقول القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر حديث:( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم...) مايلي:"...وإنما خص الصوم بأنه له ، وإن كانت العبادات كلها له، لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات:
- أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لايمنع منه سائر العبادات.
- الثاني: أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لايظهر إلا له، فلذلك صار مختصا به..."(6).
ومن تمام بشارة المؤمن بما له من الصوم ابن حجر رحمه الله، حين كلامه عن قوله صلى الله عليه وسلم:"الصيام لي وأنا أجزي به"، مما ملخصه:
- الصوم لايدخله الرياء لأنه عبادة سرية كما سبق.
- الصوم ينفرد الله سبحانه بتقدير ثوابه إلى ماشاء بخلاف سائر العبادات التي أطلع الله سبحانه عباده على مقادير ثوابها بمضاعفتها من عشرة إلى سبعمائة ضعف...
- الصوم أحب العبادات إلى الله سبحانه والمقدم عنده.
-الصيام فيه تقرب من الله بما يوافق صفاته سبحانه من استغناء عن الشهوات.
- وفيه أيضا تقرب من الملائكة من حيث استغناؤهم عن الشهوات.
- الصوم لاحظ فيه للعبد من حيث ثناء الناس عليه لعدم ظهوره.
- إن جميع العبادات تؤخذ منها مظالم العباد إلا الصيام ، كما في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول:"قال عز وجل: كل العمل كفارة إلا الصوم، والصوم لي وأنا أجزي به"(7)، وغير ذلك...
ب- شهر التربية والتغيير للنفس، وذلك:
*بترويضها على الأخلاق الحميدة، ومحاربة نوازعها (الغيبة ، النميمة، المكر، الغش...). وقد مر الحديث:"إذا كان يوم صمم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب...".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(8).
*بتقوية إرادتها حتى تتحرر من عبوديتها لشهوة مؤثرة أو عادة متبعة أو لذة مطاعة...عن عبدالرحمان بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبدالله ، فقال عبدالله: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابا لانجد شيئا ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب ،من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"(9).
وتمتد هذه الحرية إلى سائر مناحي الحياة لتكسب المؤمن شخصية مستقلة لاتؤثر عليها مواضعات الناس ومتغيرات الواقع. عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لاتكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا"(10).
ج- شهر الجهاد والتضحية:
على كل مسلم أن يكون جنديا لدينه، صبورا على تحمل الشدائد لأجله، وذلك من بين ما تدل عليه مبايعة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، بل على الموت كما في الحديث: عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت"(11).
إن الجندية تتطلب إعدادا روحيا وماديا، وصيام رمضان إعداد للتحمل والصبر والجهاد، سماه الرسول صلى الله عليه وسلم بشهر الصبر:
عن أبي عثمان أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر"(12). وذهب بعض المفسرين إلى أن الصائمين هم الصابرون المذكورون في قوله تعالى:( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)(الزمر:10). وقد قال علي رضي الله عنه:"كل أجر يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصوم فإنه يحثى حثوا ويغرف غرفا"(13).
إن أولئك الصائمين الصابرين هم الذين انتصروا:
1- في غزوة بدر الكبرى: عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في ليلة القدر قال:" تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر"(14).
وعنه أيضا قال:" التمسوا ليلة القدر لتسع عشرة صبيحة يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان"(15). 2- في فتح مكة: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف ، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة ، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد- وهو ماء بين عسفان وقديد- أفطر وأفطروا"(16).
3- في عين جالوت على التتار(658هجرية)، في العشر الأواخر من رمضان، انتصر المسلمون، بعد أن يئست القلوب من النصرة، على قوم" ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه"كما قيل عنهم(17).ودور"سلطان العلماء وبائع الأمراء"- العز بن عبدالسلام رحمه الله- في هذه المعركة معروف ومشهور.
4- في وقعة شقحب ضد التتار أيضا من يوم السبت 20 رمضان إلى يوم الأحد 03 رمضان 702 هجرية."وفي يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة (18) إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر، وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد، ففرح الناس به ودعوا له وهنأوه بما يسر الله على يديه من الخير..."(19).
وقد عرف الإعداد للمعركة صورا للتضحية تندر إلا في مثل المواطن الجهادية، تكفي الإشارة إلى الأمير سيف الدين الشمسي القشاش ، وكان يعذب الناس تعذيبا وحشيا. فقد" خرج لغزوة شقحب في محفة إلى وقت القتال لبس سلاحه وركب فرسه وهو في غاية الألم. فقيل له: أنت لاتقدر تقاتل، فقال: والله لمثل هذا اليوم أنتظر، وإلا بأي شيء يتخلص القشاش من ربه بغير هذا؟إ .وحمل على العدو وقاتل حتى قتل، ورئي فيه- بعد أن مات- ستة جراحات"(20).
5- في فتح جزيرة رودس في رمضان سنة 63 هجرية، حيث أقام فيها المسلمون سبع سنين، ومعهم المفسر الشهير مجاهد بن جبر، يغزون الكفار في البحر ويقطعون سبيلهم، وكانت سنوات شديدة على الكفار.
6- في ابتداء غزو الأندلس سنة 91 هجرية، بإغارة طريف بن مالك على الجزيرة الخضراء بأربعة مراكب في شهر رمضان، وعاد سالما غانما غنائم كثيرة.
7- في فتح أكثر الأندلس في رمضان سنة 92 هجرية على يد طارق بن زياد رحمه الله... وغير ذلك من الإنتصارات الجليلة.
فانظر كيف أهل الصيام ، وهو صبر بضع ساعات فقط ، سلف هذه الأمة إلى الصبر والتحمل عند بارقة السيوف.
أما المنهزمون في أنفسهم، اللاهثون- حتى وهم في رمضان- وراء المال الحرام والمتعة الحرام، فإنهم سيكونون أكثر انهزاما أمام أعداء الأمة"عن تحمل قسوة الكفاح والنضال أياما وشهورا وأعواما...إن المنهزمين في ميدان صغير ليسوا أهلا لأن يحرزوا النصر لأمتهم في ميدان كبير، ومن أعلن استسلامه في معركة نفسية تدوم ساعات، فقد حكم على نفسه بفقدان أول خلق من أخلاق المكافحين وهو الرجولة. ومن عز عليه أن يعيش في جو الرجال، فقد أخرج نفسه من معارك الشهداء والأبطال"(21)، ومنها معركة الأمة ضد "إخوان القردة والخنازير"(22) وقتلة الأنبياء وعبدة الطاغوت...والذين ندعو الله سبحانه وتعالى أن يرينا فيهم ، في هذا الشهر المبارك، يوما أسود يذكرهم بيوم خيبر.
د- شهر الإعتراف بالحاجة للخالق سبحانه:
إن هذا الشهر المبارك هو شهر الإحساس بقيمة نعم الله عز وجل علينا، يتساوى طوعا أو كرها، كل الأقوياء والملوك والأغنياء...مع الباقين من عباد الله في الحاجة إلى نعمه سبحانه وطعامه وشرابه."فلماذا يمنعون عن الشعب طعامه وغذاءه؟ لماذا يمنعون حقه، ولو منعهم الله أسباب القوة لكانوا مستضعفين في الأرض أذلة صاغرين؟"(23).
ه- شهر للشعور بحرمان المحرومين ولوعة الجياع والمحتاجين:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة"(24).
فلماذا لانجعل من رمضان مناسبة لإعلان الحرب على الظلم والفساد، والثورة على الخرافة والجهل، والتضامن من أجل قضايا الأمة وخاصة فلسطين؟
اللهم أهل علينا رمضان بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، آمين.
الهوامش:
1-البخاري في الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، حديث 1899.
2- مأخوذ من ابن حجر رحمه الله، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق ابن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي رحمهما الله، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/ 1420- 1989 ص4/144.
3- البخاري في الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية، حديث 1901.
4- أخرجه أحمد 2/330 و2/524، وابن خزيمة في صحيحه3/188، حديث1884، وعلق محققه عليه بقوله:"إسناده ضعيف"(صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، دمشق وبيروت- 1400/1980- ص300/188)
والحديث ذكره البيهقي في "السنن"(4/304)، والهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/140-141) ثم قال:"رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن تميم مولى ابن رمانة، ولم أجد من ترجمه".
5- البخاري في الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم، حديث 1904.
6- الجامع لأحكام القرآن، دار الكاتب العربي، بيروت. ط3/1383-1997.ص2/274.
7- أخرجه أحمد(2/467). ومما يشهد له الحديث الذي أخرجه البخاري عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم قال:" لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"(كتاب التوحيد، باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه، حديث 7538). وقد جمع ابن حجر رحمه الله بين حديث أحمد والأحاديث الكثيرة الدالة على أن الصيام كفارة أيضا بقوله في الاستثناء"إلا الصوم":"أن يكون المراد : إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة"(الفتح4/139).
8- البخاري في الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، حديث 1903.
9- البخاري في النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم، حديث 5066.
10- أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو، حديث2007، ثم قال الترمذي : حسن غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه.
11- البخاري في الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، حديث 7206.
12- النسائي في الصيام، باب ذكر الاختلاف على أبي عثمان في حديث أبي هريرة، حديث 2406.
13- القرطبي، مصدر سابق، ص4/241.
14- أخرجه الحاكم(3/20) وقال:"صحيح على شرط الشيخين".
15- أخرجه الحاكم(3/21) وقال:"صحيح على شرط الشيخين ". 16- أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، حديث4276.
17- ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الأوقاف والإرشاد القومي، مصر، ص7/78.
18- الكسوة: قرية هي أول منزل تنزله إذا خرجت من دمشق إلى مصر( ينظر : معجم البلدان لياقوت الحموي).
19- ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت. ط1/1966 ص14/25.
20- ابن تغري بردي، مصدر سابق، ص8/205.
21- د.مصطفى السباعي رحمه الله، أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة، بيروت، ط2/1392.ص32.
22- من كلام لأمنا عائشة رضي الله عنها في حديث أخرجه أحمد (3/241 و6/135).
23- السباعي رحمه الله، مرجع سابق، ص41-42.
24- أخرجه البخاري في الصوم، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان، حديث 1902.
قال القرطبي رحمه الله:"فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرا ، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم...أو المقصود تقليل الشرور فيه..."(2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"(3).
إلا أن لرمضان – في مجتمعاتنا – طعما خاصا:
- فهو، لدى صنف من الناس، فرصة للهو والسمر ومجاهرة الله سبحانه بالمعاصي ليلا إلى طلوع الفجر (لعب الأوراق، إقامة حفلات الغناء والرقص، تصاعد وتيرة القمار...) وكأنما أطلق الصائم من عقال إإ
- وهو، لدى صنف آخر، موعد مع التكاسل والتراخي وإهمال القيام بالواجبات وتضييع مصالح كثير من العباد إإ
- وهو كذلك- لدى صنف ثالث- شهر "للمحنة" ، محنة الجوع والعطش والتعب والتوتر الحاد المفضي إلى التشاجر والتهارش والتقاتل...إإ
أين رمضان- في واقعنا- من رمضان كما يريده دين الله سبحانه : شهر خير للأمة ، وتوحيد للخالق، وتربية للنفس، ومجاهدة للعدو؟
أخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان ، ولا أتى على المنافقين شهر شر من رمضان ، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر"(4).
إن رمضان شهر خير لأنه:
أ- شهر التوحيد ومراقبة الله سبحانه وتعالى:
إن الصوم عبادة سرية بين العبد وربه يتربى فيها المؤمن على مراقبة الله سبحانه والخشية منه. فهو – أي المؤمن- يترك مافيه هوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه بأن الله سبحانه يراه ويطلع عليه. فكان شهر رمضان بذلك "وصلة إلى التقوى"، وحربا على الرياء الأخف من دبيب النمل، وبذلك استحق الصائم، تفضلا من الله عز وجل ونعمة، الجزاء منه سبحانه بغير حساب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،" قال الله : كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم.والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح لصومه"(5).
يقول القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر حديث:( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم...) مايلي:"...وإنما خص الصوم بأنه له ، وإن كانت العبادات كلها له، لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات:
- أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لايمنع منه سائر العبادات.
- الثاني: أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لايظهر إلا له، فلذلك صار مختصا به..."(6).
ومن تمام بشارة المؤمن بما له من الصوم ابن حجر رحمه الله، حين كلامه عن قوله صلى الله عليه وسلم:"الصيام لي وأنا أجزي به"، مما ملخصه:
- الصوم لايدخله الرياء لأنه عبادة سرية كما سبق.
- الصوم ينفرد الله سبحانه بتقدير ثوابه إلى ماشاء بخلاف سائر العبادات التي أطلع الله سبحانه عباده على مقادير ثوابها بمضاعفتها من عشرة إلى سبعمائة ضعف...
- الصوم أحب العبادات إلى الله سبحانه والمقدم عنده.
-الصيام فيه تقرب من الله بما يوافق صفاته سبحانه من استغناء عن الشهوات.
- وفيه أيضا تقرب من الملائكة من حيث استغناؤهم عن الشهوات.
- الصوم لاحظ فيه للعبد من حيث ثناء الناس عليه لعدم ظهوره.
- إن جميع العبادات تؤخذ منها مظالم العباد إلا الصيام ، كما في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول:"قال عز وجل: كل العمل كفارة إلا الصوم، والصوم لي وأنا أجزي به"(7)، وغير ذلك...
ب- شهر التربية والتغيير للنفس، وذلك:
*بترويضها على الأخلاق الحميدة، ومحاربة نوازعها (الغيبة ، النميمة، المكر، الغش...). وقد مر الحديث:"إذا كان يوم صمم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب...".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(8).
*بتقوية إرادتها حتى تتحرر من عبوديتها لشهوة مؤثرة أو عادة متبعة أو لذة مطاعة...عن عبدالرحمان بن يزيد قال: دخلت مع علقمة والأسود على عبدالله ، فقال عبدالله: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شبابا لانجد شيئا ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب ،من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"(9).
وتمتد هذه الحرية إلى سائر مناحي الحياة لتكسب المؤمن شخصية مستقلة لاتؤثر عليها مواضعات الناس ومتغيرات الواقع. عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لاتكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا"(10).
ج- شهر الجهاد والتضحية:
على كل مسلم أن يكون جنديا لدينه، صبورا على تحمل الشدائد لأجله، وذلك من بين ما تدل عليه مبايعة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، بل على الموت كما في الحديث: عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت"(11).
إن الجندية تتطلب إعدادا روحيا وماديا، وصيام رمضان إعداد للتحمل والصبر والجهاد، سماه الرسول صلى الله عليه وسلم بشهر الصبر:
عن أبي عثمان أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر"(12). وذهب بعض المفسرين إلى أن الصائمين هم الصابرون المذكورون في قوله تعالى:( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)(الزمر:10). وقد قال علي رضي الله عنه:"كل أجر يكال كيلا ويوزن وزنا إلا الصوم فإنه يحثى حثوا ويغرف غرفا"(13).
إن أولئك الصائمين الصابرين هم الذين انتصروا:
1- في غزوة بدر الكبرى: عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في ليلة القدر قال:" تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر"(14).
وعنه أيضا قال:" التمسوا ليلة القدر لتسع عشرة صبيحة يوم بدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان"(15). 2- في فتح مكة: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف ، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة ، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد- وهو ماء بين عسفان وقديد- أفطر وأفطروا"(16).
3- في عين جالوت على التتار(658هجرية)، في العشر الأواخر من رمضان، انتصر المسلمون، بعد أن يئست القلوب من النصرة، على قوم" ما قصدوا إقليما إلا فتحوه، ولا عسكرا إلا هزموه"كما قيل عنهم(17).ودور"سلطان العلماء وبائع الأمراء"- العز بن عبدالسلام رحمه الله- في هذه المعركة معروف ومشهور.
4- في وقعة شقحب ضد التتار أيضا من يوم السبت 20 رمضان إلى يوم الأحد 03 رمضان 702 هجرية."وفي يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكسوة (18) إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر، وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد، ففرح الناس به ودعوا له وهنأوه بما يسر الله على يديه من الخير..."(19).
وقد عرف الإعداد للمعركة صورا للتضحية تندر إلا في مثل المواطن الجهادية، تكفي الإشارة إلى الأمير سيف الدين الشمسي القشاش ، وكان يعذب الناس تعذيبا وحشيا. فقد" خرج لغزوة شقحب في محفة إلى وقت القتال لبس سلاحه وركب فرسه وهو في غاية الألم. فقيل له: أنت لاتقدر تقاتل، فقال: والله لمثل هذا اليوم أنتظر، وإلا بأي شيء يتخلص القشاش من ربه بغير هذا؟إ .وحمل على العدو وقاتل حتى قتل، ورئي فيه- بعد أن مات- ستة جراحات"(20).
5- في فتح جزيرة رودس في رمضان سنة 63 هجرية، حيث أقام فيها المسلمون سبع سنين، ومعهم المفسر الشهير مجاهد بن جبر، يغزون الكفار في البحر ويقطعون سبيلهم، وكانت سنوات شديدة على الكفار.
6- في ابتداء غزو الأندلس سنة 91 هجرية، بإغارة طريف بن مالك على الجزيرة الخضراء بأربعة مراكب في شهر رمضان، وعاد سالما غانما غنائم كثيرة.
7- في فتح أكثر الأندلس في رمضان سنة 92 هجرية على يد طارق بن زياد رحمه الله... وغير ذلك من الإنتصارات الجليلة.
فانظر كيف أهل الصيام ، وهو صبر بضع ساعات فقط ، سلف هذه الأمة إلى الصبر والتحمل عند بارقة السيوف.
أما المنهزمون في أنفسهم، اللاهثون- حتى وهم في رمضان- وراء المال الحرام والمتعة الحرام، فإنهم سيكونون أكثر انهزاما أمام أعداء الأمة"عن تحمل قسوة الكفاح والنضال أياما وشهورا وأعواما...إن المنهزمين في ميدان صغير ليسوا أهلا لأن يحرزوا النصر لأمتهم في ميدان كبير، ومن أعلن استسلامه في معركة نفسية تدوم ساعات، فقد حكم على نفسه بفقدان أول خلق من أخلاق المكافحين وهو الرجولة. ومن عز عليه أن يعيش في جو الرجال، فقد أخرج نفسه من معارك الشهداء والأبطال"(21)، ومنها معركة الأمة ضد "إخوان القردة والخنازير"(22) وقتلة الأنبياء وعبدة الطاغوت...والذين ندعو الله سبحانه وتعالى أن يرينا فيهم ، في هذا الشهر المبارك، يوما أسود يذكرهم بيوم خيبر.
د- شهر الإعتراف بالحاجة للخالق سبحانه:
إن هذا الشهر المبارك هو شهر الإحساس بقيمة نعم الله عز وجل علينا، يتساوى طوعا أو كرها، كل الأقوياء والملوك والأغنياء...مع الباقين من عباد الله في الحاجة إلى نعمه سبحانه وطعامه وشرابه."فلماذا يمنعون عن الشعب طعامه وغذاءه؟ لماذا يمنعون حقه، ولو منعهم الله أسباب القوة لكانوا مستضعفين في الأرض أذلة صاغرين؟"(23).
ه- شهر للشعور بحرمان المحرومين ولوعة الجياع والمحتاجين:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة"(24).
فلماذا لانجعل من رمضان مناسبة لإعلان الحرب على الظلم والفساد، والثورة على الخرافة والجهل، والتضامن من أجل قضايا الأمة وخاصة فلسطين؟
اللهم أهل علينا رمضان بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، آمين.
الهوامش:
1-البخاري في الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، حديث 1899.
2- مأخوذ من ابن حجر رحمه الله، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق ابن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي رحمهما الله، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/ 1420- 1989 ص4/144.
3- البخاري في الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية، حديث 1901.
4- أخرجه أحمد 2/330 و2/524، وابن خزيمة في صحيحه3/188، حديث1884، وعلق محققه عليه بقوله:"إسناده ضعيف"(صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، دمشق وبيروت- 1400/1980- ص300/188)
والحديث ذكره البيهقي في "السنن"(4/304)، والهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/140-141) ثم قال:"رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن تميم مولى ابن رمانة، ولم أجد من ترجمه".
5- البخاري في الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم، حديث 1904.
6- الجامع لأحكام القرآن، دار الكاتب العربي، بيروت. ط3/1383-1997.ص2/274.
7- أخرجه أحمد(2/467). ومما يشهد له الحديث الذي أخرجه البخاري عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم قال:" لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"(كتاب التوحيد، باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه، حديث 7538). وقد جمع ابن حجر رحمه الله بين حديث أحمد والأحاديث الكثيرة الدالة على أن الصيام كفارة أيضا بقوله في الاستثناء"إلا الصوم":"أن يكون المراد : إلا الصيام فإنه كفارة وزيادة ثواب على الكفارة"(الفتح4/139).
8- البخاري في الصوم، باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم، حديث 1903.
9- البخاري في النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم، حديث 5066.
10- أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو، حديث2007، ثم قال الترمذي : حسن غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه.
11- البخاري في الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، حديث 7206.
12- النسائي في الصيام، باب ذكر الاختلاف على أبي عثمان في حديث أبي هريرة، حديث 2406.
13- القرطبي، مصدر سابق، ص4/241.
14- أخرجه الحاكم(3/20) وقال:"صحيح على شرط الشيخين".
15- أخرجه الحاكم(3/21) وقال:"صحيح على شرط الشيخين ". 16- أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، حديث4276.
17- ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وزارة الأوقاف والإرشاد القومي، مصر، ص7/78.
18- الكسوة: قرية هي أول منزل تنزله إذا خرجت من دمشق إلى مصر( ينظر : معجم البلدان لياقوت الحموي).
19- ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت. ط1/1966 ص14/25.
20- ابن تغري بردي، مصدر سابق، ص8/205.
21- د.مصطفى السباعي رحمه الله، أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة، بيروت، ط2/1392.ص32.
22- من كلام لأمنا عائشة رضي الله عنها في حديث أخرجه أحمد (3/241 و6/135).
23- السباعي رحمه الله، مرجع سابق، ص41-42.
24- أخرجه البخاري في الصوم، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان، حديث 1902.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق