الأربعاء، 4 فبراير 2009

العلم المنسي:علم العد القرآني(1).

العلم المنسي:علم العد القرآني

ملحوظة:

هذا المقال في الأصل تلخيص للجزء الأول من بحث أنجزه حول العد القرآني في الكتاب المدرسي بسلك التعليم الثانوي بالمغرب.

توطئة:
لعل مما يبرر الكلام عن هذا العلم أن هناك حدثا يتكرر كثيرا في أقسامنا بالتعليم الثانوي ببلدنا، وفيمادة التربية الإسلامية. مضمون ذلك الحدث أنه كلما ذكر تلميذ، في تعريف سورة من سور كتاب الله عزوجل، ولتكن سورة البقرة مثالا، أن عدد آياتها خمس آيات وثمانون ومائتان(285 آية)، إلا وصاح تلميذ آخر: بل العدد ست آيات وثمانون ومائتان(286آية). وغالبا ما يتدخل المدرس قائلا:كلاكما معه حق: عدد آيات سورة البقرة خمس وثمانون ومائتان في رواية حفص، وست في رواية ورش. وينهي المشكل بتوضيح مغلوط، دون أن يدري أن المسألة مسألة عد لا روايات.
إن سورة البقرة، في مثالنا، عدد آياتها خمس وثمانون ومائتا آية بالعد الحجازي (أي المكي والمدنيين الأول والثاني) وبالعد الشامي( أي الدمشقي والحمصي)، سواء قرئت السورة برواية ورش أو حفص. وهي، أي السورة، ست آيات وثمانون ومائتان بالعد الكوفي، وسبع بالبصري سواء قرأناها برواية حفص أو برواية ورش أيضا.
وإذا علمنا أن التلميذ (المغربي) لايعرف أي شيء يتعلق بوجود أعداد قرآنية مختلفة، وأن المصاحف المتداولة الآن بعضها اعتمد العد الكوفي، وهو الأكثر، وبعضها العد المدني الثاني، مما يعني أن التلاميذ قد يعتمد بعضهم على مصحف عده هو المدني الثاني، وبعضهم الآخر على مصحف عده هو الكوفي، أقول: إذا علمنا ذلك، أدركنا البلبلة الفكريةالتي يمكن أن تحدث لدى التلاميذ في هذا الموضوع. ولنتذكر أنه موضوع مرتبط بكتاب الله عز وجل. وخطورة البلبلة الفكرية هنا واضحة.
فما هو العد القرآني؟
وما هي فوائده؟
ثم ما هي الأعداد المعروفة؟
ذلك ما سيأتي الكلام عنه، وبإيجاز.
أ- التعريف بعلم العد القرآني:
علم العد، ويسمى أيضا علم الفواصل(1)، وهو علم يبحث فيه عن أحوال آيات القرآن الكريم من حيث عدد الآيات في كل سورة، وماهي رأس الآية، وما هي خاتمتها(2).
ورأس الآية هو(الفاصلة). سميت بذلك ، قيل:لأن آخرالآية فصل بينها وبين ما بعدها، وأخذا من قول الله تعالى(كتاب فصلت آياته) (فصلت03)، وقوله تعالى:(كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)(هود01)(3).
وقد اهتم التابعون، ومن بعدهم من العلماء، بعد آيات كتاب الله، وإحصاء كلماته وحروفه، كما اهتموا بأخماسه وأعشاره، وأحزابه وأجزائه، ونظائر سوره...ولذلك نما هذا العلم وترعرع مبكرا، فنجد أن المصنفات الأولى في العد كانت لأمثال: الحسن البصري وعطاء بن يسار ووكيع بن الجراح ونافع بن عبدالرحمن المدني القاريء، وعلي بن حمزة الكسائي القاريء...وغيرهم(4). لكن هذا الاهتمام كاد يمحو ذكره إهمال المعاصرين لهذا العلم، سوى بعض الجهود القليلة التي أثمرترسائل صغيرة كتبها بعض علماء الأزهر المتأخرين- رحمهم الله تعالى- علىقلتها وندرة وجودها(5).
ب- فوائد هذا العلم:
لعلم الفواصل عدة فوائد منها:
1- ارتباط بعض أحكام الصلاة بعلم الفواصل، ومن أمثلة ذلك:
*تجزيء- لإصابة السنة- قراءة آية ولو قصيرة بعد الفاتحة عند من يرى سنية تلك القراءة. جاء في رسالة ابن أبي زيد القيرواني- رحمه الله- عن السورة التي تقرأ بعد الفاتحة في صلاة الصبح:(...ثم تقرأ سورة من طوال المفصل، وإن كانت أطول من ذلك فحسن بقدر التغليس)(6).
وعلق أحد شراحالرسالة على هذا الكلام بقوله(...ثم بعد قراءة أم القرآن تقرأ بعدها على جهة السنية شيئا من القرآن ولو آية قصيرة كذواتا أفنانأومدهامتان أو بعض آية طويلة كآية الدين...)(7).
*إن ترك آية من الفاتحة سهوا يوجب السجود قبل السلام. فالمصليإن ترك من الفاتحة آية سجد قبل السلام. قاله إسماعيل القاضي على المذهب(يقصد المالكي) ، وقيل بعده...(8).
إن الأخذ بمثل هذه الأحكام يوجب التعرف على مبدإ الآية ومنتهاها، وهو من مواضيع علم الفواصل.
2- الحصول على أجر قراءة آيات معينة مذكورة في الحديث، وهذا يتطلب معرفة الآية. ومن تلك الأحاديث على سبيل المثال لا الحصر:
- عن أبي مسعود رضي الله عنه قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم:(من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)(9).
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان ؟ قلنا نعم. قال:فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)(10).
3- الوقوف على رؤوس الآي عند من يرى ذلك سنة. أورد الداني بسنده عن أبي عمرو- أي ابن العلاء- أنه كان يسكت على رأس كل آية، وكان يقول: إنه أحب إلي إذا كان رأس آية أن يسكت عندها.ثم قال رحمه الله:(وقد وردت السنة أيضا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند استعمال التقطيع)(11).وهو ما اختاره البيهقي رحمه الله في (شعب الإيمان) وغيره من العلماء وقالوا:الأفضل الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها.قالوا:واتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أولى(12).
ودليل هؤلاء حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته، يقرأ:(الحمد لله رب العالمين) ثم يقف.(الرحمن الرحيم)ثم يقف. وكان يقرأها (ملك يوم الدين)(13).
4- يميلورشرحمه الله رؤوس الآي وجها واحدا في سور معينة.. هيالضحى،الليل، العلق،المعارج،القيامة،الأعلى،النازعات،عبس،النجم،طه. واستثنى من ذلك ما كان فيها ها ضمير الغائبة في أواخر النازعات،وهي عشرة،وأواخر سورة الشمس،وهي خمسة عشر فله فيها الفتح والتقليل،ومن ذكراهافي النازعات،فله التقليل كسائر ذوات الراء(14).
إن عدم معرفة القاريء رؤوس الآي في العد المدني- الأول أو الثاني- يحرمه من الإتيان بتلك الإمالة إذا قرأ بقراءة نافع برواية ورش مثلا.
5- تحدي كتاب الله تعالى العرب- وهم فرسان الفصاحة والبيان- أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال عز وجل:(قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)(الإسراء 88). بل تحداهم أن يأتوا بحديث مثله فلم يستطيعوا.
وقد ذهب المحققون من العلماء إلى أن الإعجاز متحقق بسورة تامة ولو قصيرة، أو بآية واحدة أو بآيات.
وفي نفس السياق يذكر أحد الباحثين أن آيات القرآنجميعها على نمط من الأسلوب ليس في طوق البشر الإتيان بمثله. إنها وحدة مترابطة في تناسق بديع وتركيب متين مع فواتحها، وهذا قمة الإعجاز البلاغي في القرآن، وقمة الاتساق والاعتدال في آياته(15).
بل إن فواصل تلك الآياتصيغت في ألفاظ وجمل وعبارات لها إيقاع وتناسق، وتلاؤم بعضها مع ما تؤديه من المعاني. وقد تساوت فيها القرائن مما جعلها تتميز بالخفة والعذوبة كقوله تعالى:(والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا)(العاديات 1-2-3).ففي الآيات قوة في التعبير جمع بين السهولة والعذوبة، وقصر الآيات الذي يصور سرعة الخيل في عدوها، وصوت أنفاسها الذي يبينه قوله(ضبحا) ويحكيه صوت الحاء المتكرر في فواصل الآيات(16).
ويورد الباحث مجموعة من مظاهر إعجاز فواصل الآيات، مع أمثلة كثيرة تبين ذلك، غير أن المجال لايسمح بإيراد البعض منها بله كلها.
وفوائد علم الفواصل كثيرة، وفيما مضى كفاية للدلالة بها على غيرها.قال الهذلي في كامله: واعلم أن قوما جهلوا العدد وما فيه من الفوائد حتى قال الزعفراني:العدد ليس بعلم، وإنما اشتغل به بعضهم ليروج به سوقه. قال:وليس كذلك، ففيه من الفوائد:معرفة الوقف، ولأن الإجماع انعقد على أن الصلاة لاتصح بنصف آية، وقال جمع من العلماء: تجزيء بآية، وآخرون: بثلاث آيات، وآخرون:لابد من سبع. والإعجاز لايقع بدون آية، فللعدد فائدة عظيمة في ذلك(17).


الهوامش:
1- ذكره طاش كبري زادة في مفتاح السعادة(3/394) وسماهعلم معرفة عدد سوره وآياته وكلماته وحروفه، وعنه أخذ د.غانم قدوري الحمد- محقق كتاب البيان للداني رحمه الله- تسميةعلم العدد القرآني(كما في مقدمة تحقيقه للبيان ص03).
2- مرشد الخلان إلى عد آي القرآن، عبدالرزاق علي إبراهيم موسى، المكتبة العصرية- صيدا وبيروت. ط1/1409-1989، ص30.
3- نفسه ص34.
4- يذكر د.غانم قدوري الحمد ما يقرب من أربعين مصنفا في العد القرآني للمذكورين وغيرهم في تحقيقه للبيان للداني في ص ص:04و05و06، وجلها مخطوط.
5- البيان في عد آي القرآن للداني رحمه الله ، تحقيق د. غانم قدوري الحمد، الكويت. ط1/1414- 1994. ص51 من مقدمة المحقق.
6- الرسالة الفقهية لابن أبي زيد القيرواني رحمه الله ، مع غرر المقالة في شرح غريب الرسالة لابن حمامة المغراوي. تحقيق د. محمد أبو الأجفان وزميله، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ط2/1997. ص 115.
7- الفواكه الدواني للشيخ أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي المالكي ، دار الفكر- بيروت . طبعة 1415/1995. ص1/178.
8- المقدمة القرطبية، يحيى القرطبي، بشرح العلامة أحمد زروق البرنسي، تحقيق د.أحسن زقور، دار الثرات ناشرون- الجزائر. ودار ابن حزم- بيروت.ط1/1426-2005. ص212.
9- أخرجه البخاري في فضائل القرآن،باب فضل سورة البقرة،حديث5009.
10- فتح الباري لابن حجر العسقلاني رحمه الله، دار الكتب العلمية، بيروت.ط1/1410-1989. ص 9/68.
11- المكتفى في الوقف والابتدا لأبي عمرو الداني، تحقيق د.يوسف عبد الرحمن المرعشلي، مؤسسة الرسالة.ط2/1407-1987. ص146.
12- النشر في القراءات العشر لابن الجزري رحمه الله، دار الكتب العلمية- بيروت. ط1/1418- 1998. ص1/178.
13- أخرجه الترمذي في القراءات، باب في فاتحة الكتاب، حديث 2927.وقال:هذا حديث غريب، وبه يقرأ أبو عبيد ويختاره. لكن قال الألباني صحيح(ينظر:إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للشيخ الألباني رحمه الله، المكتب الإسلامي- بيروت ودمشق. ط2/1405-1985. ص2/60 حديث 343).
14- أحكام التجويد على رواية أبي سعيد الملقب بورش، حسين بوطاوي، مؤسسة الريان ، ط3/1420-2000. ص58/59.
15- د.محجوب الحسن محمد،مناسبة الفواصل القرآنية وعلاقاتها بآياتها،بحث منشور بمجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،عدد18/ذو القعدة 1417.ص74.
16- نفسه ص76.
17- الإتقان في علوم القرآن للسيوطي رحمه الله، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية-بيروت. 1407/1987. ص1/196.
(يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق