من أخطاء بعض أبناء الحركة الإسلامية
أ-نصوص موجهة:
*- [...وهكذا لايسوغ أن يقول : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لما لايعلم صحته ولا ثقة رواته، بل إذا رأى أي حديث كان في أي كتاب يقول:"لقوله صلى الله عليه وسلم" أ "لنا قوله صلى الله عليه وسلم". وهذا خطر عظيم، وشهادة على الرسول صلى الله عليه وسلم بما لايعلم الشاهد](1).
*- [ اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إمقرونا ببيان وضعه...](2).
*- [إن المصلحة بحد ذاتها ليست دليلا مستقلا من الأدلة الشرعية شأنها كالكتاب والسنة والإجماع والقياس حتى يصح بناء الأحكام الجزئية عليها وحدها كما قد يتصورها أي باحث. وإنما هي معنى كلي
استخلص من مجموع جزئيات الأحكام المأخوذة من أدلتها الشرعية(...).ولما كان الكلي لايتقوم إلا بجزئياته، فقد كان لابد لاعتبار حقيقة المصلحة في أمر ما، من أن يدعمه دليل من الأدلة الشرعية التفصيلية، أو أن يدعم بفقد ما يخالفه على الأقل(...). من أجل هذا كان لابد لاعتبار المصلحة في التشريع من تقييدها بضوابط تحدد معناها الكلي من ناحية، وتربطها بالأدلة التفصيلية للأحكام من ناحية أخرى، حتى يتم التطابق بذلك بين الكلي وجزئياته ](3).
*- [...يفهم من التعريف الذي وضعناه للضرورة أنه لابد من تحقق ضوابط لها أو شروط فيها، حتى يصح الأخذ بحكمها وتخطي القواعد العامة في التحريم والإيجاب بسببها، وحينئذ يتبين أنه ليس كل من ادعى وجود الضرورة يسلم له ادعاؤه أو يباح فعله](4).
ب- لماذا التصدير بتلك النصوص؟
تسعى الحركة الإسلامية أينما وجدت إلى تكوين مجتمع إسلامي . وهدف كبير مثل هذا يستدعي- من ضمن ما يستدعيه- أن يتمثل أبناء الحركة الإسلامية ما يدعون إليه.لقد وصف الله سبحانه الجماعة المسلمة في مكة، أي قبل أن تتكون الدولة الإسلامية، بأوصاف منها ما جاء في قوله تعالى:"...وأمرهم شورى بينهم"(الشورى:38).وإن ذكر تلك الأوصاف" في سورة مكية وقبل ان تكون القيادة العملية في يدها فعلا جديرا بالتأمل. فهي الصفات التي يجب أن تقوم أولا، وأن تتحقق في الجماعة لكي تصبح بها صالحة للقيادة العملية..."(5).
إن النصوص السابقة تحدد محترزات في التعامل مع بعض القضايا الشرعية. لكن على الرغم من ذلك يمكن للمتابع لبعض كتابات الحركة الإسلامية الصادرة عنها، أو لبعض ممارسات أبنائها، أن يلحظ بعض التجاوز لمقتضيات النصوص المصدرة لهذا الموضوع. ومن ذلك:
*- من الأحاديث التي تتردد كثيرا في بعض منشورات الحركة الإسلامية هناك مثلا:
1- حديث :"اطلبوا العلم ولو بالصين" وهو باطل(6).
2- حديث:"من اصبح لايهتم بأمور المسلمين فليس منهم"، وهو إما ضعيف جدا أو موضوع(7).
3- حديث:"من استوى يوماه أمسى مغبونا" وهو ضعيف(8).
4- حديث:"الساكت عن الحق شيطان أخرس"، وهو لايعرف له سند(9).
5- حديث:"صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء ولأمراء" وهو موضوع(10)...
والأحاديث من هذا القبيل - والدائرة على ألسنة أبناء الحركة الإسلامية- كثيرة، اكتفيت بماسبق تمثيلا لها وتنبيها عليها، والله الموفق للصواب
*من أبناء الحركة الإسلامية من يحتج بالضرورة أو المصلحة الشرعيتين في كل الأحوال، حتى تلك التي تخالطها شبهة ربا أو محرم آخر. إن الاقتراض مثلا من المؤسسات الربوية قصد الحصول على مسكن أو تجهيزه بالأثاث الفاخر أو شراء سيارة...باسم مصلحة موهومة أو ضرورة غير متيقنة يعد من الأمور الشائعة لدى بعض أبناء الحركة الإسلامية. وقد يقدم البعض بين يديه القاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات" أو كلمة ابن قيم الجوزية- رحمه الله- التي تتضمن أن الشريعة " مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العبا د في المعا ش والمعا د"(11)، مع أن :
1- للمصلحة، كي تكون شرعية، ضوابط لابد أن تنضبط لها. تلك الضوابط التي فصل فيها د.البوطي في كتابه القيم:"ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية" ، وهي على الإجمال :
- اندراجها، أي المصلحة، في مقاصد الشرع.
- عدم معا رضتها للكتاب والسنة والقياس.
- عدم تفويتها مصلحة أهم منها.
2- معنى الضرورة"هو أن الإنسان لو امتنع عن الإقتراض بفائدة لأدى ذلك إلى هلاك النفس أو للوقوع في ضرر محقق. أو بعبارة أخرى: هي التي من شأنها أن تبيح الميتة أو الدم ونحوهما"(12).
ولعل أخطر ما ’يخشى أن يتدرج الأمر بالبعض إلى الانحراف في المواقف بمجاراة الناس ومداهنتهم في أفعا لهم المحرمة ، أو الوقوف إلى جانب الظالمين و مدحهم- على الرغم من ظلمهم للناس ونشرهم للباطل...تحت مسمى مصلحة النفس أو الدعوة، أو مسمى الضرورة القا هرة. وهو انحراف لايغير من حقيقته نعت البعض له بالمصلحة أو الضرورة، والبعض الآخر(ممن لايستند للمرجعية الإسلامية) بالاعتدال والتسامح والاستنارة...وغير ذلك.
إن الأمر يتطلب، في نظري، فقها في رعاية المصالح واعتبار الضرورات، بل التسلح بالعلم الشرعي في مواجهة الممارسات اليومية، لا الخضوع لضغوط الواقع المعيش وتسويغ مواضعات المجتمع ب"المبررات الشرعية". وإلا فمن حق السائل أن يسأل: كيف يمكن للحركة الإسلامية أن تتقدم إلى الناس بما تعتقد أنه صحيح، وبضاعة مجموعة من أبنائها من الحديث مزجاة، والأرضية الشرعية- المرتكز عليها في بعض القضايا- تستجيب لإكراهات الواقع المعيش التي تضا د الأحكام الشرعية؟
يمكن القول إذن أن ترشيد تصرفات أبناء الحركة الإسلامية بالشرع، وضبط معاملاتهم بالهدي النبوي يعدان من الأمور التي لاغنى عنها لأي مسلم، بله ابن الدعوة،كي يتهيأ للعمل الإخلاص والصواب. روي عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة"(13).
الهوامش:
1- ابن القيم رحمه الله، أحكام أهل الذمة، ص1/20.
2- مقدمة ابن الصلاح ،ص77.
3- د.البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ص115-116.
4- د.وهبة الزحيلي، نظرية الضرورة الشرعية...ص68.
5- سيد قطب رحمه الله، في ظلال القرآن، ص5/3161.
6- في سنده الحسن بن عطية الكوفي عن أبي عاتكة طريف بن سليمان عن أنس مرفوعا.قال عنه ابن الجوزي:
"هذاحديث لايصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الحسن بن عطية فضعفه أبو حاتم الرازي .وأما أبوعاتكة فقال البخاري: منكر الحديث.قال ابن حبان: وهذا الحديث باطل لاأصل له."(ابن الجوزي رحمه الله، الموضوعات، ص1/216).
وفي "ميزان الاعتدال" أن "طريف بن سلمان أبو عاتكة عن أنس، قال أبو حاتم: ذاهب الحديث.وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: ضعيف"(الميزان للذهبي، ص2/335).
واستنادا لما سبق، جزم الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة(ص1/600) أن الحديث باطل.
7- ذكره الشيخ الألباني في الضعيفة(309)، ثم قال بأنه"موضوع" وذكر له طرقا أخرى لاتخلو من كذاب أو ضعيف. ثمأورد الشيخ الألباني الحديث بطرق وروايات أخرى، وكلها إما ضعيفة جدا أو موضوعة(ينظر السلسلة الضعيفة، خاصة الأحاديث الضعيفة 309و310و311و312)
8- ضعفه السيوطي رحمه الله في "الدرر المنتثرة"(ص180)، وذكره العجلوني في "كشف الخفا" تاما هكذا:"من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرا فهو ملعون، ومن لم يكن على الزيادة فهو في النقصان، ومن كان في النقصان فالموت خير له، ومن اشتاق إلى الجنة سارع في الخيرات، ومن أشفق من النار لها عن الشهوات، ومن ترقب الموت هانت عليه اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات" ثم قال: "رواه الديلمي بسند ضعيف عن علي مرفوعا. وفي الموضوعات الكبرى للقاري بلفظ: "من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون".ثم قال:"لايعرف إلا في منام ابن رواد".
وقال العراقي في تخريجه: لاأعلم هذا إلا في منام لعبدالعزيز بن أبي رواد قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أوصني.فقال ذلك بزيادة في آخره، والزيادة هي: ومن لم يكن على الزيادة فهو في النقصان.(كشف الخفا للعجلوني ص2/233).
9- لم أجده إلى الآن في أي مصدر . وقد وجدت أخيرا كلاما حوله في موقع"صيد الفوائد"، يتضمن جوابا عن السؤال:"الساكت عن الحق شيطام أخرس"هل هو حديث نبوي؟ وذكر فيه ما يلي:
(يجيب عن هذا السؤال محمد عمرو عبداللطيف في كتابه"تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة"- القسم الثاني ص71- بقوله: "لم أقف له على أصل صحيح ولا ضعيف عن الصحابة أوالتابعين ومتقدمي السلف رضوان الله عليهم، ولا رأيت أحدا من المصنفين في الأحاديث المشهورة تعرض له بنفي أو إثبات، على الرغم مناشتهاره جدا في أيامنا هذه..."). ينظر في الموقع المذكور:saaid.net/Doat/Zugail/30.htm )).
10- في سنده- كما في "الحلية"(4/96)- عمر بن يحيى عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعا. وآفته محمد بن زياد اليشكري الميموني "قال أحمد: كذاب خبيث يضع الحديث. وقال الدارقطني: كذاب"(المغني للذهبي ص2/581). ويذكر يحيى بن معين رحمه الله أنه كان ببغداد قوم كذابون يضعون الحديث منهم محمد بن زياد، كان يضع الحديث...وقال أبو زرعة: كان يكذب..."(تهذيب التهذيب لابن حجر رحمه الله،ص 9/171). ولذلك فالحديث موضوع.
11 - ابن القيم رحمه الله ، أعلام الموقعين، ص3/3.
12- د.وهبة الزحيلي، مرجع سابق، ص236.
13 - ابن القيم، مرجع سابق، ص2/181. المصادر والمراجع: 1 - أحكام أهل الذمة، ابن قيم الجوزية رحمه الله، تحقيق د.صبحي الصالح. دار العلم للملايين بيروت.ط2/1401-1981 . 2 - أعلام الموقعين عن رب العالمين، طبعة دار الجيل،بيروت.3 3 - تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبعة دائرة المعارف النظامية- الهند.ط1/1326.
4 - الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، تحقيق محمد بن لطفي الصباغ، نشر جامعة الملك سعودالرياض.طبعة 1403/1983.
5 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة ، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله ، مكتبة المعارف- الرياض.ط1/1412- 1992 6 - ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، مؤسسة الرسالة- بيروت.ط4/1402- 1982. 7- في ظلال القرآن، سيد قطب رحمه الله، دار الشروق. ط3/1397- 1977.
8 - كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألستة الناس، إسماعيل بن محمد العجلوني ،دار إحياء التراث العربي- بيروت.ط3/1352 9 - المغني في الضعفاء، للإمام الذهبي، تحقيق نور الدين عتر.
10- مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، تعليق صلاح محمد عويضة، دار الكتب العلمية- بيروت.ط1/1418- 1995.
11- الموضوعات، ابن الجوزي رحمه الله، تحقيق عبد الرحمان محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.ط1/1386- 1966.
12- ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، الإمام الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة- بيروت.
13- نظرية الضرورة الشرعية مقارنة مع القانون الوضعي، مؤسسة الرسالة- بيروت.ط4/1405- 1985.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق