ل ــ « يـــــا طبيـــــــب طــب لنفســــك»
كثير من العلمانيين يجيدون الحديث عن مجالات مختلفة من غير المجالات المتعلقة بالدين. وتحس وأنت تتابع كتاباتهم مثلا في تلك المجالات، أن هناك ـ على العموم ـ جهدا مبذولا للوصول إلى نتائج أفضل. غير أنهم يفتقرون إلى جزء بسيط جدا من ذلك الجهد إذا بحثوا أو تكلموا عن الدين وأحكامه. والمثال الذي يحضرني هو لامرأة « تقدمية» قالت مرة أن القرآن « قرر أن الرجل يرث نصيب امرأتين، لكن توجد حالات عديدة تخرج عن هذه القاعدة: للذكر مثل حظ الأنثيين». ولما طلبت منها أمثلة قالت: « إذا توفيت امرأة وتركت زوجها وأمها وأختها الشقيقة: نصيب الأخت الشقيقة 8/3، ولو كان مكانها أخ شقيق لأخذ 6/1 وهو أقل.
تركت زوجها وأمها وبنتها وبنت ابنها: تأخذ بنت الابن 13/2 من التركة، ولو كان مكانها ابن الابن لأخذ 12/1 وهو الأقل.
إذا لم يكن للشخص الميت أولاد وكان والداه الوارثين الوحيدين، فإن حصة أمه تساوي ضعف حصة أبيه، وحصة الأخت تساوي حصة الأخ، وبالتالي تلاحظ تساوي حصة الرجل والمرأة في بعض الحالات. وإذا فهمت التوصيات القرآنية بشأن الميراث في سياقها التاريخي الحضاري، فمن الممكن أن يراعى هذا في سورة (النساء 12)»1.
ولا يسع المرء، إزاء هذا الكلام، إلا أن يحمد لهذه السيدة محاولتها التمثيل لحالات « متميزة» للمرأة في الإرث، وهي المحاولة التي توفق فيها بشكل رائع د.صلاح الدين سلطان في كتابه القيم: « ميراث المرأة وقضية المساواة»، وهو الكتاب الذي يتيح لنا القول أن الكلام عن نصيب المرأة في الميراث يتطلـب أمرين:
الأول: استقراء جميع الحالات الممكنة للميراث، ودراسة نصيب المرأة فيها بمقارنتها مع مقابلها من الرجال.
الثاني: ربط أحكام الميراث في الإسلام، وضمنها نصيب المرأة، ببقية الأحكام الشرعية خاصة نفقة المرأة الواجبة على الرجل.
غير أن السيدة أوردت مثالين في العول ينطبق عليهما كلامها، ثم مثالا ثالثا كان يكفي السيدة الرجوع إلى الآية 12 من سورة النساء، ما دامت ذكرتها في جوابها، للتأكد من نصيب الوالدين فيها. والآية تقول بصـريـح العبـارة في مثـال السيـدة: «فإن لم يكن له ولـد وورثـه أبواه فـلأمه الثلـث» (النساء 12): فللأم الثلث، وما بقي ( أي 3/2) فللأب لأنه عاصب. فأين وجدت السيدة أن « حصة أمه تساوي ضعف حصة أبيه»؟ ثم ماذا تقصد بالأخ والأخت: هل هما الشقيقان أم لأب أم لأم؟
لا توضح السيدة أي شيء سوى قولها: « حصة الأخت تساوي حصة الأخ»، وهذا لا يصح إلا في حالة الكلالة ـ أي عند انعدام الأصل والفرع ـ وكان الأخ والأخت المذكوران أخوين لأم فقط.
لقد كان الأجدر بالسيدة، وقد ذكرت الآية، أن تتدبرها جيدا. وعوض أن تفعل ذلك، استهانت بها فوصفتها بأنها « توصيات» لا أحكاما قرآنية !! وراحت تتكلم، بنفس علماني مغلق، عن أسطورة « السياق التاريخي الحضاري» لتلك « التوصيات القرآنية» كما سمتها !! وكأن كتاب الله سبحانه « صدر» عقب ندوة فكرية أو مؤتمر حقوقي أو غيرهما!
رحم الله عالم الأندلس لما قال: « لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسـدون ويقدرون أنهـم يصلحـون»2. وقديما قالت العرب: « يـا طبيب طب لنفسك»
1. جريدة النشرة، من حوار بعنوان: « خديجة الصبار للنشرة: لن نكسب رهان التنمية ما دامت المرأة لم تتمكن من ممارسة إنسانيتها الكاملة» العدد 211 بتاريخ 06-12 مارس 2000
2. ابن حزم رحمه الله، الأخلاق والسير، ط 2 /1405 – 1985، دار الكتب العلمية بيروت ص 24.
كثير من العلمانيين يجيدون الحديث عن مجالات مختلفة من غير المجالات المتعلقة بالدين. وتحس وأنت تتابع كتاباتهم مثلا في تلك المجالات، أن هناك ـ على العموم ـ جهدا مبذولا للوصول إلى نتائج أفضل. غير أنهم يفتقرون إلى جزء بسيط جدا من ذلك الجهد إذا بحثوا أو تكلموا عن الدين وأحكامه. والمثال الذي يحضرني هو لامرأة « تقدمية» قالت مرة أن القرآن « قرر أن الرجل يرث نصيب امرأتين، لكن توجد حالات عديدة تخرج عن هذه القاعدة: للذكر مثل حظ الأنثيين». ولما طلبت منها أمثلة قالت: « إذا توفيت امرأة وتركت زوجها وأمها وأختها الشقيقة: نصيب الأخت الشقيقة 8/3، ولو كان مكانها أخ شقيق لأخذ 6/1 وهو أقل.
تركت زوجها وأمها وبنتها وبنت ابنها: تأخذ بنت الابن 13/2 من التركة، ولو كان مكانها ابن الابن لأخذ 12/1 وهو الأقل.
إذا لم يكن للشخص الميت أولاد وكان والداه الوارثين الوحيدين، فإن حصة أمه تساوي ضعف حصة أبيه، وحصة الأخت تساوي حصة الأخ، وبالتالي تلاحظ تساوي حصة الرجل والمرأة في بعض الحالات. وإذا فهمت التوصيات القرآنية بشأن الميراث في سياقها التاريخي الحضاري، فمن الممكن أن يراعى هذا في سورة (النساء 12)»1.
ولا يسع المرء، إزاء هذا الكلام، إلا أن يحمد لهذه السيدة محاولتها التمثيل لحالات « متميزة» للمرأة في الإرث، وهي المحاولة التي توفق فيها بشكل رائع د.صلاح الدين سلطان في كتابه القيم: « ميراث المرأة وقضية المساواة»، وهو الكتاب الذي يتيح لنا القول أن الكلام عن نصيب المرأة في الميراث يتطلـب أمرين:
الأول: استقراء جميع الحالات الممكنة للميراث، ودراسة نصيب المرأة فيها بمقارنتها مع مقابلها من الرجال.
الثاني: ربط أحكام الميراث في الإسلام، وضمنها نصيب المرأة، ببقية الأحكام الشرعية خاصة نفقة المرأة الواجبة على الرجل.
غير أن السيدة أوردت مثالين في العول ينطبق عليهما كلامها، ثم مثالا ثالثا كان يكفي السيدة الرجوع إلى الآية 12 من سورة النساء، ما دامت ذكرتها في جوابها، للتأكد من نصيب الوالدين فيها. والآية تقول بصـريـح العبـارة في مثـال السيـدة: «فإن لم يكن له ولـد وورثـه أبواه فـلأمه الثلـث» (النساء 12): فللأم الثلث، وما بقي ( أي 3/2) فللأب لأنه عاصب. فأين وجدت السيدة أن « حصة أمه تساوي ضعف حصة أبيه»؟ ثم ماذا تقصد بالأخ والأخت: هل هما الشقيقان أم لأب أم لأم؟
لا توضح السيدة أي شيء سوى قولها: « حصة الأخت تساوي حصة الأخ»، وهذا لا يصح إلا في حالة الكلالة ـ أي عند انعدام الأصل والفرع ـ وكان الأخ والأخت المذكوران أخوين لأم فقط.
لقد كان الأجدر بالسيدة، وقد ذكرت الآية، أن تتدبرها جيدا. وعوض أن تفعل ذلك، استهانت بها فوصفتها بأنها « توصيات» لا أحكاما قرآنية !! وراحت تتكلم، بنفس علماني مغلق، عن أسطورة « السياق التاريخي الحضاري» لتلك « التوصيات القرآنية» كما سمتها !! وكأن كتاب الله سبحانه « صدر» عقب ندوة فكرية أو مؤتمر حقوقي أو غيرهما!
رحم الله عالم الأندلس لما قال: « لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسـدون ويقدرون أنهـم يصلحـون»2. وقديما قالت العرب: « يـا طبيب طب لنفسك»
1. جريدة النشرة، من حوار بعنوان: « خديجة الصبار للنشرة: لن نكسب رهان التنمية ما دامت المرأة لم تتمكن من ممارسة إنسانيتها الكاملة» العدد 211 بتاريخ 06-12 مارس 2000
2. ابن حزم رحمه الله، الأخلاق والسير، ط 2 /1405 – 1985، دار الكتب العلمية بيروت ص 24.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق