من العبارات المأثورة عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في محاسبته لعماله، عبارة:(من أين لك هذا؟). أخرج مالك عن زيد بن أسلم أنه قال:شرب عمر بن الخطاب لبنا فأعجبه، فسأل الذي سقاه: من أين هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء- قد سماه- فإذا نعم من نعم الصدقة، وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي، فهو هذا. فأدخل عمر بن الخطاب يده فاستقاءه(أخرجه في الموطإ، كتاب الزكاة، باب ما جاء في أخذ الصدقات والتشديد فيها، حديث591).
يقول الإمام الباجي رحمه الله في شرحه للموطإ:
[قوله" أنه شرب لبنا فأعجبه " يريد استطابه، فسأل من سقاه إياه، فذكر أنه من نعم الصدقة، وأنه أخذه بغير عوض، فأدخل عمر يده فاستقاءه.
ووجه ذلك أن اللبن كان من الصدقات، ولعلها لم تبلغ محلها، لأنه يحتمل أن يكون هذا اللبن أعطي لمن ليس من أصناف الصدقة مثل أن يكون غنيا أو مملوكا، فلذلك استقاءه عمر رضي الله عنه، وإنما استقاءه لئلا ينتفع به، وهو لا يستديم لذاته ولا يسوغ نفسه لذة أصلها محظورة، وإن لم يأتها قصدا، وهذا نهاية في الورع والتوقي ](المنتقى للباجي، تحقيق محمد عبدالقادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/1420-1999 ص3/246).
إن هذا نموذج لمراجعة عمر رضي الله عنه لما صدر عنه قبل أن يراجع غيره فيما فعله، ومن ذلك أيضا أنه حمى بعض الأراضي لإبل الصدقة التي كان ينتفع بها فقراء المسلمين في أغراض مختلفة، وذكر [أن عدة ماكان في الحمى في عهد عمر بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل وغيرها ](ابن حجر رحمه الله، فتح الباري، دار الكتب العلمية- بيروت.ط/1410-1989 ص6/218).
وقد أوكل عمر رضي الله عنه مهمة الإشراف على ذلك الحمى لأحد مواليه يدعى هنيا- بضم الهاء- و[كان من الفضلاء النبهاء الموثوق بهم ]كما قال ابن حجر رحمه الله(نفسه 6/217)، ووجهه الخليفة رضي الله عنه إلى السماح لأصحاب الإبل والغنم القليلة(الصريمة والغنيمة كما جاء في الرواية) بالرعي في الحمى وتقديمهم على الأغنياء أصحاب الإبل والغنم الكثيرة، كعثمان بن عفان وعبدالرحمان بن عوف رضي الله عنهما. أخرج البخاري عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى فقال: يا هني، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المسلمين فإن دعوة المظلوم مستجابة. وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين. أفتاركهم أنا لاأبا لك ؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام. والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا.(أخرجه في الجهاد والسير، باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم، حديث 3059).
هذه التوجيهات من عمر رضي الله عنه لعامله على الحمى بالحدب على الناس وعدم ظلمهم، وبتقديم فقيرهم في الاستفادة من ذلك الحمى... تبين ما كان عليه الخليفة الثاني رضي الله عنه من شفقة ورحمة للمسلمين، وحرص على سلامة أموالهم ومتاعهم.
ومما أثر عنه رضي الله عنه أيضا أنه لم يكن يكتفي بمحاسبة عماله فقط، بل كان يقاسمهم تلك الأموال ويضع ما أخذه منهم في بيت مال المسلمين. أخرج ابن سعد في "الطبقات" عن إسحاق بن عبدالله أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة: كيف وجدت الإمارة يا أباهريرة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها. وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين، فقال: أظلمت أحدا؟ قال: لا. قال: أخذت شيئا بغير حقه؟ قال: لا. قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفا. قال:من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر. قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال.(الطبقات الكبرى، دار الفكر، بيروت.ص4/335-336).
فلم يكتف عمر رضي الله عنه بالتأكد من براءة أبي هريرة رضي الله عنه من تهمة "استعمال النفوذ " أو "الاغتناء غير المشروع" أو "تلقي رشاوي " ... عبر الأسئلة:
- "أظلمت أحدا؟ "،
- "أخذت شيئا بغير حقه؟ "،
- "من أين أصبتها؟" (أي العشرين ألفا)...، بل أخذ منه ما فضل على رأس ماله، وأودعه في "خزينة الدولة "(بيت مال المسلمين).
هذا المبدأ: "من أين لك هذا؟ " سمعناه مرارا يتكرر على ألسنة بعض ممن ينتسبون لحزب مغربي يقال لنا أنه تأسس " سلفيا " إ فكنا نسمع- ونحن صغار- كلاما من بعضهم إذا ما ووجه بتساؤلات المواطنين أو خصومهم السياسيين ضحكا على ذقون أولئك المواطنين بالقول: "لنطبق: من أين لك هذا؟ " ، وما طبق المبدأ ولو مرة واحدة ضد من اغتنى- بين عشية وضحاها- من أبناء الحزب إإ
أما الآن، فلا تكاد تسمع ذكرا لهذا المبدإ، خاصة وأن من أعضاء الحزب، بل وقيادييه، من ينتظر المواطنون توضيحات حول كلام قيل عنه. وأسوق ذلك الكلام، على سبيل المثال لا الحصر:
-[وحزب الاستقلال الذي يستعد ممثله في فاس، العمدة شباط، للاستيلاء على «نقابة الأندلسي»، لم يسأل قط عمدته من أين له كل هذا النعيم الذي يغرق في خيره. مع العلم أن الجميع في حزب الاستقلال يعلم تاريخ الرجل، والحالة التي نزل بها من جبال «البرانس» إلى فاس أول مرة.وإذا كان حزب الاستقلال لا يسأل «مناضليه» من أين لهم هذا، فكيف يسمح لنفسه بمطالبة الآخرين بذلك. وقد كان على عباس أن يسأل على الأقل عبد الحق التازي، رئيس فريق التعادلية في مجلس المستشارين لماذا يتهرب من دفع الضرائب التي تراكمت عليه، إلى الحد الذي جعل مدير الضرائب بنسودة يصدر قرارا بالحجز على راتبه في مجلس المستشارين.في الأحزاب الديمقراطية التي تحترم نفسها يعتبر التهرب الضريبي لأحد مناضليها جريمة يستحق عليها الفصل من الحزب وتقديم الاستقالة من العمل السياسي. فما بالك بمناضل حزبي يتهرب من دفع ضرائبه يقود فريقا للمستشارين في الغرفة الثانية، ويستعد لترشيح نفسه لرئاسة هذه الغرفة. أليست هذه أم المهازل.مهازل حزب الاستقلال لا تتوقف عند تهرب أعضائه من دفع الضرائب، بل تتعداه إلى متابعة بعض أعضائه بتهمة تبديد المال العام. وما كدنا ننسى متابعة المستشار الاستقلالي يوسف التازي، ابن عبد الحق التازي، بتهمة تبديد المال العام في الملف الذي يتابع فيه «المجاهد» (في المال العام) عبد الرزاق أفيلال، حتى رأينا كيف قرر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بمكناس متابعة رئيس المجلس البلدي لكلميمة، الاستقلالي إدريس عماني، بتهمة تبديد المال العام هو الآخر.نتمنى فقط أن لا يتقدم دفاع رئيس المجلس البلدي بملف طبي هو أيضا، مثلما صنع «المجاهد» أفيلال، يبين فيه بالسكانير الدامغ والأشعة القاطعة أنه يعاني من مشاكل نفسية تجعل متابعته أمام القضاء أمرا متعذرا. وما ذلك على حزب الاستقلال، الذي توجد وزارة الصحة بين يديه، بعزيز](جريدة المساء عدد682/الجمعة 28-11-2008، مقال لرشيد نيني بعنوان: " بيناتهم" ).
يقول الإمام الباجي رحمه الله في شرحه للموطإ:
[قوله" أنه شرب لبنا فأعجبه " يريد استطابه، فسأل من سقاه إياه، فذكر أنه من نعم الصدقة، وأنه أخذه بغير عوض، فأدخل عمر يده فاستقاءه.
ووجه ذلك أن اللبن كان من الصدقات، ولعلها لم تبلغ محلها، لأنه يحتمل أن يكون هذا اللبن أعطي لمن ليس من أصناف الصدقة مثل أن يكون غنيا أو مملوكا، فلذلك استقاءه عمر رضي الله عنه، وإنما استقاءه لئلا ينتفع به، وهو لا يستديم لذاته ولا يسوغ نفسه لذة أصلها محظورة، وإن لم يأتها قصدا، وهذا نهاية في الورع والتوقي ](المنتقى للباجي، تحقيق محمد عبدالقادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1/1420-1999 ص3/246).
إن هذا نموذج لمراجعة عمر رضي الله عنه لما صدر عنه قبل أن يراجع غيره فيما فعله، ومن ذلك أيضا أنه حمى بعض الأراضي لإبل الصدقة التي كان ينتفع بها فقراء المسلمين في أغراض مختلفة، وذكر [أن عدة ماكان في الحمى في عهد عمر بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل وغيرها ](ابن حجر رحمه الله، فتح الباري، دار الكتب العلمية- بيروت.ط/1410-1989 ص6/218).
وقد أوكل عمر رضي الله عنه مهمة الإشراف على ذلك الحمى لأحد مواليه يدعى هنيا- بضم الهاء- و[كان من الفضلاء النبهاء الموثوق بهم ]كما قال ابن حجر رحمه الله(نفسه 6/217)، ووجهه الخليفة رضي الله عنه إلى السماح لأصحاب الإبل والغنم القليلة(الصريمة والغنيمة كما جاء في الرواية) بالرعي في الحمى وتقديمهم على الأغنياء أصحاب الإبل والغنم الكثيرة، كعثمان بن عفان وعبدالرحمان بن عوف رضي الله عنهما. أخرج البخاري عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى فقال: يا هني، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المسلمين فإن دعوة المظلوم مستجابة. وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين. أفتاركهم أنا لاأبا لك ؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام. والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا.(أخرجه في الجهاد والسير، باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم، حديث 3059).
هذه التوجيهات من عمر رضي الله عنه لعامله على الحمى بالحدب على الناس وعدم ظلمهم، وبتقديم فقيرهم في الاستفادة من ذلك الحمى... تبين ما كان عليه الخليفة الثاني رضي الله عنه من شفقة ورحمة للمسلمين، وحرص على سلامة أموالهم ومتاعهم.
ومما أثر عنه رضي الله عنه أيضا أنه لم يكن يكتفي بمحاسبة عماله فقط، بل كان يقاسمهم تلك الأموال ويضع ما أخذه منهم في بيت مال المسلمين. أخرج ابن سعد في "الطبقات" عن إسحاق بن عبدالله أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة: كيف وجدت الإمارة يا أباهريرة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها. وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين، فقال: أظلمت أحدا؟ قال: لا. قال: أخذت شيئا بغير حقه؟ قال: لا. قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفا. قال:من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر. قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال.(الطبقات الكبرى، دار الفكر، بيروت.ص4/335-336).
فلم يكتف عمر رضي الله عنه بالتأكد من براءة أبي هريرة رضي الله عنه من تهمة "استعمال النفوذ " أو "الاغتناء غير المشروع" أو "تلقي رشاوي " ... عبر الأسئلة:
- "أظلمت أحدا؟ "،
- "أخذت شيئا بغير حقه؟ "،
- "من أين أصبتها؟" (أي العشرين ألفا)...، بل أخذ منه ما فضل على رأس ماله، وأودعه في "خزينة الدولة "(بيت مال المسلمين).
هذا المبدأ: "من أين لك هذا؟ " سمعناه مرارا يتكرر على ألسنة بعض ممن ينتسبون لحزب مغربي يقال لنا أنه تأسس " سلفيا " إ فكنا نسمع- ونحن صغار- كلاما من بعضهم إذا ما ووجه بتساؤلات المواطنين أو خصومهم السياسيين ضحكا على ذقون أولئك المواطنين بالقول: "لنطبق: من أين لك هذا؟ " ، وما طبق المبدأ ولو مرة واحدة ضد من اغتنى- بين عشية وضحاها- من أبناء الحزب إإ
أما الآن، فلا تكاد تسمع ذكرا لهذا المبدإ، خاصة وأن من أعضاء الحزب، بل وقيادييه، من ينتظر المواطنون توضيحات حول كلام قيل عنه. وأسوق ذلك الكلام، على سبيل المثال لا الحصر:
-[وحزب الاستقلال الذي يستعد ممثله في فاس، العمدة شباط، للاستيلاء على «نقابة الأندلسي»، لم يسأل قط عمدته من أين له كل هذا النعيم الذي يغرق في خيره. مع العلم أن الجميع في حزب الاستقلال يعلم تاريخ الرجل، والحالة التي نزل بها من جبال «البرانس» إلى فاس أول مرة.وإذا كان حزب الاستقلال لا يسأل «مناضليه» من أين لهم هذا، فكيف يسمح لنفسه بمطالبة الآخرين بذلك. وقد كان على عباس أن يسأل على الأقل عبد الحق التازي، رئيس فريق التعادلية في مجلس المستشارين لماذا يتهرب من دفع الضرائب التي تراكمت عليه، إلى الحد الذي جعل مدير الضرائب بنسودة يصدر قرارا بالحجز على راتبه في مجلس المستشارين.في الأحزاب الديمقراطية التي تحترم نفسها يعتبر التهرب الضريبي لأحد مناضليها جريمة يستحق عليها الفصل من الحزب وتقديم الاستقالة من العمل السياسي. فما بالك بمناضل حزبي يتهرب من دفع ضرائبه يقود فريقا للمستشارين في الغرفة الثانية، ويستعد لترشيح نفسه لرئاسة هذه الغرفة. أليست هذه أم المهازل.مهازل حزب الاستقلال لا تتوقف عند تهرب أعضائه من دفع الضرائب، بل تتعداه إلى متابعة بعض أعضائه بتهمة تبديد المال العام. وما كدنا ننسى متابعة المستشار الاستقلالي يوسف التازي، ابن عبد الحق التازي، بتهمة تبديد المال العام في الملف الذي يتابع فيه «المجاهد» (في المال العام) عبد الرزاق أفيلال، حتى رأينا كيف قرر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بمكناس متابعة رئيس المجلس البلدي لكلميمة، الاستقلالي إدريس عماني، بتهمة تبديد المال العام هو الآخر.نتمنى فقط أن لا يتقدم دفاع رئيس المجلس البلدي بملف طبي هو أيضا، مثلما صنع «المجاهد» أفيلال، يبين فيه بالسكانير الدامغ والأشعة القاطعة أنه يعاني من مشاكل نفسية تجعل متابعته أمام القضاء أمرا متعذرا. وما ذلك على حزب الاستقلال، الذي توجد وزارة الصحة بين يديه، بعزيز](جريدة المساء عدد682/الجمعة 28-11-2008، مقال لرشيد نيني بعنوان: " بيناتهم" ).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق