الأربعاء، 4 فبراير 2009

التربية على حقوق الإنسان في الإسلام

من إعداد: الأستاذ حسن لمعنقش
ملاحظة منهجية:
في موضوع التربية على حقوق الإنسان في الإسلام سوف لن يتم الكلام عن حقوق الإنسان ـ كما هي في دين الله سبحانه ـ حقا حقا، مثلما هو الأمر عند تناول هذا الجانب. و إنما سيتم التركيز على الجوانب التي يربي بها الإسلام الفرد المسلم على احترام تلك الحقوق. و بمعنى آخر سوف لن نتساءل – مثلا – عن المراد بحق المساواة في الإسلام، و ما حرمه دين الله مما يفرق أو يميز بين الناس، و المناحي التي تشملها المساواة في الإسلام و فيم يكون التفاضل... بل سيقوم التساؤل حول الطريق التي يرسمها دين الله سبحانه لجعل الالتزام بالمساواة ـ كما يريدها سبحانه و تعالى ـ بين بني البشر و عدم الإخلال بها سلوكا لدى المسلم يحياه في خاصة نفسه و مع غيره. فإذا ما اتضح هذا أمكن طرده في باقي الحقوق و الواجبات.
I- توطــئـة:
لعله أصبح من بديهيات الأفكار أنه لا يمكن فصل مفهوم حقوق الإنسان عن المدار الحضاري الذي يدور فيه. من هنا تطرح الخصوصية نفسها بإلحاح، على الرغم من محاولة البعض الإعراض عن تلك الخصوصية بل نفيها بالادعاء أن الأخذ بها ممارسة للإقصاء مثلا. أو بالزعم أن مفهوم حقوق الإنسان ـ الغربي تحديدا ـ مفهوم كوني، إذ الواقع يثبت يوما عن يوم أن القيم التي يعبر عنها مفهوم حقوق الإنسان الذي يراد تعميمه اليوم، ليست قيما كونية و لا تعبر عن خصوصيات شعوب العالم، بقدر مـا هـي قيم غربية، و بالتحديد أمريكية، يراد لها أن تصبح عالمية. و الحال أن المطلوب أن تكون ملتقى خصوصيات. لا تعبيرا عن الخصوصية الأمريكية.
توضيح ما سبق أننا حين ننقب في تاريخ الفكر نجد أن الفكر اليوناني أبدع القانون الأخلاقي الصادر عن إرادة الآلهة (1). هذا القانون الأخلاقي بلور القانون الروماني ـ انطلاقا منه ـ ما عرف باسم القانون الطبيعي الذي يعني وجود قانون كامن في طبيعة الأشياء و يتوصل إليه عقل الإنسان، و باعتبار الفكر الأوربي الوريث الطبيعي للفكرين اليوناني و الروماني، فقد عرفت فكرة القانون الطبيعي طريقها إلى أوربا في القرن الثالث عشر الميلادي. وقد استمد منها المفكرون الغربيون، خاصـة منهـم الإنجليـزي جون لوك
1- زهدي يكن، تاريخ القانون، ص 233.
(1632-1706)، فكرة الحق الطبيعي و بما أن العقل يستقل بالتوصل إلى معرفة ذلك القانون، فكذلك هو كفيل باستخلاص و استنباط التشريعات التي تصون ذلك الحق الطبيعي بل الحقوق الطبيعية.
هذه الفكرة شكلت الأساس الذي بنى عليه مجموعة من المفكرين ـ خاصة الفرنسييـن أمثـال فولتير و مونتسكيو و روسو ـ أبنية نظرية لتقرير حقوق أصلية و طبيعية للأفراد ( نظرية العقد الاجتماعي مثلا)
و هكذا يمكن القول بأنه تم اعتبار الطبيعة ـ لا الدين ـ مرجعا أساسيا في تفسير مسيرة الحياة الاجتماعية و السياسية بالغرب. بمعنى آخر، إن فكرة وجود قوانين إلهية تحدد للإنسان حقوقه قد تم استبعادها و إقصاؤها نهائيا منذ القرن السابع عشر.
كذلك فإن الإنسان الغربي أصبح، مع تلاحق الأحداث السياسيـة و الاجتمـاعية، وحـدة قائمة بذاتها، تمتلك تصورا فرديا نفعيا يركز على حقوق تلك الوحدة في مواجهة السلطة السياسية القائمة. من هنا ارتبطت فكرة الحقوق الطبيعية بفكرة الحرية الفردية.
و بما أن الغرب كان يعرف ـ في القرن الثامن عشر الميلادي، بل قبله بمـدة ـ غليـانا اجتماعيـا و سياسيا أدى إلى تركيز العلمانية السياسية أسلوبا للحكم، فإن فكرة الحقوق الطبيعية للإنسان، خاصة في مستوى الحكم و الدولة، سوف تصطبغ بصبغة هذا المعطى العلماني. و هكذا جاءت الأحداث التي ركزت على مفهوم حقوق الإنسان في الغرب تتضح بالظلال و الألوان التي أنتجها المسار الغربي في هذا المجال:
- في 04 يوليوز 1776، صدر إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكيـة، مستهـلا بهذه العبارة: إننا نعتبر هذه الحقائق بديهية، و هي أن الناس جميعا قد خلقوا متساوين، و أن خالقهم منحهم حقوقا ثابتة لا تقبل التحويل أو التبديل، و أن من بينها الحياة و الحرية و نشدان السعادة (1).
- و في سنة 1791 أقرت الجمعية التأسيسية بفرنسا وثيقة حقوق الإنسان التي وضعها إمانويل جوزيف سييس ( 1748-1836 Emmanuel Joseph Sieyès) إبان الثورة الفرنسية التي بدأت أحداثها سنة 1789، و قد جاء في مادة هذه الوثيقة أو الإعلان الأولى: يولد الناس و يعيشون أحرارا متساوين في الحقوق، و الفوارق الاجتماعية لا يمكن أن تبنى إلا على أساس المنفعة المشتركة(2).
و قد تم تدويل هذه الحقوق كما جاءت في الإعلانين: إعلان استقلال الولايات المتحدة و إعلان الثورة الفرنسية بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية و ذلك بإقرار الأمم المتحدة في العاشر من دجنبر 1948 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جاء في مقدمته ما يلي: لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، و من حقوق متساوية و ثابتة، يشكل أساس الحرية و العدل و السلام في العالم ... فإن الجمعية العامة تنشر على الملإ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب و كافة الأمم... (3) .


1- عن كتيب هذه هي أمريكا نشر و توزيع وكالة الإعلام الأمريكية. و الكلام في المتن موجود على ظهر الغلاف.
2-حسين جميل، حقوق الإنسان في الوطـن العـربي، مـركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة الثقافة القومية، الإصدار رقم 01، فبراير 1986 ص 18.
3- عن: المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، منشورات الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان، المغرب. ط 1988 ص 11/12.
إن كل ما سبق كان ضروريا لاستخلاص ما يلي:
أولا: إن فكرة حقوق الإنسان بالشكل الذي تسود به الآن في العالم هي تصور غربي الأخذ به أخذ بالنزعة المركزية الأوربية التي تعني تميز النموذج الغربـي للحضـارة و الثقافة و تفرده و اعتبار كل ما عداه صورا بدائية و متوحشة و غير قابلة للاستمرار، ليس أمامها إزاء النموذج الأوحد إلا الاندثار أو المشاكلة (1).
ثانيا: إنه من المستحيل عزل فكرة حقوق الإنسان بمعناها الغربـي عن سياقها التاريخي و العقدي و التشريعي الغربي، ذلك السياق الذي يعتبر فصل الدين عن واقع الحياة فيه ـ أي العلمانية ـ مقوما أساسيا من مقوماته. فليست هناك، بالتالي، قوانين و لا تحديدات ولا حقوق تفرض من الأعلى، بل كل القوانين و كل الحقوق و التحديدات يتم إرجاعها إلى الطبيعة لكي يتم الارتكاز في النهاية على العقل فيها. و لعل هذا الارتكاز قد يؤدي إلى ارتكاس في هذه الحقوق و القوانين و ذلك بقيام حركة عقلية أو فكرية تدلل على استحالة وجود حقوق طبيعية ثابتة. ألم يبرر ماركس ـ و إنجلز أيضا ـ استعمار الهند و المكسيك مثلا بالعقل ؟ (2).
و استنادا لما سبق، يمكن القول بأن تحديد تصور شمولي و صحيح لحقوق الإنسان مرتبط بالتفسير الموضوعي الواقعي الصحيح لمفهوم الإنسان بصفة عامة. فالإنسان لدى الغربيين هو الإنسان الأبيض الأوربي أو الأمريكي و هذا المعنى للإنسان أدى مثلا إلى تجزئ مفهوم العدل أو نسبيته (3). و هكذا غدا الاعتداء على غير الرجل الأبيض ( الأوربي أو الأمريكي) و هضم حقوقه أمرا مبررا أو مشروعا، في حين أن العدل في الإسلام حق إنساني مشترك لا يجوز تجزيئه لاختلاف دين أو لغة أو لون أو عنصر... فهو مفهوم شمولي لكل الناس. يقول تعالى:« يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، و إن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا» ( النساء 135). و يقول سبحانه: « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، و لا يجر منكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، و اتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون» ( المائدة 8).

1- أحميدة النيفر، حقوق الإنسان في الإسلام: من الإسقاط إلى الذاتية مقال بمجلة العالم اللندنية، عدد 150 ( حلقة 02)، 27 دجنبر 1986.
2-يقول ماركس عن استعمار انجلترا للهند: ... مهما تكن الجرائم التي قد تكون انجلترا ارتكبتها، فإنها الأداة غير الواعية للتاريخ في إنجاز هذه الثورة ( يقصد الثورة الجذرية لتمدين الشعب الهندي)عن: أدوارد سعيد، الاستشراق – المعرفة- السلطة- الإنشاء. ترجمة كمال أبو ديب/ مؤسسة الأبحاث العربية بيروت ط 2/1984 ص 170/171.
و يقول عبد الله ساعف عن ماركس انه : حيا استعمار إفريقيا الشمالية باعتباره عملا حضاريا جليلا من كتاب كتابات ماركسية حول المغرب إعداد و تعليق عبد الله ساعف، دار توبقال للنشر، ط 1/ 1984 ص 29.
و كتب انجلز بخصوص المكسيك: و في أمريكا شهدنا غزو المكسيك، و إن هذا لما يثلج فؤادنا... فمن مصلحة نموه مستقبلا أن ينتقل إلى وصاية الولايات المتحدة ( نفسه ص 37 هامش 89).
3- هذا باعتبار ارتباط حقوق الإنسان بعدة مفاهيم كالعدل و الحرية و المساواة و غيرها.
لذلك فمفهوم حقوق الإنسان في الإسلام مفهوم شامل غير مرتبط بقوم معينين أو بتاريخهم أو بفضائهم المعرفي كما هو الحال في الفكر الغربي، و ذلك لسبب بسيط هو أن مصدر هذه الحقوق هي شريعة رب العالمين، و هي عدل كلها و رحمة كلها كما يقول ابن القيم رحمه الله. و بما أن منهج هذه الشريعة من الله عز وجل، فهو منهج قائم على العدل المطلق، أولا: لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق و كيف يتحقق، و ثانيا: لأنه سبحانه رب الجميع، فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع… (1)
لكن كيف يربي الإسلام المرء على احترام حقوق الإنسان؟
II- التربية على حقوق الإنسان في الإسلام:
يمكن تناول ذلك من خلال الجوانب التالية:
1- لقد كرم الله الإنسان و فضله على سائر المخلوقات:
« و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» ( الإسراء70).
و من دواعي تكريم الجنس البشري ألا تفاضل إلا على أساس منطقي و معقول و هو التقوى في دين الله: لا فضل لعربي على عجمي، و لا لعجمي على عربي، و لا أسود على أبيض و لا أبيض على أسود إلا بالتقوى. كلكم لآدم و آدم من تراب (2) و التقوى ضمان لحقوق الغير: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: المسلم أخ المسلم لا يظلمه و لا يخدله و لا يكذبه و لا يحقره التقوى هاهنا و يشير إلى صدره ثلاث مرات...(3)
إن مبدأ الكرامة الإنسانية هو أصل الحقوق و الحريات للإنسان الفرد، لأنها مظهر شخصيته المعنوية و امتدادها في المجتمع السياسي، ثم لم يجتزئ القرآن الكريم بتأصيل هذا المبـدإ مفهومـا كليا نظريا، بل تراه يثير في الإنسان شعوره بكرامته، و يشرع من الأحكام العملية التفصيلية التي تتعلق بكافة شؤون الحياة ما يجعل تحقيق هذا المبدإ النظري أو المفهوم الكلي أمرا واقعا... (4).
2- عمل الإسلام على تركيز سلطة الإيمان بالله وحده، و إيجاب طاعتـه علـى طاعة ما سواه. هذا
التوحيد يكسب المؤمن به كرامة تخول له التمتع بحقوق عديدة كما سبق.
إضافة إلى ذلك، فإن الخضوع لله وحده يستتبع الخضوع لأحكامه التي توجب احتـرام حقـوق الغير و العمل على صيانتها. أخرج البخاري رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلـى عليه و سلم قال: إن الله حرم عليكم دماءكم و أموالكم و أعراضكم كحرمة يومكـم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا (5) .
و أخرج أيضا عن المعرور عن أبي ذر قال: رأيت عليه بردا و على غلامه بردا، فقلت: لـو أخذت
1- سيد قطب رحمه الله، في ظلال القرآن، دار الشروق، ط 11/1985، ص 6/890.
2- أخرجه أحمد (5/411) عن أبي نضرة، و إسناده صحيح إلا أنه مرسل.
3- أخرجه مسلم.
4- د.فتحي الدريني خصائص التشريع الإسلامي في السياسة و الحكم، مؤسسة الرسالة، بيروت. ط1/1402-1982 ص 108.
5- أخرجه في الأدب، باب قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم ... هم الظالمون حديث 6043.
هذا فلبسته كانت حلة، و أعطيته ثوبا آخر. فقال: كان بيني و بين رجل كلام، و كانت أمه أعجمية، فنلت منها، فذكرني إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لي: أساببت فلانا؟ قلت: نعم. قال: أفنلت من أمه؟ قلت: نعم. قال: إنك امرؤ فيك جاهلية. قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل و ليلبسه مما يلبس، و لا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه (1)
3- يعتبر الإسلام تلك الحقوق حقوقا للبشر، و أيضا حقوقا لله تعالى لا يجـوز الإخـلال بها، و ما ذاك إلا أنه لا يوجد حق للعبد إلا و فيه حق لله تعالى (2). فكل حكم من أحكام الشريعة قائم إذا على أساس حق الله، و كل حكم متضمن في الوقت نفسه حقا للعباد، على تفاوت في مدى ظهور هذه الحقوق و اختلاف في تعلقها بالدنيا أو بالآخرة (3).
إن هذا الأمر يوجب على المرء الالتزام بتلك الحقوق و احترامها باستمرار، و إلا فالإخلال بها معاندة لحق الله سبحانه فيما أراده لعباده.
4- يوجه الإسلام الغرائز إلى تحقيق غايات سامية، و لا يدعو إلى استئصالها و القضاء عليها نهائيا:
- فالغضب مثلا غريزة إنسانية عمل الإسلام على توجيهها الوجهة السليمة التي تتحقق معها تلك الغايات السامية و النبيلة. و في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب(4). فقد يغضب الإنسان لكن لا ينبغي أن يدفعه غضبه إلى استعمال القوة ضد الناس و صرعهم.
- أما إذا كان الغضب لأمر الله الذي يعود على الناس بالنفع، فإنه محمود و مقبول: عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا. قال: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ. فقال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم المريض و الكبير و ذا الحاجة (5).
- و العصبية الجاهلية مذمومة بما أنها لوثة قوم أو نعرة جنس، و في الحديث ليس منا من دعا إلى عصبية و ليس منا من قاتل على عصبية، و ليس منا من مات على عصبية (6).
لكن العصبية مقبولة إذا كانت نصرة للحق: أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قالوا يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه (7).
1- البخاري أيضا في الأدب، باب ما ينهي عن السباب و اللعن، حديث 6050.
2- شهاب الدين القرافي رحمه الله، الفروق، طبعة الحلبي، ص 1/141.
3- د. محمد سعيد رمضـان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، بيروت. ط4/1402-1982 ص 52
4- أخرجه البخاري في الأدب، باب الحذر من الغضب، حديث 6114.
5- أخرجه أيضا في الأدب، باب ما يجوز من الغضب و الشدة لأمر الله تعالى حديث 6110.
6- أخرجه مسلم في الإمارة، حديث 1848 و 1850.
7- أخرجه البخاري في المظالم، باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما، حديث 2444

فالمطلوب إذن تصريف تلك الغرائز في خدمة أغراض الشرع من تحقيق للعدل و المساواة و الحرية و غير ذلك، لا محوها نهائيا من النفس الإنسانية.
5- يعتبر الإسلام تحقيق مصلحة الإنسان مقصدا أساسيا للتشريع، بما يعنيه ذلك الاعتبار من العمل على ضمان الحقوق الإنسانية للإنسان، بما أنها مصالح ثابتة لا تخرج عن الدوائر الثلاث الكبرى: الضروريات و الحاجيات و التحسينات. و هذه المصالح – على تفاوتها- تعتبر مفاهيم دستورية أساسية كبرى، تستقطب كافة قواعد التشريع السياسي، و أحكامه التفصيلية، المنصوصة منها، و الاجتهادية (1) .
و في دائرة الضروريات رسم الإسلام حقوقا مشروعة لخصها علماء الأمة في خمـس: مصلحة الدين، و مصلحة النفس، و مصلحة العقل، و مصلحة العرض ثم مصلحة المال. فالإسلام رفع إذن من قيمة بعض حقوق الإنسان إلى مرتبة الضروريات التي لا تستقيم حياة الإنسان إلا بها مثل حق الحياة ( مصلحة النفس)، و ارتقى ببعضها الآخر إلى مرتبة الحاجيات مثل حـرية الـرأي، إلى غير ذلك.
إن هذا الإطار الذي رسمه التشريع في النظر إلى حقوق الناس، وفق الدوائر الثلاث، هو إطار يستوعب كل حقوق الإنسان، انطلاقا من رؤية عامة للدين، لخصها ابن القيم رحمه الله في قوله. إن الشريعة مبناها و أساسها على الحكم و مصالح العباد في المعاش و المعاد، و هي عدل كلها و رحمة كلها، و مصالح كلها، و حكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، و عن الرحمة إلى ضدها، و عن المصلحة إلى المفسدة، و عن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة. و إن أدخلت فيها بالتأويل... (2).
و في هذا الإطار أيضا قد ينظر إلى استخلاص العلماء – استقراء من نصوص الشريعة – قواعد تكرس حقوق الإنسان بشكل صريح، مثل لا ضرر و لا ضرار و الضرر يزال و درء المفاسد أولى من جلب المصـالح و الاضطـرار لا يبطـل حق الغير. و الأصل براءة الذمة و البينة حجة متعدية و الإقرار حجة قاصرة و يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لـم يكن مجبـرا ... و غير ذلك من القواعد (3).
6- شرع الإسلام أحكاما تضمن تحقيق تلك الحقوق. من أمثلة ذلك:
- في حق الحياة، قال تعالى: « من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا» (المائدة 32). و قال تعالى: « و لا تقتلوا أولادكم من إملاق...» (الأنعام 151) ... و غير ذلك.
- في حق الحرية، قال عمر رضي الله عنه مثلا: متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ كما شرعت أحكام الإكراه و الاضطرار و اشترطت الحرية في التكليف...
- و في حق المساواة، قال تعالى: « إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكـم شعوبـا و قبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» ( الحجرات 13) . و مرت أحاديث في نفس المعنى.

1- د. فتحي الدريني، مرجع سابق، ص 196
2- ابن قيم الجوزية رحمه الله، أعلام الموقعين دار الجيل، بيروت. ص 3/3
3- ينظر شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد بن محمد الزرقا، حيث يورد الكثير من الأمثلة عند شرحه للقواعد، و هي أمثلة تصلح موضوع دراسة في مجال حقوق الإنسان.


- و في حق العدل، لا يجوز الظلم : يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا ... (1). و هو- أي الظلم- مرفوض حتى في حق غير المسلم: عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، و إن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما (2).
و يطول المجال إذا ذهبنا نستعرض أمثلة أخرى، غير أننا نعيد التأكيد أن ما يهمنا هنا هو التربية على حقوق الإنسان في الإسلام لا استعراض تلك الحقوق، إذ البحث في حقوق الإنسان في الإسلام يتطلب منا بيان الشريعة الإسلامية بكاملها (3) و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام، يشير إلى جملة من تلك الحقوق.
و تجدر الإشارة، أخيرا إلى أن كل جزئية في دين الله تعالى لا بد أنها شاملة قطعا حقا أو أكثر من حقوق الإنسان، إذ الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، و إنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، و هي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس وضع المشروعات (4).
و ليس في وسعنا إدراك جميع تلك المصالح و الحقوق، و حكم الله سبحانه في خلقه كثيرة، أدركنا بعضها و ستر عنا سبحانه الكثير منها. و سبحان من تنزهت أفعاله عن العبث: « ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك»( آل عمران 191).












1- جزء من حديث قدسي أخرجه مسلم في البر و الصلة. حديث 2577.
2- أخرجه البخاري في الديات، باب إثم من قتل ذميا بغير جرم، حديث 6914.
3- د. سهيل حسين الفتلاوي، حقوق الإنسان في الإسلام، دار الفكر العربي، بيروت. ط 1/2001 ص 05
4- الإمام الشاطبي رحمه الله، الموافقات في أصول الأحكام، دار الفكر، بيروت، ص 2/268.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق